قال الكاتب الصحفي «بيتر أبس» إن مدينة حلب التي بدأت القرن الحادي والعشرين باعتبارها مدينة عالمية نسبيًّا، ووجهة للسياح الغربيين، قد تحولت إلى ركام، وذلك بالتزامن مع اقتراب سيطرة قوات النظام السوري من السيطرة على شرقي حلب، بدعم من القوات الروسية.

ورصد الكاتب المتخصص في الشؤون الدولية، والكاتب بوكالة «رويترز» في مقال نشرته الوكالة البريطانية، تاريخ المدينة السورية، الذي يمتد لأكثر من 7000 سنة، والتي جرت حولها حروب كثيرة بين البابليين، والإغريق، والرومان.

وأضاف الكاتب أنه ومع ذلك، قد تكون المعركة الحديثة للمدينة السورية القديمة مهمة من أجل مستقبل الشرق الأوسط، كتلك المعارك التي خاضتها ممالك وإمبراطوريات الماضي.

وأشار الكاتب إلى أن المعركة التي امتدت لأربع سنوات في حلب ربما تكون قد وصلت إلى مراحلها النهائية. أكثر من أي مكان آخر، باتت المدينة –واحدة من أقدم الأماكن المأهولة في العالم- أحد مراكز الزلزال للصراع السوري.

وتابع الكاتب بقوله إنه في الوقت الحالي، يمكن أن ينظر إلى سوريا باعتبارها تحدد بداية القرن الحادي والعشرين، كما فعلت الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينات، عاصفة لجميع الاتجاهات الأكثر سوءًا في السياسة العالمية، والصراعات الدولية. إذا كان كذلك، ستكون حلب مثل غرنيكا، المدينة الإسبانية التي قصفتها الطائرات النازية عام 1937، قبل الحرب العالمية الثانية.

السقوط المحتوم

وذكر الكاتب أنه في الوقت الذي صمدت فيه المدينة، فقد مثلت حلب سخرية من طموح الرئيس السوري «بشار الأسد»؛ لكي ينظر إليه مرة أخرى حاكمًا لكل المناطق المهمة في سوريا. حتى الآن وبدعم من روسيا، كانت محاولات الحكومة السورية للاستيلاء على المدينة، ناجحة إلى حد كبير. ومع تحويل قواتها لهجوم حلب الأخير، فقد تركت دمشق مدينة تدمر لسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

نفس الشيء بالنسبة لحلب، فقد باتت المدينة أقرب إلى السقوط المحتوم. فوز «دونالد ترامب» في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومع ذلك، يبدو أنه حسم الأمر. لو كانت المرشحة الديمقراطية «هيلاري كلينتون» قد حققت فوزًا في هذه الانتخابات، لكان هؤلاء الذين يقاتلون لحماية الحفنة الأخيرة من جيوب قوات المعارضة في المدينة قد شهدوا أخيرًا واشنطن تنخرط في الحرب، حتى لو كان ذلك فقط من خلال فرض منطقة حظر جوي ضد الطائرات السورية والروسية.

ربما كان ذلك سيشكل خطرًا على بقية العالم. ولكنه كان سيقدم خلاصًا محدودًا لأولئك الذين ما زالوا يقاتلون في حلب.

وقد أشار «ترامب» إلى أنه ينوي اتخاذ نهج مختلف جدًّا، وتعهد بالعمل مع موسكو وإعطاء الأولوية لمحاربة تنظيم داعش. الدول الأوروبية ما تزال تريد نوعًا من صفقة انتقال سياسي للإطاحة بالرئيس السوري، وهو الأمر الذي يبدو أنه لا يحظى بدعم واشنطن الآن.

وقال الكاتب: «المعركة لم تنته تمامًا. فشل قوات الرئيس السوري في السيطرة على المدينة المترامية الأطراف يوحي بأنها تفتقر إلى القوة القتالية للقيام بذلك. القصف الروسي والسوري قتل المئات إن لم يكن الآلاف من المدنيين، ولكن الهجمات في حد ذاتها لن تجلب النصر إلى دمشق».

ومع ذلك، يبدو على نحو متزايد كما لو أن ذلك النقص النسبي في القوة العسكرية لا يهم. فالمعارضة الآن تدرك أنها لا يمكن أن تفوز.

وساطة أمريكية روسية

وفقًا للوكالة الأمريكية، فقد توسط مسؤولون أمريكيون وروس في اتفاق للسماح لقوات المعارضة الذين ما زالوا على قيد الحياة للهروب من المدينة. لا يُظهر فقط النظام السوري ومؤيدوه الرحمة، هم أيضًا يستفيدون من العرض الذي يتيح لهم المطالبة دبلوماسيًّا بالجائزة التي ربما تطلبت عدة أشهر، أو سنوات لتحقيقها من خلال قوة السلاح.

بحسب الكاتب، سيكون نهاية الحصار نعمة إنسانية، أيًّا كان الفائز. إذا انتهى القتال، فإن الاحتياجات والخدمات الطبية على الأرجح ستصل إلى السكان المتضررين. استهداف المستشفيات ومنع شحنات المساعدات، كان جزءًا أساسيًّا من الإستراتيجية السورية الروسية. بمجرد ما سيتم السيطرة على المدينة، فمن المرجح أن تكون استعادة هذه الخدمات جزءًا من إعادة تأكيد السلطة.

الجانب المظلم من نهاية القتال، ومع ذلك، أصبح بالفعل أيضًا واضحًا، مع التقارير التي تشير إلى اختفاء، أو ربما مقتل المئات من الرجال المقاتلين بعد استسلامهم. إذا استعادت حكومة «الأسد» السيطرة على المدينة، فإنها من المرجح ستستخدم التدابير الوحشية للحد من أي احتمال لمزيد من التمرد، لا سيما إذا شعرت أن الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى لن تتخذ أي إجراء.

وأوضح الكاتب أن أي رد قاس من قبل الأسد يجب ألا يكون مفاجئًا. ما حدث وما سيحدث في حلب يختلف قليلًا عن الآلاف من قصص الحصار الأخرى على مر التاريخ. ولكن ومع اقتراب الحصار من نهايته، فإن الأمر يستحق دراسة لماذا استغرق الأمر وقتًا طويلًا للوصول إلى هذه النقطة.

نهج غربي فاتر

قال الكاتب إن نهج الغرب الفاتر في الحرب الأهلية في سوريا -تقديم الدعم لقوات المعارضة، ولكن بما لا يكفي للتغلب على الحكومة أو حلفائها الروس- قد فشل تمامًا. ربما يتعين على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها أن يتشاركوا المسؤولية الجنائية عن الرعب الذي صاحب الحرب.

وقد شهد النزاع السوري دائمًا العديد من الأطراف التي لديها مصالح متنافسة لا تعد ولا تحصى، بما في ذلك الأكراد والعرب والعلويون.

في هذه العملية، تم رسم المشهد السياسي الأوسع في الشرق الأوسط. في الأيام الأولى من الثورة، كانت حكومة الرئيس السوري تعتمد بشكل كبير على إيران حليفها الرئيسي، فيما اعتمدت المعارضة على الدول العربية المتنافسة. في العامين الماضيين، تدخلت روسيا هي الأخرى لدعم نظام الأسد.

أيضًا، أشار الكاتب إلى أنه إذا سقطت حلب قريبًا، سيكون الفضل في الجانب الأكبر منه إلى الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين». وقد أنشأت روسيا دورًا جديدًا محتملًا لنفسها، مصدر القوة العسكرية للأنظمة الاستبدادية، الذي ربما رأى الغرب نهايته. ما لا نعرفه هو ما إذا كان ذلك علامة على أشياء مقبلة.

في ليبيا في عام 2011، نظر الغرب إلى وضع مماثل -سقوط  بنغازي في يد قوات الزعيم الليبي «معمر القذافي»- وشرع في التدخل العسكري، الذي يشعر العديد من صناع القرار الآن بالندم حياله. وفي المقابل، بحلب لم تفعل الحكومات الغربية الكثير.

في بعض النواحي، كان ذلك لا مفر منه. بعد الكوارث في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، كان الشعور في واشنطن وأوروبا أنه كان هناك القليل ليجنوه والكثير ليخسروه. مع أزمة المهاجرين، وجدت أوروبا على وجه الخصوص نفسها تدفع سعرًا أعلى بكثير عن إراقة الدماء في سوريا، أكثر مما كان متوقعًا من أي وقت مضى، ولكن هذا في حد ذاته لم يبدو كافيًا لتبرير أي تدخل.

فيما يتعلق بتنظيم داعش، كان الغرب مقتنعًا أنه عثر على العدو الذي كان من الضروري مكافحته، في جزء منه لأنه كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالكفاح من أجل مستقبل العراق.

وأخيرًا، قال الكاتب إن سوريا -وحلب وعلى وجه الخصوص- لم يكن أمامهما خيارات جيدة، وربما كان من الأفضل عدم تشجيع المعارضة على الإطلاق.

وقال: «إذا كان ينظر إلى معركة حلب على أنها نوع من نقطة تحول تاريخية إقليمية، فربما سيتجادل بشأنها المؤرخون لعدة أجيال».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد