استعرض «سيرهون آل»، وهو أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة «إزمير» للاقتصاد بتركيا، احتمالات تشكيل ما يعرف بالشرق الأوسط الكردي الحديث، الذي يشمل الجماعات الكردية المختلفة، التي يجمعها هوية واحدة وإن كانت لا تزال هناك ثمة اختلافات في المصالح بينها.

تعليقات الكاتب عبر عنها في مقال نشره موقع «opendemocracy»، قال فيه إن حادثة حرق علم كردستاني في بلدة عمودة في شمال سوريا في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2016، كشفت عن خلل في العلاقات بين الجماعات الكردية. تردد أن العلم قد أُحرق من قبل مؤيدي حزب «الاتحاد الديمقراطي» الكردى الحاكم، والذى يعد جناحه المسلح وحدات حماية الشعب في منطقة روجافا السورية.

يذكر أن وحدات حماية الشعب هي فصيل تابع لحزب العمال الكردستاني، وهي جماعة كردية يسارية تقاتل من أجل الحكم الذاتي في تركيا. أدان «مسعود بارازاني»، رئيس حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، بشدة الحادث. وعلاوة على ذلك، فإن إدارة «بارازاني» كانت تشعر بالقلق إزاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني في مدينة سنجار في شمال العراق، والتي لم تتخلَّ عنها المجموعة بعد معركة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) هناك في صيف عام 2014، وفقًا لما ذكره الكاتب.

بالنسبة للكثير من الأكراد، فقد أدى العداء الداخلي الكردي إلى مخاوف من اندلاع «حرب أهلية كردية» أخرى، كما هو الحال مع الحرب الداخلية التي دمرت المنطقة خلال أعمال العنف في التسعينيات بين الفصائل الكردية المتنافسة.

وأضاف الكاتب أنه في حين تضغط تركيا على الولايات المتحدة وإدارة «بارازاني» لمنع سنجار من أن تصبح مقرًا جديدًا لحزب العمال الكردستاني، فإن الولايات المتحدة تسعى دبلوماسيًا لمنع أي اشتباكات داخلية كردية وسط جهود التحالف الدولي لمواجهة داعش. وفي أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2016، دعا «نيشيرفان بارازاني»، رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، إلى استخدام القوة من أجل دفع حزب العمال الكردستاني إلى الخروج من سنجار.

وفي خضم هذا التوتر السياسي المتزايد بين المجموعتين الكرديتين الرئيسيتين في المنطقة، أدى أول اشتباك مسلح بين جماعة وحدات مقاومة سنجار اليزيدية التابعة لحزب العمال الكردستاني ومجموعة تسمى روجافا بيشمارغا، قريبة من «بارازاني»، إلى وقوع إصابات في وقت مبكر من شهر مارس (أذار) الماضي، بالقرب من بلدة خانيسور في سنجار، شمال العراق.

أشار الكاتب إلى أنه بالنسبة للكثير من الأكراد، فقد أدى هذا العداء الداخلي الكردي إلى مخاوف من اندلاع «حرب أهلية كردية» أخرى، كما هو الحال مع الحرب الداخلية التي دمرت المنطقة خلال أعمال العنف في التسعينيات بين الفصائل الكردية المتنافسة. وبالنسبة لخبراء الشرق الأوسط، أثار هذا التوتر الداخلي الكردي مرة أخرى مسألة ما إذا كان الأكراد عبر الحدود أقرب للتوحد أو الصدام مع بعضهم البعض في وقت يمثل فيه تنظيم داعش تحديًا.

اقرأ أيضًا: ذي أتلانتك: من يكون الأكراد؟

الوحدة أو الحرب الأهلية؟

وفقًا للكاتب، هناك حجتان. الأولى هي أن صعود تنظيم داعش، باعتباره تهديدًا وجوديًّا ضد الوجود الكردي الأوسع والبقاء في وطنهم التاريخي، يمكن أن يوحد الأكراد، حيث يفترض أن تتغلب القومية على الاختلافات الأيديولوجية عبر فصائل الجماعات الكردية الفصائل.

والحجة الثانية هي أن الجماعات الكردية المختلفة مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة «بارازاني» وحزب العمال الكردستاني برئاسة «عبد الله أوجلان» لديهما انقسامات تاريخية وأيديولوجية عميقة، حيث إن التنافس يكون هو الاحتمال الأرجح من الوحدة، حتى في مواجهة تهديد داعش. غير أن هذا النهج قد يكون مضللًا.

والطريقة الثالثة، التي غالبًا ما يتم إهمالها، هي تعايش الجماعات الكردية المتنافسة مع خلافاتها وسيادتها المتعددة. وربما يكون هذا هو الأساس الذي يقوم عليه صنع العالم الكردي الحديث.

وكما هو الحال في العالم العربي أو الشرق الأوسط العربي، فإن بنية الشرق الأوسط الكردي لا تعني بالضرورة الطموحات الكردية أو الصراع العرقي، بل هي أكثر حول الهوية الثقافية المشتركة والذاكرة المشتركة والتحديات المماثلة داخل أراضيها التاريخية. وبدلًا من الوحدة السياسية أو الحرب الأهلية، قد يصبح الشرق الأوسط الكردي منطقة ذات سيادة كردية متعددة ذات هوية ثقافية مشتركة، وفقًا لما أورده الكاتب.

تعايش الجماعات الكردية المتنافسة مع خلافاتها وسيادتها المتعددة. وربما يكون هذا هو الأساس الذي يقوم عليه صنع العالم الكردي الحديث.

قال الكاتب إن حكومة إقليم كردستان في شمال العراق هي بالفعل منطقة مقسمة سياسيًا بين محافظة السليمانية تحت نفوذ غوران (حركة تغيير) والاتحاد الوطني الكردستاني ومقاطعة أربيل تحت السلطة السائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني البارزاني. في شمال سوريا، أو ما يسمى غالبًا روجافا (كردستان الغربية)، شغل فراغ السلطة، الذي خلفه تخلي «بشار الأسد» عن المنطقة لحماية عاصمته دمشق، شغله حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب.

في جنوب شرق تركيا، تمكن الحزب السياسي المؤيد للأكراد من الفوز بأغلبية الأصوات الكردية في الانتخابات الأخيرة في عام 2015. وعلى الرغم من أن القضية الكردية في إيران كانت غائبة نسبيًا عن رادار المجتمع الدولي، يسعى حزب كردستان (بكي) إلى خيار الكفاح المسلح وتعبئة السكان.

وقبل كل شيء، وعلى الرغم من النهج المختلف للجهات الفاعلة المذكورة بشأن مستقبل الأكراد والقضية الكردية، فإن تهديد داعش تمكن من خلق وعي عرقي كردي مشترك ورأي عام عبر الحدود. ومع ذلك، في الشرق الأوسط الكردي، يمكن أن يكون التضامن العرقي والمنافسة طريقة العمل في سياق تحويل المصالح المحلية والتحالفات الإقليمية والنظام الدولي.

على سبيل المثال، فإن الجدل الأخير بشأن علم كردستان في محافظة كركوك في العراق هو مثال جيد على الكيفية التي يمكن بها لفصائل الجماعات الكردية مثل الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني أن تتحد ضد منافسي الأكراد.

اقرأ أيضًا: الأكراد.. كلمة السر في تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية

الجغرافيا السياسية الكردية

أوضح الكاتب أنه في السياق السياسي ما بعد انهيار الخلافة العثمانية، بدأ علماء الشرق الأوسط على نطاق واسع في استخدام مفهوم العالم العربي أو الشرق الأوسط العربي من أجل تسليط الضوء على الجغرافيا السياسية المعقدة للغاية مع الهوية الثقافية المشتركة واللغة والتاريخ. وباعتباره متأخرًا في تطوره السياسي، أصبح من الضروري الآن للعلماء والنقاد النظر في الجغرافيا السياسية الكردية مع مجموعة متنوعة من الفاعلين والأفكار والمصالح على أنه «الشرق الأوسط الكردي الحديث». وهذا سيساعد على منع الإدراك الكاذب بأن الأكراد هم مجموعة متجانسة من جهة، والفكرة الأولية لكردستان الكبرى عبر الحدود من جهة أخرى.

ومع ذلك، هناك حكومة اتحادية في شمال العراق ومنطقة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع في شمال سوريا. ومن المثير للاهتمام أن العالم الكردي ليس له ما يعادل القومية العربية التي عبرت عنها الناصرية خلال الستينيات، ولا منظمة مماثلة مثل الجامعة العربية. بل إن العالم الكردي هو موطن لمجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة السياسية والأيديولوجية المتنافسة بما في ذلك الإسلاميين (يكجيرتو في العراق وحزب القضية الحرة في تركيا) والقوميين (الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق وحزب العمال الكردستاني الإيراني في إيران والمجلس الوطني الكردي في سوريا). كما تتنوع نماذج القيادة في العالم السياسي الكردي. ويسيطر «بارازاني» على شمال العراق، في حين أن «أوجلان» (المعتقل في تركيا) ومسار الحكم الديمقراطي في حزب العمال الكردستاني لا يزالان مؤثرين في تركيا وسوريا.

وقال الكاتب إنه وعلى الرغم من أن «بارازاني» و«أوجلان» لديهما اختلافات، فإن صعود تنظيم داعش باعتباره تهديدًا مشتركًا للأمن الوجودي تاريخيًا دفع باتجاه التعاون والحوار. إذا كنت تتجول في سوق الأسرة في أربيل، سترى العديد من الصور المؤطرة لكليهما تباع كهدايا تذكارية. إن الرأي العام الكردستاني الشامل الذي يرحب بالتعددية والتعايش بين العناصر والقادة الكرديين أكبر من صراعات القوى الفاعلة الكردية المتنافسة.

وعلى الرغم من التنافس والخلافات السياسية بين فصائل الجماعات الكردية، فإن الرأي العام الكردي الأوسع يجبرهم على إظهار التضامن العرقي بطريقة أو بأخرى.

اقرأ أيضًا: هل تتعاون تل أبيب مع أكراد العراق لتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»؟

الهوية الكردية والسيادة المتعددة

الأمر المختلف الذي رصده الكاتب اليوم حول الشرق الأوسط الكردي هو أن عصر الدول الإقليمية والقوى الدولية التي تستخدم «البطاقة الكردية» ضد بعضها البعض هو أقل احتمالًا. قد تكون هناك أفكار متنافسة ومصالح متضاربة للمجموعات الكردية المختلفة في المنطقة، ولكن الرأي العام الكردستاني الشامل هو قوي عبر الحدود مع الوعي الذاتي بكونهم وكلاء لبعضهم البعض بدلًا من كونهم أدوات «للآخرين».

هذا الاستقلال العقلي يخلق العالم الكردي الحديث من شمال غرب إيران (روجيلات) إلى شمال سوريا (روجافا) ومن جنوب شرق تركيا (باكور) إلى شمال العراق (بشور).

ومع ذلك، قال الكاتب إنه لا يزال من المضلل رؤية الأكراد مجموعةً واحدةً متجانسة تسعى جماعيًا إلى كردستان موحدة أو أكبر. كما هو الحال في الشرق الأوسط العربي، فإن العالم الكردي الحديث كبير بما فيه الكفاية ليحظى بأكثر من إقليم سيادي كردي واحد، أو زعيم واحد، أو أيديولوجية واحدة.

بدلًا من وجود كردستان موحدة عبر الحدود، فإن مجموعة إثنية واحدة ذات أقاليم متعددة ذات سيادة مستقلة عن بعضها البعض هي الأرجح أن تكون الأساس السياسي للشرق الأوسط الكردي الحديث.

اليوم، في حين أن البيشمركة في كردستان العراق هي قوة حدودية وحليف رئيسي للتحالف الدولي لتحرير الموصل، فإن وحدات حماية الشعب باعتبارها عضوًا بارزًا في قوات سوريا الديمقراطية، فقد بدأت عملية غضب الفرات في عزل داعش عن معقلها السوري في الرقة. وربما يكون الأكراد في العراق الأقرب إلى وجود دولتهم في المستقبل القريب. هناك فرصة جيدة أن يكون للأكراد في سوريا شكل من أشكال الحكم الذاتي ما بعد الحرب الأهلية في سوريا.

واختتم الكاتب بقوله إنه وبدلًا من وجود كردستان موحدة عبر الحدود، فإن مجموعة إثنية واحدة ذات أقاليم متعددة ذات سيادة مستقلة عن بعضها البعض هي الأرجح أن تكون الأساس السياسي للشرق الأوسط الكردي الحديث.

السؤال الرئيسي بالنسبة للجهات الفاعلة الكردية المتنافسة هو كيفية التنافس على السلطة وتمثيل المصالح العامة الكردية الأوسع من دون الوقوع في «حرب أهلية» أخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد