خبير ديموغرافي إسرائيلي يقدم رؤية مستقبلية لليهود في إسرائيل وباقي أنحاء العالم بحلول عام 2050. هل يؤدي الاستقرار والأمن لطفرة سكانية أو أن عدم الاستقرار والصراع سيقوم بتأخير النمو السكاني؟

هناك سيناريو إيجابي يتوقع أن تكون إسرائيل إحدى الدول المتقدمة، وتستقطب الهجرة إليها بأعداد كبيرة، وسيرتفع معدل الإنجاب، وتتعزز الهوية اليهودية، وتقل نسب اندماج اليهود مع المجتمعات التي يعيشون فيها. أما السيناريو التشاؤمي فيتنبأ بانعدام الأمن، وتزايد معدل الهجرة من إسرائيل، وضعف يهود الشتات (المهجر). ماذا سوف يحدث للعالم اليهودي بين عامي 2015 و2050؟ الإجابة في التفاصيل التالية.

 

 

باقتراب عام 2016، يبلغ تعداد الشعب اليهودي 14.3 مليون نسمة، وفقًا لتقرير مماثل للذي أقرته المحكمة الإسرائيلية العليا. أن تكون يهوديًّا اليوم، يعني أن تكون مستعدًا في المقام الأول للتعبير عن هويتك الخاصة مع سائر الشعب اليهودي بكل أطيافه، من المتشددين إلى العلمانيين، ما عدا أصحاب الديانات الأخرى.

هناك حوالي 6.3 مليون يهودي يعيشون في دولة إسرائيل (إلى جانب 360 ألفًا من الأقارب غير المسجلين كيهود في وزارة الداخلية)، وحوالي 8 مليون يهودي يعيشون في الشتات، منهم 5.7 مليون في الولايات المتحدة، و2.3 مليون في باقي أنحاء العالم (لا سيما في فرنسا، كندا، بريطانيا، روسيا، الأرجنتين، ألمانيا، أستراليا، البرازيل).

 

إن التنبؤ بعام 2050 يمدنا بمجموعة من السيناريوهات، سيناريو عالي التوقعات يتنبأ بوصول اليهود لـ20 مليونًا في إسرائيل وباقي العالم، مقابل سيناريو منخفض التوقعات يُقدر عدد اليهود بحوالي 14 مليون يهودي. طبقًا للسيناريو الوسطي الذي يتنبأ بوصول اليهود لـ17 مليونًا، يمكن لشعب إسرائيل عام 2050 أن يعود لتعداده الذي كان عليه قبل الكارثة النازية.

 

كيف نتنبأ بمستقبل الشعب اليهودي؟

في عصر من عدم الاستقرار ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في الاتحاد الأوروبي وفي مناطق أُخرى من العالم – فإن التنبؤ بالتطورات في العقود المقبلة أمر صعب وغير مستقر. وبصفة خاصة من الصعب تصور مستقبل الشعب اليهودي في إسرائيل والشتات. فالنبوءة، كما نعلم، تتنزل على الحمقى والمكفوفين والقُصر.

بيد أن التكهنات الديموغرافية مشابهة لمباراة الكرة، عندما تكون نتيجة الشوط الأول معروفة بالفعل وما يتبقى هو تحديد النتيجة النهائية، والتي لا تكون منفصلة عما حدث في الشوط الأول. وبالتالي فإن التكهنات الديموغرافية في وقتنا الحالي دقيقة دقة كافية.

ويستند التنبؤ على معدل المواليد المتوقعة في السنوات المقبلة ومستوى الصحة والوفيات، معدل الهجرة بين مختلف البلدان (بما في ذلك من وإلى دولة إسرائيل)، وعدد المنضمين إلى اليهودية أو المنفصلين عنها علنيًّا.

إن معرفة نسب المواليد والوفيات المتغيرة ببطء على المدى الطويل ومعرفة متوسط التركيبة العمرية الحالية، يجعل من المعدلات المستقبلية لا تبدو مفاجئة كثيرًا. أما الهجرة الدولية فهي الأصعب من حيث التنبؤ، لأنها متوفقة على الظروف المتغيرة التي تحدث بصورة مفاجئة في البيئة المحيطة، وفي المناطق البعيدة في جميع أنحاء العالم. ويعتبر الاندماج ظاهرة واسعة الانتشار في الدول الغربية، في حين أن التهويد مرتبط بقرارات الحاخامات المائلين للتشدد.

مستقبل الشعب اليهودي ليس مرتبطًا فقط بظروفه الداخلية الخاصة، ولكن تحديدًا بالأحداث العالمية والتي تبدو مؤخرًا خارجة عن السيطرة، والتي تتضمن الحروب والإرهاب، والتقلبات الاقتصادية، والتغيرات المناخية، والهجرة الواسعة النطاق، وقبل كل شيء استقرار الدول أو تفككها (كما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق). إن السيناريوهات المنطقية للمستقبل تقع بين نهاية عالية التوقعات ونهاية منخفضة التوقعات مما هو ممكن حدوثه بشكل عام، مع تجاهل الأحداث الكارثية التي ما زالت تحدث بين الحين والآخر في منطقتنا والعالم.

 

السيناريو الإيجابي: تزايد السكان اليهود

يعتمد السيناريو الإيجابي للشعب اليهودي على الاستقرار، والأمن والسلام، وازدهار الاقتصاد في إسرائيل وفي البلدان حيث تتواجد الجاليات اليهودية الرئيسية.

 

إن السلام والنمو الاقتصادي قد يزيد من رضا وتفاؤل المواطنين، وتظهر نتيجة ذلك في معدلات مواليد مرتفعة ومستقرة، كما أن ارتفاع مركز إسرائيل في المستوى المعيشي بين الدول الأكثر تقدمًا، من شأنه أن يزيد من نسبة اجتذابها للهجرة بأعداد أكثر من السنوات السابقة، بالإضافة إلى تحجيم عدد المهاجرين من إسرائيل للدول الأخرى. مما ينتج عنه نمو السكان في إسرائيل بشكل سريع، وانخفاض مستمر لنسبة يهود الشتات.

نتيجة لتلك الظروف الإيجابية، من المتوقع أن ينمو عدد السكان اليهود في إسرائيل (بما في ذلك الأقارب غير اليهود الذين قد ينضمون إلى اليهودية بشكل رسمي خلال تلك الفترة) إلى 8.5 مليون عام 2030، وإلى 12.5 مليون عام 2050. بإضافة 2.5 مليون عربي عام 2030، و3.5 مليون عام 2050، سيصل تعداد سكان إسرائيل إلى 11 مليونًا في 2030، و16 مليونًا بحلول عام 2050 (باستثناء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة).

السيناريو الإيجابي بالنسبة ليهود الشتات يتنبأ بارتفاع الإنتاج المنخفض نتيجة لزيادة الثقة بالنفس، وانخفاض نسبة الانصهار، وزيادة رغبة الأفراد في الإعلان عن هويتهم اليهودية الخاصة، بالإضافة إلى ارتداد القبائل المفقودة بما في ذلك المتنصرين من عصر محاكم التفتيش. ولسوف يستقر إجمالي أعداد اليهود في الشتات أو يشهد انخفاضًا منتظمًا، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى شريحة المسنين في العديد من الجاليات اليهودية، ونظرًا لاستمرار الهجرة من الشتات إلى إسرائيل.

من المتوقع أن يظل عدد اليهود خارج إسرائيل حوالي 8 ملايين في عام 2030 وأن ينخفض بشكل طفيف لـ7.5 في عام 2050. ختامًا، فإنه بضم الأقارب غير المسجلين كيهود بإسرائيل، يصل الشعب اليهودي لإجمالي 16.5 مليون بحلول عام 2030 و20 مليونًا عام 2050.

 

السيناريو التشاؤمي: معدلات إنجاب منخفضة، هجرة مرتفعة

في السيناريو التشاؤمي ينقلب كل شيء رأسًا على عقب: لا يوجد أمن في إسرائيل، والصراعات العنيفة ما زالت في ذروتها، هناك انهيار في الاقتصاد، والاستثمار، والعمالة، والدخل، وانخفاض معدل الإنجاب، وتبدأ الهجرة لإسرائيل في الانخفاض، بينما تتزايد الهجرة للخارج.

 

انخفاض معدل نمو السكان، ووصول عدد اليهود في إسرائيل إلى 7.5 مليون عام 2030، و9 ملايين عام 2050. بالإضافة لعرب إسرائيل، الذين يتزايدون بشكل أكثر بطئًا، ولسوف يبلغ عدد سكان إسرائيل 9.5 مليون بحلول عام 2030، ونحو 12 مليونًا في عام 2050.

كما يتأثر يهود الشتات بالظروف الأمنية المتدنية، وزيادة الاندماج، ومعاداة السامية، وانخفاض معدلات الإنجاب وارتفاع معدلات الشيخوخة. فتنخفض أعدادهم إلى 6.5 مليون نسمة بحلول عام 2030، وإلى 5 ملايين في عام 2050. وهكذا، طبقًا للسيناريو التشاؤمي، يكون إجمالي شعب إسرائيل 14 مليونًا عام 2030، ويظل العدد كما هو حتى عام 2050.

الحريديم يشكلون حوالي ثلث السكان

 

بطبيعة الحال، فإنه من المرجح العثور على السيناريو الحقيقي في مكان ما بين الطرفين المتناقضين، وأيضًا من الجدير بالذكر أن القطاعات السكانية المختلفة تنمو بمعدلات متفاوتة، وتتغير تركيبة المجتمع كله وفقًا لذلك. ومن المتوقع أن تزيد نسبة اليهود الحريديم (المتشددين) في إسرائيل بالتدريج – إلى ما يصل لثلث اليهود- وكذلك نسبة العرب الفلسطينيين في الدولة، حتى لو كان ذلك بنسبة أقل.

في السيناريو الإيجابي: يتم إدماج تلك القطاعات إلى حد كبير وبشكل ناجح في الحياة الاقتصادية، ويقومون بتحمل مسؤولية رفاهية أسرهم. في السيناريو المتشائم، يتم فصل تلك القطاعات من قبل التيار الرئيسي للمجتمع، وتُملأ بالاحتقان وتصبح مصدرًا للاضطرابات. كما أن المجتمعات الحريدية في الخارج موجود أيضًا على قيد الحياة.

تلك الأعداد المتزايدة تمثل تحديًا كبيرًا يواجه البنية التحتية وقطاع البيئة. لكن التعامل بنجاح ليس أمرًا مستحيلًا إذا نظرنا إلى وضع سنغافورة، من حيث الكثافة السكانية فهي أكبر بكثير مقارنةً بإسرائيل، أو في ولاية أريزونا، ولاية أمريكية مع بيئة مشابهة جدًّا لصحراء النقب في إسرائيل.

قبل كل شيء، فمن الضروري أن يستعد أي من يعمل في النظام السياسي بشكل مناسب للمستقبل الديموجرافي المتوقع في عام 2050، لأنه قادم يومًا ما.

 

– سيرجيو ديلا برغولا، هو خبير في الديموغرافيا، وأستاذ فخري في معهد هيرمان لليهودية المعاصرة في الجامعة العبرية، والذي تولى رئاسته لمدة سبع سنوات حيث يعمل الآن رئيسًا لشلومو أرجوف للعلاقات بين إسرائيل والشتات. عام 2013، حصل على جائزة مايكل لانداو لدراساته حول الديموغرافية والهجرة.

*ساهم في إعداد المادة: طالي فركش

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد