نشر موقع مجلة «دير شبيجل» الألمانية تقريرًا، تحدثت فيه عن ازدياد جرائم طالبي اللجوء من مواطني دول شمال أفريقيا، وعن جهود الحكومة الألمانية لترحيلهم. وأبرز التقرير عدة قصص لجناة لاجئين من دول شمال أفريقيا، من بينهم أنيس عمري المتهم بتنفيذ هجوم سوق عيد الميلاد في برلين، والذي سعت السلطات الألمانية لترحيله قبل وقوع الهجوم، لكنها لم تنجح لعدم اكتمال أوراقه.

يقول التقرير: «الساعة الخامسة والنصف صباح أحد أيام شهر أبريل (نيسان)، لا يزال السجناء الآخرون نائمين عندما أيقظ الحراس سمير البالغ من العمر 36 عامًا. أُخبِر سمير -تونسيّ الجنسية- بأن يرتدي ملابسه في هدوء، ليصطحبه حراس ملثمين إلى فناء سجن درِسدِن».

في الفناء، كانت هناك سيارة مرسيدس سوداء تنتظر سمير لتأخذه في رحلته الأخيرة داخل ألمانيا. انطلقت السيارة تجاه مطار «لايبزيج هال»، حيث سيتم ترحيل سمير. وقد صارت مدينة لايبزيج مركزًا للترحيلات، إذ تم ترحيل ما يزيد عن 2100 أجنبي من مطار المدينة خلال العام الماضي.

أبرز التقرير عدة قصص لجناة لاجئين من دول شمال أفريقيا، من بينهمم أنيس عمري المتهم بتنفيذ هجوم سوق عيد الميلاد في برلين، والذي سعت السلطات الألمانية لترحيله قبل وقوع الهجوم، لكنها لم تنجح لعدم اكتمال أوراقه.

على متن الرحلة «ST 2828»، كان هناك 16 مُرحلًا إلى تونس إلى جانب سمير، بالإضافة إلى 67 ضابطًا اتحاديًا وطبيبين ومترجم. كان الضباط حذرين للغاية في حراستهم للسجناء المُرحّلين، فقد كانوا يبقونهم مكبلي اليدين حتى أثناء استخدامهم المرحاض. يحاول المُرحَّلون تجنّب ترحيلهم بأية طريقة، حتى عن طريق إيذاء أنفسهم، فقد كانت هناك حالات لسجناء يخبئون شفرات الحلاقة في أفواههم، أو يخبئون آلات حادة في أحزمتهم. لذلك، تم تعيين ثلاثة مرافقين شخصيين لحراسة كل تونسيّ على متن الطائرة. وقد طُلِب من سمير خلع ملابسه بالكامل لتفتيشه، إذ يبحث الطبيب عن أية أدوات قد يحاول السجين تهريبها.

بدا سمير هادئًا، لدرجة أن الضباط تركوه دون أصفاد. يقول سمير «في تونس، لم يكن لديّ أي أمل ولا مستقبل». في عام 2008، استقل سمير قاربًا لمهربين ليبيين، وعبر البحر المتوسط إلى إيطاليا حيث أقام لمدة عام، قبل السفر إلى بلجيكا، وهولندا، وسويسرا. وقد وصل سمير إلى ألمانيا في مايو (أيار) 2014، وتقدّم بطلب للجوء. يقول سمير إنه أراد أن يبدأ حياة جديدة في ألمانيا، وكأن يأمل في أن يجد عملًا. كان سمير قد ترك مدرسته في تونس وهو في الثانية عشر، وعمل حلاقًا، لكنّه ليس لديه أية مهارة أخرى. وقد اعترف سمير عند استجوابه في المحكمة أنه بدأ تدخين الحشيش عندما كان في العاشرة.

اقرأ أيضًا: المجر أخطر من ترامب.. 6 حكايات عن الدولة الأكثر عنصرية ضد اللاجئين في العالم

رفضت السلطات الألمانية طلب سمير للجوء، لكن لم يتم ترحيله، بل تم إعطاؤه شهادة تُعلّق ترحيله. اتجه سمير لتجارة المخدرات في محطة القطار الرئيسية في درِسدن، وأدمن الميثامفيتامين -والذي يُعرَف بالكريستال ميث- وكان يشرب من 7 إلى 10 زجاجات من البيرة أو زجاجة من الفودكا يوميًا. ولسوء حظه، كان من بين من باع سمير الحشيش لهم ضباط شرطة يرتدون ملابس مدنية. وفي يوليو (تموز) 2016، أدانته محكمة درسدن بجرائم سرقة وإدمان المخدرات، وحُكِم عليه بالسجن لمدة سنة وتسعة أشهر، ورأت السلطات أن إدمانه للمخدرات يجعله من المحتمل أن يرتكب جرائم أخرى في المستقبل.

ليلة صادمة

ذكر التقرير أن الشباب المغربيّ والتونسيّ والجزائريّ كانوا هم الأسوأ سمعة في ألمانيا في السنوات الأخيرة. في عام 2016، فقط 2.4% من طالبي اللجوء جاءوا من دول شمال أفريقيا. ومع ذلك، فإن 11% من المهاجرين المشتبه في ارتكابهم جريمة كانوا من منطقة المغرب العربي. أظهرت عينات عشوائية في كولونيا أن 40% من المهاجرين من دول المغرب العربي ارتكبوا سرقة أو سرقة بالإكراه خلال السنة الأولى من وصولهم، بحسب ما ذكره توماس شولت، رئيس القسم الجنائي في كولونيا والذي ترأس التحقيقات في أحداث الاعتداءات على النساء في كولونيا في ليلة رأس السنة 2015/2016.

كانت هذه الليلة الصادمة هي السبب في تغيير نظرة ألمانيا للاجئين، بعد أن كانت قد استقبلت مئات الآلاف في الأشهر السابقة للحادثة. كان معظم المشتبه بهم في حادثة رأس السنة قادمين من دول شمال أفريقيا أو «نافريس» كما تطلق الشرطة عليهم، وهو مصطلح عاميّ يُقصد به «مجرمين من شمال أفريقيا».

الكثير من المجرمين من المهاجرين هم جناة مكررون. ولكن تم ترحيل 660 فقط من الجزائريين والمغاربة والتونسيين في عام 2016، بالرغم من صدور أوامر ترحيل نحو تسعة آلاف منهم. لذلك، تعتزم الحكومة الاتحادية الآن الإسراع في عمليات الترحيل.

في كولونيا ودوسلدورف على وجه التحديد، كافحت الشرطة المجرمين من المغرب والجزائر وتونس لسنوات، فقد حققت مع 400 مشتبه به من دول المغرب العربي في عام 2016 وحده. لكن في الآونة الأخيرة، ازدادت أعداد المجرمين من هذه الدول في مناطق أخرى من ألمانيا. في ساكسونيا، فإن أغلب المجرمين الذين يكررون ارتكاب جريمة هم من أحد دول المغرب العربي، كما يهيمن مواطنو شمال أفريقيا على تجارة المخدرات في الحي المحيط بمحطة قطار فرانكفورت. وفي كارلسروه، شكّلت السلطات المحلية فرقة للنظر في عمليات سطو متكررة من مهاجرين خلال فترة قصيرة، وكان الكثير من المشتبه بهم قادمين من دول شمال أفريقيا. وتعتقد الشرطة أن السبب وراء انخفاض عدد الجرائم في كارلسروه هو خفض عدد المهاجرين في المدينة.

الكثير من المجرمين من المهاجرين هم جناة مكررون. ولكن تم ترحيل 660 فقط من الجزائريين والمغاربة والتونسيين في عام 2016، بالرغم من صدور أوامر ترحيل نحو تسعة آلاف منهم. لذلك، تعتزم الحكومة الاتحادية الآن الإسراع في عمليات الترحيل.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: لماذا يُجبَر لاعب كرة قدم ألماني من أصل تونسي على الاختيار بين دينه ومستقبله؟

وقد أجرى البرلمان الألماني تعديلات خلال الأسبوع الماضي تشدد قانون اللجوء، فقد زادت المدة القصوى لحبس ما قبل الترحيل من أربعة أيام إلى عشرة أيام. لكن في المقابل، تم تخفيف القوانين المتعلقة بالاعتقال قبل الترحيل ومراقبة الأشخاص الذين يُعتبرون تهديدًا. والهدف من هذه التعديلات هو التصدي لمن رُفضت طلبات لجوئهم، مثل التونسي أنيس عمري الذي نفذ هجومًا على سوق لعيد الميلاد في برلين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالعديد من اللاجئين من دول شمال أفريقيا يتجهون للاختباء، ولم تُظهِر بلدانهم الأصلية أي تعاون.

فاض الكيل

فاض الكيل برجال الشرطة والسلطات في ألمانيا من المجرمين القادمين من المغرب وتونس والجزائر. غالبًا ما يكون لدى هؤلاء الشباب سجل جنائي عند وصولهم في ألمانيا، بعد أن كانوا لصوصًا أو تجار مخدرات في بلدانهم، بحسب ما أورده التقرير. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكثير منهم مدمنو مخدرات، أو مدمنون للكحول والماريجوانا والمسكنات الطبية، بحسب ما ذكره شولت، المحقق الجنائي الذي ترأس مشروع الشرطة «نافري» في 2013، وهو مشروع تحليل واسع النطاق للمجرمين من بلدان المغرب العربي.

ويقول شولت بأن احتمالية ارتكاب هؤلاء المجرمين جرائم عنيفة مرتفعة للغاية باستخدام السكاكين التي يستخدمونها في عمليات السرقة. وقال شولت بأنهم كثيرًا ما يستخدمون هويّات مزيفة ويرفضون التعاون خلال استجوابهم ونادرًا ما يظهرون ندمًا، وأضاف «هذا ينُمّ عن درجة عالية من الازدراء لنظامنا القانوني».

حتى أوائل عام 2016، كان أكثر من 12 شابًا من دول شمال أفريقيا يعيشون في مساكن جماعية في منشأة فيسبادن الإصلاحية، ولكن تم نقلهم إلى سجون للبالغين عندما بدؤوا في أعمال الشغب. داخل السجن، ابتلع بعض منهم قطعًا من الملاعق أو الزجاج، وفقًا لإدارة السجن، وبدا الكثير منهم غير مهتم بأي شيء. من الأسباب الرئيسية لذلك، هو عدم وجود مستقبل لهم في ألمانيا، فقد تم قبول أقل من 4% من طلبات اللجوء التي قدمها المغاربة والتونسيون والجزائريون.

«يجرب حظه»

يجلس عبدُل (19 عامًا) في زي السجناء الأزرق في غرفة الزوار في مركز ويتليش لاحتجاز الأحداث بولاية راينلاند بالاتينات، فمن المقرر أن تتم محاكمته هو في اليوم التالي بتهمة الاعتداء والسرقة، وجرائم أخرى. اتُّهم عبدل، هو وشاب سوري، بالهجوم على رجل وسرقته بينما كان نائمًا في محطة القطار الرئيسية في مدينة ترير الواقعة في غرب ألمانيا. يُذكر أن عبدل، تمت إدانته بالسرقة من قبل، وقد أعطت له القاضية فرصة أخيرة ليتمكن من استكمال برنامج تدريبي ليصبح حدّادًا، مع وضعه تحت المراقبة.

كانت رحلة عبدل في أوروبا قد بدأت في أسبانيا، بعدما هرب إليها من المغرب بشكل غير شرعي. وقد أُلقِي القبض عليه في أسبانيا بسبب السرقة، وأُرسِل إلى منزل للاجئين دون السن القانونية غير المصحوبين بذويهم. ثم ذهب إلى فرنسا بعد ذلك، فأمضى حياته متسولًا. بعد ذلك، في يوليو (تموز) 2017، قرر أن يعيش في ألمانيا، فاحتجزته الشرطة ونقلته إلى بيت لللاجئين القصر، وكان عمره 15 عامًا فقط حينها.

محاولة للمساعدة

أراد ميمون بيريسون، وهو أخصائي اجتماعي بكولونيا وله جذور مغربية، مساعدة الجناة الشباب، فأطلق مشروعًا يسمّى «180جراند ويندي» أي تحول 180 درجة، والذي يهدف إلى إبقاء المهاجرين الشباب بعيدًا عن حياة الجريمة ومنعهم من أن يصبحوا متطرفين. يقول بيريسون أنهم على عِلم بالعديد من المشاغبين المعروفين، وأن العديد من هؤلاء لم يتجهوا إلى حياة الجريمة إلا بمجرد وصولهم إلى ألمانيا، فهم يُعتَبرون أهدافًا سهلة للمجرمين المحترفين.

كان هذا سببًا في رغبة بيريسون في إطلاق مشروع تجريبي يختار مجموعة من الشباب يسعون خلال هذا المشروع لجمع نقاط ليحصلوا على الإقامة كمكافأة في النهاية. على سبيل المثال، يحصل المشاركون على نقاط إذا ما اجتازوا اختبار اللغة الألمانية أو إذا حصلوا على تدريب. ويتم توعية المشاركين كذلك بالمخالفات القانونية التي يجب تجنبها، بحسب ما ذكره بيريسون. يقول بيريسون «علينا أن نبتكر حلولًا جديدة لمشكلة الجريمة، بدلًا من ترحيل هؤلاء الشباب» مفسرًا ذلك بأن المزيد من هؤلاء الشباب سيتمكنون من دخول أوروبا، إذ أنه من السذاجة الاعتقاد بأن أوروبا بإمكانها عزل نفسها.

أراد ميمون بيريسون، وهو أخصائي اجتماعي بكولونيا وله جذور مغربية، مساعدة الجناة الشباب، فأطلق مشروعًا يسمّى «180جراند ويندي» أي تحول 180 درجة، والذي يهدف إلى إبقاء المهاجرين الشباب بعيدًا عن حياة الجريمة ومنعهم من أن يصبحوا متطرفين.

يعمل سامي تشارشيرا، أخصائي اجتماعي مغربيّ النشأة يقيم في دوسلدورف، وهو مؤيد أيضًا لفكرة بذل المزيد من الجهد لمنع الجريمة. دعا تشارشيرا الجمعيات الثقافية والرياضية الشمال أفريقية في ألمانيا إلى التواصل مع الشباب بشكل أكبر، إذ يرى أنهم يمكنهم الوصول إلى الشباب بشكل أسرع لأنهم يتكلمون نفس لغتهم وهم على دراية بثقافة هؤلاء الشباب ودينهم. يقول تشارشيرا «بالطبع هناك بعض المجرمين لا يمكن إعادة إدماجهم في المجتمع، لكن هناك شباب يحتاجون ببساطة إلى أشخاص للتحدث معهم، ونماذج يحتذى بها».

في عام 2014، أطلقت وزارة الداخلية في ولاية شمال الراين-وستفاليا مشروعًا يسمّى «كلاركومن» والتي تعني «تأقلم»، والذي يهدف لإرشاد للشباب القادمين من بلاد المغرب العربي، ومساعدتهم في تعلم اللغة الألمانية، كما يقدم الدعم للعائدين إلى وطنهم. وتحدّث مسؤولو الوزارة عن نجاح المشروع قائلين بأن برنامج تعزيز اللغة والتدريب المهني قد حقق «نتائج جيدة»، بالنظر إلى عدد الجرائم التي ارتكبها الشباب الذين يتلقون المشورة والذي انخفض بشكل كبير.

هل كان المزيد من الدعم والمساعدة كافيًا لمنع عبدل من الانجراف إلى حياة الجريمة؟ الحقيقة المؤسفة هي أنه تلقى الكثير من الدعم، فبعد احتجاز الشرطة له، تم نقله إلى مركز «دون بوسكو هيلنبرج» لرعاية الشباب. كان هناك ملاعب كرة السلة وجدار تسلق وصالة رياضية في المركز. انضم عبدل للمدرسة الموجودة داخل المركز، لكنه كان يجد الدراسة صعبة للغاية، فقد كان عليه تعويض قرابة عقد فات من عمره دون تعليم . على الرغم من ذلك، أُعطي فرصة ثانية، فسمح له بالبدء في برنامج تدريبي لعمال تشكيل المعادن. لكن انتهى به المطاف في السجن قبل أن يكمل البرنامج.

إن القانون الذي اقترحته الحكومة الألمانية والذي يصنّف بلدان المغرب العربي كبلدان منشأ آمنة تم رفضه من قِبل المجلس الاتحادي الألماني «البوندسرات»، وهو الهيئة التشريعية التي تمثل الولايات الاتحادية.

وعاش عبدل مع أسرة ألمانية لفترة، وكانت علاقته بهم جيدة، إلا أنهم لم يستطيعوا منعه من شرب الكحوليات أو الوقوع في المشاكل. عندما عُرِض عبدل على القاضية هذه المرة، لم تتساهل معه مثلما السابق. وبأخذ ماضيه في الاعتبار، حكمت عليه بالسجن لمدة سنتين وستة أشهر في احتجاز الأحداث. تقول القاضية «لقد أعطت ألمانيا هؤلاء المتهمين الحق في البقاء هنا، لكنهم لم يُقدِّروا ذلك. عليهم أن يتعلموا الالتزام بنظامنا القانوني». لكن القاضية أضافت قائلة بأنه من الخيال أن نعتقد بأنهم قادرون على تحقيق ذلك من تلقاء أنفسهم، فقد سلبتهم ظروف حياتهم فرصهم للنضج.

الآن يقترب موعد ترحيل عبدل، وقد علم من القنصلية المغربية أن والدته قد تُوفيت، ومع ذلك لم تقدم له السلطات الألمانية أية مساعدة. يقول عبدل «إذا تم ترحيلي فلن أبقى في المغرب لأكثر من يوم. ماذا يُفترض أن أفعله هناك؟».

خياران سيئان

تعتبر المغرب دولة مستقرة سياسيًا، فالكثير من المواطنين يدعمون الملك محمد السادس كما أنها لم تشهد انتفاضة في الربيع العربي، على نقيض تونس. لكن الشرطة المغربية معروفة بوحشيتها، لذلك فإن القانون الذي اقترحته الحكومة الألمانية والذي يصنّف بلدان المغرب العربي باعتبارها بلدان منشأ آمنة تم رفضه من قِبل المجلس الاتحادي الألماني «البوندسرات»، وهو الهيئة التشريعية التي تمثل الولايات الاتحادية.

أما الجزائر فقد عانى اقتصادها في السنوات الأخيرة، وتخطت نسبة البطالة 10%، بينما وصلت النسبة الرسمية لبطالة الشباب إلى 25%. ومع استبداد الحكومة الجزائرية، أنتجت الجزائر العديد من المتطرفين الإسلاميين.

بينما في تونس، فالكثير من التونسيين يعتقدون أن أمامهم خيارين فقط، إما ركوب قارب إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية أو الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية. بلغت نسبة البطالة بين الشباب في تونس، بعد ست سنوات من ثورتها، 40%. وتعتبر الأزمة الاقتصادية في تونس عاملًا أساسيًا في جعلها، على الرغم من كونها مهد الربيع العربي، أرضًا خصبة للإرهاب، إذ تعتبر أحد أكثر البلاد التي ينضم شبابها إلى الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق وليبيا.

اقرأ أيضًا: «هتلر وترامب»: منذ الحرب العالميَّة.. كيف تبادلت أمريكا وألمانيا الأدوار؟!

تقطعت بهم السبل

في أحد أيام الأربعاء من شهر أبريل (نيسان) الماضي، هبطت الرحلة «ST 2828» في مدينة النفيضة، وعلى متنها سمير، تاجر المخدرات المُرحّل من ساكسونيا. قبل بضع سنوات، كانت المدينة حيّة وكانت مقصدًا لقضاء العطلات، لكن الحياة أُخمدت فيها منذ الهجوم الإرهابي على شاطئ سوسة في 2015.

قامت شرطة الحدود التونسية بإنزال المُرحّلين من الطائرة، ثم قامت باستجوابهم، بينما كانت بعض العائلات تنتظر أبناءهم خارج صالة الوصول. بعد مرور تسع ساعات ونصف، سمحت الشرطة للرجال الـ17 بمغادرة المطار أخيرًا. التقى ثلاثة منهم بعائلاتهم، بينما تم توفير حافلتين إحداهما متوجهة لسوسة والأخرى لتونس لنقل الباقين، بما فيهم سمير.

بعد يومين، كان سمير جالسًا في فناء منزل والديه، وبدا شاحبًا، وكان مرتديًا نفس الملابس التي تم ترحيله فيها. ظل سمير في المنزل، فلا أحد يعلم بعودته إلى بلاده مرحّلًا بعد قضائه تسع سنوات في أوروبا. الآن، سمير باقٍ في قريته دون عمل، كما هو حال قرابة نصف شباب القرية.

«يا لها من مضيعة»

يجلس سمير في غرفة معيشة منزل والديه كالغريب، ويبدو أن كل ما قاله قبل ترحيله من لايبزيج كان كذبًا. كان سمير قد ادّعى أنه استخدم أرباحه في ألمانيا لشراء سياراتيّ أجرة في تونس، وأنه يعتزم توسيع أعماله التجارية في المستقبل، وأنه يرى نفسه في المستقبل رجل أعمال حر، وأنه ينوي إنشاء أسرة، ولكن اتضح أن كل ذلك كان مجرد ثرثرة.

لا يزال يفتخر سمير بالأيام التي تاجر بالمخدرات فيها، إذ يقول «كانت حياة رائعة مليئة بالمخدرات والمال والنساء. ماذا كان يمكنني أن أفعل بعد عدم سماحهم لي بالعمل؟». وذكر سمير أنه تعاطى المخدرات لمدة عامين، وشجعه ذلك على العمل في تجارتها دون تردد. «المخدرات لم تقتلني. ولو لم أقم ببيعها، سيقوم شخص آخر بذلك»، هكذا علّق سمير على عمله تاجرًا للمخدرات.

لكن عندما تبدأ والدته، تشعر بمدى الفشل الذي وصل إليه سمير، وتعلم أن عائلته لن تغفر له. لم تكن هناك سيارتا أجرة أبدًا، كما أن شقيقه هو الذي يموّل الأسرة شهريًا من المال القانوني الذي يكسبه من عمله طباخًا في ولاية تورينجيا الألمانية. تقول والدة سمير «كان علينا أن نقترض عدة آلاف من الدولارات من الجيران حتى يتمكن من المغادرة، وما زلنا مدينين لهم بالمال حتى اليوم، وها هو يعود إلى الوطن خالي الوفاض. يا لها من مضيعة».

تصاعد عمليات الترحيل

في مارس (آذار) الماضي، قام وزير التنمية الألماني، جيرد مولر، بتأسيس المركز التونسي الألماني للتشغيل والهجرة وإعادة الإدماج في العاصمة، تونس. وعلى مدار ثلاثة شهور، عمل المركز على مساعدة التونسيين العائدين من أوروبا على إيجاد فرص عمل، وإعادة تدريبهم واستكمال تعليمهم. كما يساعد المركز الراغبين في الهجرة عن طريق تقديم معلومات عن المسارات القانونية للتوظيف أو الدراسة في ألمانيا. ولكن أمثال سمير غير مؤهلين للحصول على الخدمات التي يقدمها المركز، فهي تُقدّم فقط للعائدين بإرادتهم وليس للمجرمين المُرحّلين.

لسنوات، واجهت السلطات الألمانية عقبات كبيرة في ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين إلى المغرب العربي. على الرغم من قيام الكثير من طالبي اللجوء المرفوضين بإتلاف وثائقهم الشخصية عن عمد، لم تتعاون بلدانهم لإصدار جوازات سفر بديلة بالسرعة المطلوبة، أو أنهم ادعوا ببساطة أن هؤلاء ليسوا مواطنيهم.

إن التعاون بين وزارة الداخلية الألمانية وبلدان المغرب العربي في عمليات ترحيل الأفراد الذين يمثلون خطرًا قد شهد تحسنًا ملحوظًا. استقبلت تونس 50 من مواطنيها في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، مقابل 8 فقط في نفس الفترة من العام الماضي.

منذ اعتداءات ليلة رأس السنة في كولونيا، حث وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير دول شمال أفريقيا على المزيد من التعاون. ففي فبراير (شباط) 2016، توجه دي ميزير بصحبة وفد إلى شمال أفريقيا، ليلتقي برؤساء ووزراء الداخلية في تونس والجزائر والرباط، وتحسنت الأمور إلى حد ما نتيجة لذلك. لكن في قضية أنيس عمري، تأخر ترحيله لعدة أشهر بسبب عدم إصدار وثائق له. وفي يوم 21 ديسمبر (كانون الأول) 2016 فقط، أكدت القنصلية التونسية العامة في بون أن عَمري مواطن تونسي، أي بعد يومين من قتله 12 شخصًا.

على أية حال، فإن التعاون بين وزارة الداخلية الألمانية وبلدان المغرب العربي في عمليات ترحيل الأفراد الذين يمثلون خطرًا قد شهد تحسنًا ملحوظًا. استقبلت تونس 50 من مواطنيها في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، مقابل 8 فقط في نفس الفترة من العام الماضي. كما قامت ألمانيا في نفس الفترة بترحيل 207 شخصًا إلى المغرب والجزائر، أي أكثر 11 مرة مقارنة بالربع الأول من عام 2016. ووفقا لوزارة الداخلية الألمانية، تحسن التعاون مع بلدان المغرب العربي في عمليات ترحيل الأفراد المهددين.

اقرأ أيضًا: أفضل بلدان يمكنك الهجرة إليها في 2017

عمل صالح وحيد

رأى سمير أن أنيس عمري لم يكن يقود الشاحنة التي نفذت هجوم سوق عيد الميلاد في برلين، فهو يعتقد أنها «مؤامرة كبرى» لترحيل المواطنين التونسيين أمثاله. وقال سمير أنه لم يعد يريد الذهاب إلى أوروبا، وهو الآن بلا مستقبل في تونس، وعائلته مضطرة لدعمه. تقول والدة سمير إنه لم يفعل أي شيء مفيد في حياته سوى مرة واحدة عندما تبرع بكليته لأخته المريضة. وتعزّي والدة سمير نفسها بأن ابنها على الأقل لم يصبح متطرفًا إسلاميًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد