لا تزال الثقافة العامة تنظر إلى نقص الاهتمام بالجنس على أنه أمر يحتاج إلى إصلاحٍ أو علاج بطريقة ما، ولكن ماذا لو كان أي قدر من الرغبة الجنسية مقبولًا، حتى لو كان يعني ذلك انعدام الرغبة فيه؟ تناقش الصحفية والكاتبة أنجيلا تشين هذا الأمر في مقالها المنشور في مجلة «ذي أتلانتك»، وهي مؤلفة كتاب «اللاجنسي: ما تكشفه اللاجنسية عن الرغبة والمجتمع ومعنى الجنس».

Embed from Getty Images

معايير مجتمعية متغيرة

لأكثر من نصف قرن، دأب المعلمون والخبراء والمعالجون المختصون في مجال الجنس على إرشادنا فيما يخص النوع والكمَّ المناسب من الجنس الذي علينا ممارسته. لكن تقول الكاتبة أن هذه الصناعة – مثل أيِّ صناعة أخرى – تتشكل من خلال الثقافة الأوسع. وتستشهد الكاتبة باقتباس يعود للمعالج والباحث الجنسي مايكل بيري الذي يقول بأن الهدف يتمثل بـ«إيصال الجميع إلى النقطة التي يكون لديهم فيها نوع وكفاءة من الرغبة بما يتناسب مع القيم والمعايير الثقافية». وتذكر الكاتبة كيف تغيرت هذه المعايير، فمنذ عقود كان هذا الهدف ينحصر في العلاقة المغايرة الأحادية في إطار الزواج ومن دون أي غرابة أو خلاعة زائدة.

ولأن الثقافة الأمريكية توسعت في فهمها للجنس، توسع العلاج الجنسي معها. وهنا تحيل الكاتبة إلى حركة «الإيجابية الجنسية»، التي تشجِّع كافة النشاطات الجنسية الآمنة الجارية بموافقة الأطراف المعنية، وتدعو لتعزيز الاعتراف بالنشاط الجنسي بأنواعه بوصفه جزءًا طبيعيًّا وصحيًّا من التجربة الإنسانية.

لكن تقول الكاتبة إن هذا النوع من الإيجابية الجنسية نادرًا ما يترك مجالًا لمن لا يريدون ممارسة الجنس على الإطلاق، إذ تطغى الفكرة السائدة بتفضيل النشاط الجنسي، أو كما يقول بيري: «حين يلجأ الناس إلى معالج جنسي يكون المقصد حملهم على ممارسة الجنس».

وحتى في خضم «الركود الجنسي»، يظل التفكير العام متوجهًا نحو توقع الميل نحو النشاط الجنسي من البالغين الأصحاء وأن ذلك هو «الأمر الطبيعي»، ويطغى هذا التفكير على كل شيء بدءًا من قواعد المواعدة إلى الأعمال الدرامية الطبية. يُعد عدم الاهتمام بممارسة الجنس مشكلةً يجب حلُّها، وهي فكرة يمكن أن تؤذي أيَّ شخص يُنظر إليه على أنه غير مهتم بما فيه الكفاية.

Embed from Getty Images

طيف اللاجنسية

تطرح الكاتبة ما حدث مع اختصاصية التربية الجنسية إيفيان ويتني التي استقبلت عدة حالات لأشخاصٍ أخبروها باعتقادهم أنهم لاجنسانيون. راودت الشكوك ويتني تجاه بعض عملائها، فهذا التعريف يعني أن الشخص لا يختبر إثارة أو انجذاب جنسي نحو الآخر، لكن ويتني كانت تعتقد أن هذا التعريف لا يناسب معظم عملائها.

نشأت ويتني في بيئة دينية محافظة، حيث كان الحديث عن الجنس لا يرد إلا بصورة تشريحية، وكان يُتوقع منها أن تظل عذراء حتى الزواج. ومع بدء مهنتها في مجال التربية الجنسية، كانت تسمع من أقرانها أن الأشخاص «المتحررين» يطلبون جنسًا كثيرًا، وهو ما كان يُشعِرها بالخجل، لأنها لم ترد الجنس بهذا القدر. حاولت ويتني لسنوات «إصلاح» رغبتها المنخفضة من خلال قراءة كتب النصائح الجنسية. كانت الكتب ترشدها لزيادة ثقتها بنفسها وارتداء الثياب الداخلية المثيرة والاستمرار في قول «نعم» للجنس الذي لا تريده فقط من أجل تحفيز «إلهة الجنس المتقدة» في داخلها.

أثَّرت هذه التجربة الشخصية في حياة ويتني وطريقة معالجتها لعملائها، إذ جعلتها تعتقد أن الشخص اللاجنسي الذي يقابلها قد يكون مثلها مجرد شخص تلقى وجهة نظر جامدة للغاية عن الجنسانية، وربما لا يكون لاجنسي كما يظن.

لكن ويتني تشعر ببعض الندم على ذلك الموقف الذي كانت تتخذه تجاه العملاء، فعند مراجعتها للأشخاص الذي مرُّوا عليها؛ فإن بعضهم كانوا محقين للغاية ولم يكونوا بحاجة إلى دفعهم للمزيد من النشاط الجنسي. أدركت ويتني أيضًا أنها نفسها تقع ضمن طيف اللاجنسانية.

تُدرج الجمعية الأمريكية لمعلمي ومستشاري ومعالجي الجنس (AASECT) اللاجنسية في مناهجها جزءًا من «مجال المعارف الأساسية» الذي يغطي التوجه الجنسي والهوية الجنسية، ولكن المتدربين غير مطالبين بدراسة اللاجنسية بخلافِ تلك النظرة العامة. تنوه الكاتبة أن عددًا من المعالجين والمتدربين على العلاج الجنسي ممن قوبلوا لأجل هذه المقالة أكدوا عدم تلقيهم معلوماتٍ مفصَّلةً حول اللاجنسية في تدريبهم.

علَّمت ويتني نفسها جزئيًا عبر البحث في الإنترنت، وشرحت للكاتبة كيف أن معظم المعلومات التي وجدتها حول اللاجنسية كانت سريرية ومربكة. لم توضح المصادر كيف تنتشر اللاجنسية على نطاق واسع، وكيف يريد بعض الأشخاص اللاجنسيين الجنس ويستمتعون به لأسباب لا علاقة لها بالانجذاب الجنسي لأي شخص معين، وكيف أن اللاجنسية والرغبة المنخفضة بالجنس أمران متداخلان لكن غير متماثلين.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الكثير من الناس لديهم رغبة منخفضة، وليس كلهم لاجنسيين. في العديد من العلاقات التي لا تتطابق فيها مستويات الرغبة الجنسية، يعتقد الشريك ذو الرغبة المنخفضة أنه يتحمل المسؤولية وحده فقط. ويمكن أن يشعر المرء بأنه معطوب أو غير صالح حتى لو كان لديه شريك. توضح الكاتبة السبب وراء هذه المشاعر: عندما ترتبط مفاهيم الصحة والطبيعية بالرغبة في ممارسة الجنس، قد يصعب فكُّ الضغط الثقافي عما يناسبك أنت على أرض الواقع.

Embed from Getty Images

كيف نفرق؟

تورد الكاتبة عدة أمثلة لأشخاصٍ اضطروا للضغط على أنفسهم لخوض الكثير من التجارب قبل أن يدركوا لاجنسيتهم، وهو ما يترك مجالًا لسؤال تطرحه الكاتبة على المعالجة الجنسية مارثا كاوبي: كيف يمكنني معرفة ما إذا كان العميل لاجنسيًا أو ما إذا كان هناك عامل آخر – عامل يمكن معالجته – يسبب عدم الاهتمام؟

يسأل اللاجنسيون أنفسهم هذا السؤال أيضًا، لأنه بالطبع يمكن أن تؤثر مجموعة متنوعة من العوامل في كيفية تجربة الانجذاب الجنسي والرغبة الجنسية. قد يستغرق الأمر وقتًا طويلًا والكثير من المعرفة الذاتية لإدراك تعقيد الأمر – فقد تكون مصابًا باضطراب القلق ولاجنسيًا أيضًا، أو لاجنسيًّا ولديك وسواس قهري في الوقت نفسه. أو كما في حالة ويتني، لديك خجل جنسي أتى من النشأة في بيئة محافظة، وهو شيء يمكنك معالجته، لكنك لا تزال لاجنسيًا مع ذلك.

وتؤكد الكاتبة: يمكنك التجريب دائمًا ومحاولة رفع مستوى رغبتك الجنسية إذا كان يهمك الأمر، لكن ليس عليك الاستمرار بالمحاولة لمجرد أن الآخرين يقولون لك ذلك. يمكن أن يُخطِئ الخبراء ويمكن أن تكون محقًا.

Embed from Getty Images

اعرف ما تريده

تقول الكاتبة إن العديد من المعالجين ذوي النوايا الحسنة ممن يثقفون أنفسهم عن اللاجنسية يتبنون منهجًا يتفرَّع إلى خيارين: إذا كان شخص ما لاجنسيًّا فلنتركه وشأنه، أما إذا لم يكن، فعلينا أن نشجعه على المزيد من النشاط الجنسي. لكن توضح الكاتبة أن هذا منهج غير شامل أيضًا، فقلة الاهتمام بالجنس – سواءً كانت تعود للهوية اللاجنسية أم لا – ليست مشكلة من الأساس. ولذلك يجب ألا ينصبَّ جلُّ الاهتمام على زيادة كمِّ النشاط الجنسي، يمكنك التمتع بحياة جيدة دون ممارسة الجنس. والأهم من تصنيف العملاء هو البدء من نقطةٍ يكون الجميع فيها مقبولين.

لا تهتمُّ كاوبي في منهجها بشأن التركيز على السبب أو التشخيص أو التصنيف، أو حتى التفريق المحدد بين اللاجنسية والرغبة المنخفضة. بدلًا من ذلك، تركز كاوبي مع عميلها على تصور الاحتمالات العديدة للحياة الجيدة/السعيدة، بما في ذلك الحياة دون الرغبة الجنسية أو الانجذاب الجنسي أو الجنس بالمطلق.

وتنقل الكاتبة عن كاوبي: «لن أفترض أن سعادتك ستزيد إذا أردت ممارسة الجنس. هذا سخيف. المفتاح هو معرفة ما يريده العملاء حقًّا مقابل ما يعتقدون أنهم يجب أن يريدوه»، وتضيف كاوبي: «يقول الناس لي في بعض الأحيان: أتمنى أن يكون الجنس على قائمتي ولكنه ليس كذلك. فأقول لهم حينها: من الملفت أنك ترغب بأن يكون موجودًا، لدي فضول لمعرفة معنى ذلك».

يقرر بعض الناس أنهم بخير على حالهم دون تغيير، فيما يقرر البعض الآخر أنهم يريدون تنمية رغباتهم ولكن الفارق المهم هنا أنهم يفعلون هذا الشيء لأجل أنفسهم، وليس لأنه شيء عليهم فعله ليصبحوا «طبيعيين». كما أن قبول كل مستويات الرغبة لا يعني تجاهل الضغوط التي يمكن أن يسببها تناقض مستوى الرغبة بين الشريكين.

توضح الكاتبة أنه في حالة الأزواج، فإن العلاج الجنسي (الذي لا يصنِّف انخفاض الرغبة الجنسية على أنه خلل) لا يحاول إخفاء التضارب أو إلقاء اللوم على الشريك ذي الرغبة العالية مثلًا، بل يتمثل غرضه بالاعتراف بأن أيَّ شخصين سيكون لهما دائمًا رغبات مختلفة، ولكن لا أحد مخطئ منهما، ومعرفة أيَّ تسوية ممكنة لتقريب الطرفين إلى منطقة وسطى.

Embed from Getty Images

نحو اعترافٍ أفضل باللاجنسية

على الرغم من زيادة الوعي حول توجه اللاجنسية، فإن الكاتبة تعتقد أن المناقشات بشأنه لا تزال تفتقر إلى العمق والدقة غالبًا. وإلى جانب ذلك، لا يزال خبراء الجنس في بداية الطريق نحو تحدي الفكرة العامة القائلة بأن هناك خللًا في عدم أو انخفاض الرغبة في ممارسة الجنس.

الجنسانية أمر معقد ومتعدد الأوجه ومتغير في كثير من الأحيان. عمل الناشطون والمربُّون على توسيع مفهوم الجنسانية عن السابق، فأصبحت الثقافة العامة أكثر تقبلًا لأنواع الجنسانية المختلفة عن الجنس المغاير والأحادي المحافظ. لكن – كما تشدد الكاتبة – يجب أن تحتفي الحرية الجنسية الحقيقية بالجنس بالتراضي لمن يريدونه والابتعاد بالوقت نفسه عن إضفاء الطابع المرضي لمن لا يريدونه بالقدر نفسه. وهذا يعني السماح للناس بالتجربة دون تحديد الانجذاب الجنسي أو الرغبة الجنسية شرطًا للصحة أو السعادة أو الحياة الجيدة.

جنسانية

منذ سنة واحدة
مترجم: ظاهرة اللاجنسية.. لماذا لا يريد بعض الناس ممارسة الجنس أبدًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد