«أنت منوفي؟»، عبارةٌ استنكارية مازحة يستخدمها الكثير من المصريين حينما يرون من شخصٍ أفعالًا تتسم بالدهاء والتحايل. يأتي التساؤل من ارتباطٍ في أذهان المصريين بين أشكال النفوذ المختلفة، وبين المحافظة التي أنجبت لمصر «خيرة» رجالها وقادتهم على مدار فترة طالت.

من الصعب بمكانٍ إجراء حصر دقيق لكلّ رجال السلطة الذين خرجوا من محافظة المنوفية، وأبرزهم الرئيسان السابقان محمد أنور السادات، ومحمد حسني مبارك، والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ووزير دفاعه الحالي (وخليفته المحتمل) صدقي صبحي، وكمال الجنزوري، وعدلي منصور، وصدقي صبحي، وإبراهيم محلب… والقائمة تطول. وبالنظر إلى أن المنوفية سابع أصغر محافظات مصر السبعة والعشرين، وفي المركز الحادي عشر من حيث التعداد السكاني، فإن الأمر يُصبح أكثر غرابة. من أين للمنوفية بهذا النفوذ السياسي المتضخّم؟

في تقريره بمجلة «فورين أفيرز»، يستعرض «بيتر شوارتستاين» الخلفية التاريخية والمجتمعية لمحافظة المنوفية، حيثُ يُصنع حكّام جمهورية مصر العربية.

التعليم الذي لا ينفع

 

يرجع بيتر إلى أوائل تسعينات القرن التاسع عشر، في أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882. في ذلك الوقت، كانت فرص التعليم الحكومي محدودة للغاية، في محاولة من البريطانيين لضمان خضوع الشعب المصري. لكن «عبد العزيز فهمي» باشا، السياسي الليبرالي المنوفي البارز، عقد العزم على تحسين جودة التعليم في المحافظة، واستطاع إقناع مجموعة من ملَّاك الأراضي بالتبرُّع بها، من أجل إنشاء مدارس خاصَّة التمويل.

وبحلول عام 1914، كانت «جمعية المساعي المشكورة» تُعلّم 15% من الطلاب المصريين في مصر، وعلى مدار الأعوام، تخرّج العديد من الرموز السياسية والإعلامية من مدارس الجمعية: الإعلامي «إبراهيم عيسى»، ووزير الداخلية «زكي بدر»، والذي التقى بالرئيس مبارك في نفس المدرسة.

البذلة العسكرية

 

وعندما صعد جمال عبد الناصر وضبّاطه الأحرار إلى سدّة الحكم، كان الاحتلال البريطاني قد نجح في مهمّته في أغلب ربوع مصر، إلا محافظة المنوفية. وكان من الطبيعي أن يحتلّ المنايفة أغلب المناصب البارزة في النظام العسكري الجديد، ويشقوا طريقهم بسهولة إلى المراتب العليا في جيش جمال عبد الناصر، حتى في أيامه الأولى.

ومع أنّ إصلاحات ما بعد الثورة، كما ينقل «بيتر» عن أبناء المحافظة، قد جرّدت مدارس الجمعية من استقلالها، والكثير من جودة التعليم فيها، إلا أنّ ترقّي أبنائها في سلّم المجتمع دفع الكثير من الشباب إلى الالتحاق بمؤسسة الجيش، ومؤسسات أخرى تضمن لهم الثروة والنفوذ. يقول «صموئيل تاضروس»، الزميل الرفيع بمعهد هادسون: «إن كنت من قويسنا، ورأيت فلانًا من قويسنا في بذلته العسكرية، فربما تحاول الانضمام إلى الجيش أنت أيضًا».

استمرّت العلاقات الوطيدة بين المنوفية، والمؤسسة العسكرية حتى الآن، إذ حازت المنوفية على المركز الأول في نسبة الناخبين المؤيدين لأحمد شفيق، القيادي السابق بالقوات الجوية، في مواجهة محمد مرسي، وكذلك في نسبة المصوّتين لعبد الفتاح السيسي، بعد عامين.

الهجرة

 

كل هذا لم يشفع للمنوفية، أو ينجح في إبعاد شبح الفقر عنها. يعيش المنايفة في منازل أصغر مساحةً من المتوسط الوطني، وعدد أسرّة المستشفيات نسبةً إلى عدد سكّان المحافظة يقع في مرتبة متأخرة بالمقارنة مع باقي المحافظات. كما أنّ افتقار المحافظة للأراضي الصحراوية القابلة للاستصلاح أدى إلى معاناة اقتصادها الزراعي، خاصةً مع النمو السكاني.

لكن المنوفية تحتلّ ترتيبًا متقدّمًا للغاية في منطقة أخرى؛ معدّل هجرة أبنائها إلى المحافظات والبلاد الأخرى، بحثًا عن الفرص التي لم يجدوها في محافظتهم. وفقًا للتقرير، يحتل المنايفة أحياء كاملة في محافظة القاهرة، وبالأخص شبرا الخيمة. بل إن أغلب أكشاك «الهوت دوج» الحلال في نيويورك يُفترض أن أصحابها من أبناء المحافظة.

في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمرّ بها مصر، يقول «بيتر» إن شعبية السيسي انخفضت مع قيمة الجنيه المصري، ومع هلع الطبقة الوسطى من ارتفاع الأسعار، ونقص السكّر ولبن الأطفال. إلا أن تاريخ محافظة المنوفية يُشير إلى أن ولاءها لقادة البلاد لن يتزعزع، وستظلّ أكثر المحافظات قربًا من النظام، وتقرّبًا إليه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد