نشرت «مجلة نيويورك» مقالًا للكاتب أندرو سوليفان ناقش فيه الحالقة العقلية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما ينبغي فعله تجاه الوضع الراهن الذي سببه صعود شخص مثل ترامب إلى منصب قيادة أقوى دولة في العالم. قال سوليفان:

أحسب أنه ينبغي لي أن أبدأ بالقول إنَّ هذه ليست مدونة. لا ولا هي ما يمكن أن يسميه أحدهم عامودًا. إنَّها نوع من التجربة لأرى إن كان ثمة وسط بين هذين النوعين من الكتابة. سوف أكتب، منذ الآن، معظم أيام الجمعة، في هذه المساحة عن نهاية الحضارة الغربية، وانهيار الجمهورية، إلى جانب أشياء أخرى من بينها، طبعًا، مخبوزاتي المفضلة. لو كنتم من القراء القدامى لموقعي القديم، فربما تجدون أنفسكم، أحيانًا، تقرؤون في مساحات جديدة عليكم، وعليَّ أنا أيضًا. إنَّ النموذج الذي أحاول اتباعه ها هنا أشبه بفكرة المذكرة الأسبوعية المعروضة في مجلة بريتيش ــ أعلق فيها على الأخبار، لكن تعليقًا بعيدًا بعض الشيء. تعليق شخصي وسياسي بالقدر ذاته، تعليق حواري أكثر منه رسمي.

أريد أن أبدأ اليوم بالحديث عن أكاذيب ترامب. لقد صار من المألوف الآن أن يتفوه ترامب ومرؤوسوه بالأكاذيب الضخمة، بطريقة غير مسبوقة. لكن كل السياسيين يكذبون. لم يكن بيل كلينتون يستطيع أن يمضي يومًا واحدًا دون إخفاء بعض الحقائق أو تمويهها. واشتهر ريتشارد نيكسون باللؤم. لكنَّ كل السياسيين التقليديين، مع ذلك، قد أظهروا بعض الاحترام للحقيقة ــ حتى في الوقت الذي كانوا يراوغون فيه هربًا من هذه الحقيقة. كان أولئك السياسيون يعترفون بوجود حقيقة مشتركة، ويخضعون لهذه الحقيقة. كانوا يعترفون بالحاجة لوجود عدد من الحقائق المشتركة من أجل أن تكون الديمقراطية اللبرالية ممكنة العمل. أما أكاذيب ترامب فمختلفة. هذه الأكاذيب إنكار مباشر للواقع، ونشر وتكرار هذه الأكاذيب ليس إلا وسيلة لفرض سلطته، لا التملص من معضلة سياسية. أكاذيب ترامب ليست سوى هجوم صريح على أية إمكانية لخطاب يتسم بالمعقولية، أكاذيب صلعاء من هذا النوع الذي يطلقه السلطويون لاختبار ولاء رعاياهم وإجبارهم على الانصياع. لقد ذكرني أول مؤتمر صحافي أرسل إليه شون سبنسر ليكذب أمام وسائل الإعلام متبجحًا بعدد من حضروا حفل التنصيب، ببعض أعضاء الحزب الشيوعي أيام الاتحاد السوفيتي (المعروفين بالأباراتشيك) عندما كان يُختبر ولاء العضو عبر اختبار يُقاس فيه قدرته على أن يكرر أمام الناس ما يعلم، يقينًا، كذبه. هذا أمر مضحك، لكنه مخيف نوعًا ما.

ما الذي أعنيه بكلامي عن إنكار الحقيقة التجريبية؟ خذ واحدًا من أحدث الأمثلة: يوم الأربعاء الماضي، حكى السيناتور ريتشارد بلومنتال أنَّ القاضي نيل جورسك، مرشح ترامب لمقعد المحكمة العليا، الشاغر منذ وقت طويل، قد أخبره أنَّ هجوم الرئيس غير المسبوق، والشخصي على القضاة الفدراليين أمر «محبط» و«مثبط». في غضون نصف الساعة، أكد هذا الأمر من قبل المتحدث الرسمي لجورسك، المعين من قبل البيت الأبيض، والذي كان حاضرًا لهذه المحادثة. قالت السي إنّ إنّ أيضًا إنَّ السيناتور بن ساس قد سمع جورسك وهو يقول هذا الكلام بحذافيره، متأثرًا، وهو عين ما حصل للسيناتور السابق كيلي أيوتي.

ومع ذلك، فقد أصر الرئيس، مرتين، على أنَّ بلومنتال قد أساء عرض محادثته مع جورسك ــ أولهما في تغريدة، ثم مرة أخرى بعد ظهر الأمس، أمام الكاميرات التليفزيونية. ولكي يضيف إلى هذا الجنون، غرد ترامب مرة أخرى قائلاً إنَّ كريس كومو، في المقابلة الصحافية الصباحية التي أجراها مع بلومنتال، لم يناقش الأخير قط في شأن أكاذيبه حول خدمته في فيتنام ــ في حين يظهر الشريط بوضوح أنَّ هذا كان أول ما تكلم فيه كومو!

ما الذي يفترض بنا أن نفعله في موقف كهذا؟ كيف ينبغي لنا التصرف إزاء الرئيس الذي أعلن، في نفس الأسبوع، أنَّ «معدلات الجريمة في بلدنا بلغت أعلى نسبها منذ 45 إلى 47 عامًا»، بينما في حقيقة الأمر، على الرغم من بعض الارتفاعات المقلقة التي وقعت مؤخرًا في بعض المدن، فإنَّ نسبة الجريمة في أدنى مستوياتها منذ أواخر الستينات، وهي نصف ما كانت عليه عام 1980. ما الذي يفترض أن نفعله عندما يقول رئيس إنَّ رجلين قتلا رميًا بالرصاص في شيكاغو أثناء خطاب وداع الرئيس أوباما، مع أنَّ هذا الأمر كذبته مباشرة شرطة شيكاغو؟ لا شيء من هذه الأكاذيب صُحح. لا خطأ اعترف به. كل كذبة، عادة ما ضوعفت بكذبة أخرى، مصحوبة بهجوم مشخصن.

هذا هو ما يفترض بنا فعله: أن ندحض كل كذبة من كذبه. وأن نصر، علاوة على ذلك، على أن يتراجع عن كل كذبة من هذه الأكاذيب. وينبغي للصحافيين في المؤتمرات الصحافية أن يدعموا زملائهم بأسئلة متابعة مكررة في حال حاول سبايسر أن يتجنب الحقيقة الناصعة. لا تسمحوا لهم أن ينتقلوا إلى سؤال آخر. وينبغي للمقابلات مع الرئيس نفسه ألا تترك كذبة واحدة على حالها، بل ينبغي للمحاور أن يضغط ويضغط حتى يتم الاعتراف بالكذبة. ينبغي ألا تخاف وسائل الإعلام حتى من مجرد وصف الرئيس بأنه كاذب في وجهه لو صمم على موقفه. لا يتطلب هذا الأمر أية شجاعة إضافية. بل العكس صحيح. إنني أفكر في أولئك المعارضين الذين كان لإصرارهم النقدي الحاسم على الحقائق البسيطة في لغة واضحة، دور في المحافظة على الحقيقة حياة في عالم من السلطوية الكافكاوية الطابع. وكما قال المعارض البولندي آدم ميشنيك ذات يوم: «في حياة كل رجل شريف لحظة صعبة… يكون فيها للتصريح البسيط بأنَّ هذا أبيض، وهذا أسود، ثمن غال». كان الثمن الذي دفعه ميشنك سنوات من عمره قضاها في السجن. ألا يستطيع الصحافيون الأمريكيون أن يخاطروا بخسرانهم بعض النفوذ، أو بتعرضهم لتغريدة سيئة (من ترامب) في مقابل فعل هذا الواجب المدني نفسه؟

ثم هناك السؤال الذي لا بد منه عن الحالة العقلية والصحة النفسية للرئيس. أعلم أنه لا ينبغي لنا أن نطرح هذا الأمر، لكنَّ هذا أصبح مما لا يمكن تجنبه. إنني أسأل نفسي باستمرار هذا السؤال البسيط: لو قابلت في حياتك اليومية شخصًا يتفوه، طول الوقت، بالأكاذيب اللامعقولة، التي يمكن البرهنة على كذبها، ماذا سوف يكون رأيك فيه؟ لو زرت أحد جيرانك، مثلاً، وأراك مضيفك غرفة معيشته حديثة الدهان، والتي كانت قاتمة الزرقة، ثم أصر مرارًا وتكرارًا، بجنون، على أنَّ لون الغرفة إحدى درجات القرمزي، كيف ستكون ردة فعلك؟ ثم كيف ستستجيب لو سحب عضوًا من أعضاء أسرته وأصر على أن يكرر هذا العضو هذه الكذبة الواضحة أمامك؟ لو زرته مرة أخرى، ووجدته ما يزال يثرثر عن جدرانه الحمراء حديثة الدهان، ماذا سوف تظن؟ هاك رأيي: هذا رجل فقد عقله. رجل مختل. رجل يعيش في عالم مواز غريب. رجل يعيش في الأوهام. لو واصل ما هو فيه، فسوف تستأذن، ثم تخرج من الغرفة، بهدوء شديد، ثم تغادر هذا المنزل ولا تعود أبدًا. سوف تحذر جيرانك الآخرين، وتحافظ على مسافة بينك وبينه. لو رأيته فسوف تتعامل معه بأدب، لكن على بعد.

أعتقد أنَّ ما قلته لتوي واحد من الأسباب الرئيسية التي تفسر شعور الكثيرين منا بالاضطراب، والقلق، وما يشبه الذعر في الشهور القليلة الماضية. ليس الأمر متعلقًا بأجندة الرئيس، فهذه الأجندة تتغير طول الوقت من إدارة إلى أخرى. لكن عندما يكون أهم شخص في البلاد موهومًا، حرفيًا، ومخادعًا بشكل مرضي، ويستجيب لأية محاولة للتصحيح بالغضب والانتقام، فهذا يجعل الجميع متوترين طول الوقت.

لم يعد ثمَّة مرتكز في قلب إدارة أقوى دولة على وجه الأرض. ليس هناك سوى الجنون.

مع وجود شخص له مثل هذا الحضور الثقيل على وعيك كل ساعة من كل يوم، تبدأ في تخيل ما يعنيه العيش تحت حكم سلطوي من أي نوع. يتعرض المواطنون، كل يوم في البلاد تعيسة الحظ التي ليحكمها دكتاتور وحيد، باستمرار لحضور القائد الأعلى، في منازلهم، وأماكن عملهم، وبينما يمشون في الشارع. الأخ الأكبر لا يتركك وحدك مطلقًا. يطل عليك وجهه من كل شاشة. يبدأ في تخلل نفسك وروحك إذ يهيمن على كل دورة إخبارية، مصدرًا تصريحات على مدار الساعة ــ كل واحدة منها صادمة ومروعة. يسعد الزعيم باستفزازك وإثارة دهشتك دائمًا، وذلك حتى يشبع شعوره المتضخم بذاته. ولكنه لما كان أيضًا غير مستقل عقليًا، إذ ينخرط دومًا في نوبات من السعار ألمًا وغضبًا، فأنت تعيش كل يوم مع قدر من الذعر. ما الذي سوف يحدث بعد ذلك؟ فهذا الدكتاتور، إلى حد ما، لا يتحكم في نفسه أبدًا، لكنه مع ذلك يتحكم فيك دومًا.

إحدى أعظم إنجازات المجتمع الحر في الديمقراطية المستقرة أنَّ الكثير من الناس، في أغلب الوقت، ليسوا بحاجة إلى التفكير في السياسات مطلقًا. ربما يهيمن رئيس بلد حر على دورة الأخبار للعديد من الأيام، لكنه ليس مطلق الحضور، ولأننا نعيش في ظل سيادة القانون، فبإمكاننا أن نطفئ الأخبار أحيانًا. إنَّ كون المجتمع حرًا يعني أن تكون حرًا من أولئك الذين يحكمونك ــ أن تفعل الشيء الذي تهتم به، ما يثير شغفك، أوقات فراغك، من تحب الخ ــ أن تشعر بالجذل في هذا الفضاء المبارك الذي لا تدخل السياسة فيه. بهذا المعنى، يبدو لي، أنَّ حريتنا الآن أقل مما كانت عليه منذ شهر مضى. لا يبدو كما لو كنا نعيش في نظام ديمقراطي، وإنما الأمر أشبه بطفل محبوس في بيت فيه أب مؤذ غير متوقع، لا يطيق العقل، ولا يحترم أي نقاش، ولا يعترف بأي خطأ، ودائمًا، دائمًا، ما يزيد من احتمالات التعرض المخاطر حتى تقع الكارثة الحتمية. وهذا هو ما أعنيه بقولي إننا نعيش في حالة طوارئ.

شاهدت فيلم الصمت، لسكورسيزي، مرتين في الأسبوعين الأخيرين. جعلني هذا الفيلم أصمت حرفيًا. هذا فيلم فائق الجمال، لكنَّ عبقريته تكمن في تعقيد فهمه لحقيقة الإيمان. بالنسبة لبعض اللبراليين العلمانيين، فالإيمان نوع من التنازل السهل البسيط عن المنطق، نوع من التحرر من الواقع. أما عند سكورسيزي، فالإيمان لغز يكتنفه الغموض، وعادة ما لا يمكن فصله عن الشكوك المعيقة الدائمة. نرى هذا في تطور شخصية البطل الرئيسي: من الغرور اليقيني المطلق، إلى تضحية كبيرة بالكبرياء من أجل الوصول لحقيقة روحية أعمق. الإيمان نتيجة تحصل عليها في النهاية، نهاية الحياة، عندما ترى يقينياتك السابقة تتهاوى ليعاد بنائها، بأيادي مرتعشة على أرضية جديدة. الله صامت كل الوقت تقريبًا، مخفي عن الأنظار، وأحيانًا ما يسبب هذا الاختفاء أشد درجات الألم في وجه أبشع أنواع الظلم أو المعاناة. ومن ثم تكون حياة من الإيمان ليست حياة حقيقية ما لم تكن مشبعة باليأس.

ثمة لحظات، شديدة الندرة لكنها عادة ما تستعصي على النسيان، تسمع فيها صوت الله وترى فيها وجه المسيح. لا تنسى هذه اللحظات أبدًا. لا تنسَ هذه اللحظات أبدًا، وأنا أعتبر هذه اللحظات في حياتي التي سمعت فيها الصوت ورأيت الوجه باعتبارها محض تنبؤ بما هو آت. لكنَّ باقي الوقت صمت لا أكثر. وأحيانًا ما لا يستطيع الضمير أن يسمع صوت نفسه. إنني لم أر عمق هذه الحقيقة أكثر وأجمل انكشافًا من الآن. وربما لهذا السبب، كان لهذا الفيلم جمهور قليل العدد. غير المؤمنين لا يطيقون صبرًا على التأمل الطويل فيه، والمؤمنون في عصرنا ممتلئون عادة بيقين عاطفي لا يجعلهم يُقدِّرونه حق قدره. ومن شأن الصور المجازية الغامضة لهذا الفيلم أن تربك أي شخص. لكنَّ تعقيده ورهافته أعطياني أملاً في هذا العصر المبتذل المتطرف. لا يمكننا أن نتجنب هذه السريالية المحيطة بنا من كل جانب، لكن ربما يكون ممكنًا أن نتجاوزها في بعض الأحيان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد