«ألفريد روزنبرج»

ربّما لم تسمع الاسم قبلًا، وربّما لم تبلغ شهرة «روزنبرج» الآفاق بالمقارنة مع رموز الرايخ الثالث، «جوبلز»، و«هملر»، وغيرهما. لكن دور «روزنبرج»، كما اتضّح فيما بعد، كان الأخطر، حيثُ شكّلت كتاباته وأعماله فِكر الكثير من الناز

يين، وعلى رأسهم «هتلر» نفسه. يتناول مقالٌ بجريدة «ذا دايلي بيست» كتابًا بعنوان «مذكّرات الشيطان»، يحكي قصّةَ «روزنبرج»، ويُلقي الضوء على مذكّراته التي عُثِر عليها، إبان الحرب العالمية الثانية.

حربٌ وثائقية

1945م، الهزيمة تقترب من النازيين بعد 6 أعوام من الحرب. عبر الحلفاء نهر الراين، ولم يوقفهم شيءٌ بعدها عن اجتياح ألمانيا. تلقّى جنود الحلفاء أوامر بتعقّب أي مستندٍ نازي يمكن العثور عليه وحفظه لاستخدامه في إدانة النازيين فيما بعد. مُستشعرين الخطر الداهم، بدأ النازيون في حرق الوثائق المهمّة، والحساسة. لكن بعض بيروقراطيي النظام النازي عجزوا عن التخلي عن بيروقراطيتهم، ولجؤوا بدلًا من حرق المستندات إلى إخفائها في الغابات، والمناجم، والقِلاع، والقصور، والتي من ضمنها، كان «قصر بانز» Schloss Banz.

لم يطُل الوقت بالقوات الأمريكية حتى التقت بأحد لصوص الفن الألمان: «كرت فون بيهر». طوال الحرب، أمضى «فون بيهر» وقته في سرقة الأعمال الفنية، ومقتنيات المنازل اليهودية، في فرنسا، وبلجيكا وهولندا. وقبل تحرير باريس، هرب وزوجته إلى «قصر بانز»، مع أطنان من الكنوز التي سرقها.

عندما اقترب الحلفاء من قصر بانز، حاول «فون بيهر» عقد صفقة مع أحد ضباط الجيش الأمريكان: إن سمحوا له بالبقاء، فسيكشف لهم عن كنز لا يُقدّر بثمن. وافق الأمريكان، ظاهريًّا بالطبع. اصطحبهم «فون بيهر» إلى أعماق قصر بانز: خمسة طوابق تحت الأرض. وخلف جدار زائف، وجد الأمريكان طنًّا من الوثائق النازية السرية في خزنة عملاقة. ما لم تتسّع له الخزنة، تناثر أكوامًا في أنحاء الغرفة.

كان الأمريكان على استعداد للإخلال باتفاقهم مع «فون بيهر» بالطبع، وهو ما استشعره الألماني فقرّر أن ينتحر وزوجته بكأسين من الشمبانيا المحلّاة بالسيانيد. لكن ما يعنينا هُنا، هو أن هذه المستندات كانت خاصّة بـ«ألفريد روزنبرج». مجلّدات من المراسلات الرسمية والشخصية، والأهم: مذكّرات «روزنبرج» الشخصية.

الشيطان

مِن بين كبار رجال الفوهرر -يمضي المقال- لم يترك سوى ثلاثة مذكّراتهم خلفهم: «جوزيف جوبلز» وزير الإعلام، و«هانز فرانك» الحاكم العام الوحشي لبولندا المحتلة، و«روزنبرج». الباقون، ومن ضمنهم الفوهرر نفسه، أخذوا أسرارهم معهم إلى القبر.

كان «روزنبرج» من أوائل أعضاء الحزب النازي، وشهِد كل معارك النازيين، مُقاتلًا فيها حتى النهاية، بدءًا من اختيار القوميين لـ«هتلر» قائدًا لهم، مرورًا بمحاولات الانقلاب على الحكومة البافارية، وصعود الحلم النازي ليحكم ألمانيا، انتهاءً بتفكّكه، وخسارة الحرب.

كان «روزنبرج» منظّر النازية الأكبر والأعلى مقامًا. وجدت نظرياته وقعها في آذان الفوهرر، الذي عيّنه في العديد من المناصب الرفيعة. كان هتلر هو التجسيد الحيّ، العملي، الذي لولاه لبقيت نظريات ورؤى «روزنبرج» أوراقًا حبيسة الأدراج.

بعيدًا عن جرائمه المباشرة، من سرقةٍ للأعمال الفنية والمكتبات في باريس وغيرها، ستجد بصمات «روزنبرج» واضحةً على أخطر الجرائم التي ارتكبتها الفاشية النازية. زرع «روزنبرج»، عام 1920م، كراهية ثورة الاتحاد السوفيتي الشيوعية في عقل «هتلر»، بدعوى أنّها مؤامرة يهودية عالمية. ردّد «روزنبرج» كلامه مرارًا وتكرارًا، وبعد عقدين من الزمان، استخدم «هتلر» نظريته في تبرير حرب ألمانيا المدمّرة ضد السوفييت، التي وعد «روزنبرج» في بداياتها بأن تكون «ثورة عالمية بيولوجية تطهيرية»، ستقضي نهائيًّا على «جراثيم اليهودية المُعدية». في ذلك الوقت، تولى «روزنبرج» وزارة الأراضي الشرقية المحتلّة، وتعاون مع «هملر» في تنفيذ العديد من الانتهاكات بحقّ شعوب البلطيق، بيلاروسيا وأوكرانيا.

«أسطورة القرن العشرين»

بجانب كتاب «هتلر» الشهير، «كفاحي»، يُعدّ كتاب «أسطورة القرن العشرين»، الذي ألّفه «روزنبرج»، نصًّا محوريًّا شكّل الأيديولوجية النازية. من خلال ذلك الكتاب، وعدّة كتابات أخرى نشرها وهو محرّر لجريدة الحزب، بذر «روزنبرج» أفكاره السامّة حول اليهود، التي مهّدت لمذبحة الهولوكوست. عام 1936، كتب «روزنبرج» في مذكّراته:

«يعتريني الغضب مرارًا، كلّما فكّرت فيما فعله هؤلاء اليهود الطُفيليون بألمانيا. لكن عزائي، أنّني فعلت ما ينبغي عليّ، لكشف هذه الخيانة».

في كتاباته، استعار «روزنبرج» أفكارًا قديمة حول الأجناس وتاريخ العالم من أشباه المفكرين، و«مزجها في نظام اعتقاد سياسي مميّز»، على حد وصف المقال. افتخر «روزنبرج» في مذكّراته بأن النازيين «وجدوا اتجاه المعركة وأدواتها» في كتاباته، وأنّ قادة الحزب ألقوا آلاف الخطابات مستخدمين كلماته وتعبيراته.

لكن يظل ما قاله «رودلف هس»، قائد معسكر «أوشفيتز»، الذي قضى فيه ما يقرُب من مليون إنسان، هو الشاهد الأكبر على تأثير «روزنبرج». قال «هس» أنّ ما أعدّه سيكولوجيًّا للقيام بمهمّته، هي كلمات «هتلر»، و«جوبلز»، وبالطبع «روزنبرج».

الكاهن الأكبر

بعد انتهاء الحرب، اجتمعت لجنة عسكرية دولية لمحاكمة أخطر مجرمي النازية في محاكمة «نيورمبرج»، ومن ضمنهم «روزنبرج». أحدُ هؤلاء هو «هانز فريتشه»، رئيس قطاع الأخبار في وزارة الإعلام النازية. ينقل المقال كلماته عن «روزنبرج»، التي قالها لطبيبه النفسي، أثناء المحاكمة.

«في رأيي، كان لروزنبرج تأثيرٌ عميقٌ على هتلر، خلال الفترة التي كان هتلر ما زال يفكّر فيها. إن أهمية روزنبرج تكمن في أفكاره، التي كانت محض نظريات، حتى أصبحت، في يد هتلر، حقيقة. الأمر المؤسف، هو أن نظريات روزنبرج (الرائعة)، تمّ تطبيقها عمليًّا».

نعت المدّعي الأمريكي «روزنبرج» في مرافعته بـ«الكاهن الفكري الأكبر للجنس السيّد»، في إشارة إلى مبدأ النازية الذي يقضي بسيادة الجنس الآري على غيره من الأجناس. أدانت لجنة المحكمة «روزنبرج»، بعدّة جرائم حرب، وفي 16 أكتوبر (تشرين الأول)، من عام 1946، تدلّت رقبة الكاهن الأكبر، من حبل المشنقة.

عكف المؤرّخون على دراسة ملايين الوثائق التي وجدوها في ألمانيا، محاولين فهم ما حدث في هذه الحقبة من التاريخ. وبعد 4 أعوامٍ من انتهاء المحاكمات، ذهبت الوثائق إلى الولايات المتّحدة، لتدخل إلى الأرشيفات الوطنية، ويُعاد أغلب نسخها الأصلية، في النهاية، إلى ألمانيا. لكن مذكّرات «روزنبرج»، لم تجد طريقها إلى واشنطن.

بعد 4 أعوامٍ من العثور عليها، في خزنة القصر، اختفت مذكّرات «الشيطان».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات