تقول نظرية روبرت لايتيزر، الممثل التجاري الأمريكي: «في حال تحررت الولايات المتحدة من أغلال قواعد التجارة الدولية، ستستطيع استغلال قوة اقتصادها الضخم لإجبار الدول على الانصياع لإرادتها». ووافقت هذه النظرية هوس إدارة ترامب بالتهديدات التجارية والرسوم الجمركية.

لكن إدوارد ألدين، الأستاذ الزائر في جامعة ويسترن واشنطن والباحث في «مجلس العلاقات الخارجية»، أوضح في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن تلك النظرية احتوت مغالطة كبيرة.

ذكر ألدين أن لايتيزر وافق على أن يخدم في حكومة الرئيس دونالد ترامب ليختبر نظريته. وبدا أن ترامب، بعشقه المعلن للتعريفات الجمركية وقناعته بأن الولايات المتحدة تخسر في تجارتها منذ عقود، هو الزعيم المثالي الذي يمكن اختبار ذلك المقترح في عهده.

ولكن تلك النظرية انهارت الآن بحسب ألدين، بعد أن أعلن ترامب عن التعريفة الجديدة التي تقدر نسبتها بـ10%، وتفرض بدءًا من الأول من سبتمبر (أيلول) على الـ300 مليار دولار المتبقية من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة. وأطلقت الإدارة كل ما تملكه من ذخيرة تقريبًا من أجل إجبار الصينيين على الخضوع، فصار البلدان الآن بعيدين كل البعد عن عقد صفقة تجارية، أكثر من أي وقت مضى.

ومنح ترامب لايتيزر كل شيء يحتاجه لإجبار الشركاء التجاريين على التغيير، بدءًا من حرية التهديد ومرورًا بفرض التعريفات وتحييد قيود «منظمة التجارة العالمية»، ووصولًا إلى رئيس لن يرضى بصفقة ضعيفة كي يعلن انتصاره حين تعلو الأمواج. لكنهم لم يتوصلوا إلى نتيجة من وجهة نظر ألدين، باستثناء الحرب التجارية المتصاعدة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وبالنسبة لأولئك الذين رأوا جدارة نهج لايتيزر، كان قلقهم دائمًا من أن يخذل ترامب لايتيزر، لكن لايتيزر هو من خذل ترامب في واقع الأمر. ولا توجد نظرية يمكن أن ترشدنا لما سيحدث لاحقًا بحسب ألدين.

Embed from Getty Images

روبرت لايتيزر

تطبيق النظرية

يرى ألدين أن أفضل تفسير لآخر سنتين ونصف من السياسة التجارية الأمريكية، هي أنها كانت عبارة عن حملة مطولة تهدف لإجبار الدول على الخضوع لمطالب الولايات المتحدة. وكان لايتيزر يفضل المفاوضات الثنائية، لأن الدول الأصغر يسهل التلاعب بها على انفراد، بدلًا من مواجهتها جماعيًا.

وأفاد ألدين بأن ضربة البداية في حملة لايتيزر جاءت حين ألغى المادة 232 من قانون التوسع التجاري القائم منذ نصف قرن، الذي يسمح بالتعريفات بناءً على أسباب تتعلق بالأمن القومي، ويفرض الرسوم على الصلب والألومنيوم. وسرعان ما خضعت كوريا الجنوبية، التي تعتمد على الولايات المتحدة في التجارة والأمن، بالموافقة على حصة من صادرات الصلب وإعادة كتابة اتفاقية تجارتها لتسمح بمزيد من الحماية للسيارات الأمريكية.

حاربت كندا والمكسيك بقوة أكبر، عن طريق الانتقام من الصادرات الزراعية الأمريكية، وإجبار الولايات المتحدة بصعوبة على إعادة التفاوض حول «اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية» (نافتا). لكن كلا البلدين، اللذين يعتمدان بالكامل تقريبًا على السوق الأمريكية في صادراتهما، انتهى بهما الأمر إلى قبول اتفاقية بشروط الولايات المتحدة إلى حد كبير، رغم أن تلك الاتفاقية تأجلت حتى الآن بسبب المعارضة الديمقراطية في الكونجرس الأمريكي.

أما الاتحاد الأوروبي، الأكبر والأكثر ثقةً، فقد حارب بقوة أكبر ولم يتنازل عن شيء حتى الآن بحسب ألدين. ورد على الولايات المتحدة بفرض تعريفات جمركية على بضائع حساسة سياسيًا، مثل الذرة وخمر البوربون ودراجات هارلي-ديفيدسون النارية، إلى جانب مقاومة مطالب إجراء مفاوضات ثنائية.

لكن الولايات المتحدة لديها ذخائر أكبر، مثل التعريفات على السيارات التي يمكن أن يفرضها ترامب باستخدام تحقيق منفصل في المادة 232، والتعريفات التي ستجاز قريبًا بواسطة «منظمة التجارة العالمية» نتيجة الشكاوى الأمريكية القديمة ضد الإعانات الأوروبية لشركة «إيرباص». إذ حذرت أوروبا من أن فرض أي تعريفات جديدة سيلقى ردًا واسع النطاق.

غير أن ألدين أوضح أن الهدف الحقيقي هنا هو الصين، وفائضها التجاري مع الولايات المتحدة، الذي يقدر بـ400 مليار دولار. وكان انتقاد لايتيزر للصين -التي استغلت الثغرات في قوانين «منظمة التجارة العالمية» لكسب مزايا تجارية غير عادلة ضد الولايات المتحدة وغيرها من الدول- سابقًا لأوانه بعقد من الزمن.

حين كانت الإدارات السابقة -والشركات العالمية- ما تزال تأمل في أن تتحول الصين إلى مالك حصة مسؤول في منظومة التجارة العالمية، كان لايتيزر يحذر من أن الصين تتلاعب بالمنظومة للاستيلاء على صناعة تلو الأخرى. وتحولت وجهات نظره حول السلوك الصيني الآن إلى آراء سائدة في أكبر حزبين سياسيين أمريكيين.

Embed from Getty Images

انهيار المفاوضات

يشير ألدين إلى أن الأمور كانت تسير على ما يرام لبعض الوقت فيما يبدو. إذ ضربت الولايات المتحدة الصين بتعريفات جمركية نسبتها 25% على صادرات بقيمة 50 مليار دولار خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) من عام 2018. ومع عدم وجود رد فعلي من الصين، أضافت الولايات المتحدة تعريفةً جمركية نسبتها 10% على صادرات بقيمة 200 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه.

وبنهاية عام 2018، مع تهديد ترامب بزيادة التعريفات إلى 25%، استسلمت الصين أخيرًا وجلست للتفاوض بجدية مع لايتيزر وغيره من المسؤولين الأمريكيين.

وأفاد ألدين بأن المداولات انهارت في مايو (أيار)، بعد عدة جولات من المفاوضات الجادة على نحو متزايد هذا العام حول القضايا العالقة، مثل مطالبات بكين بأن تشارك الشركات الأمريكية تقنياتها الاحتكارية مع الصين بوصفه ثمنًا للاستثمار في الصين، وسرقة الملكية الفكرية، والإعانات الصينية للصناعات.

وفسرت الولايات المتحدة ذلك بأن الصين وافقت على إجراء تغييرات كبيرة يضمنها القانون، قبل أن تتراجع عنها، في حين قالت الصين إن المفاوضات ما تزال في طور التعديل وإن بكين لم تقدم التزامات واضحة. ورد ترامب على انهيار المفاوضات برفع التعريفات الجمركية إلى 25%، قبل التهديد بفرض تعريفات جديدة على ما تبقى من الصادرات الصينية.

يعتقد الكاتب أنه بالرغم من أن ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج دعوا إلى هدنة مؤقتة في قمة «مجموعة العشرين» بمدينة أوساكا اليابانية خلال شهر يونيو (حزيران)، لكن انهيار المفاوضات في مايو كتب نهاية المفاوضات فعليًا. وأضحى قادة الصين مقتنعين بأن إدارة ترامب لن تعقد معهم صفقةً بشروط يمكنهم قبولها، وتحولوا إلى طرق أخرى لدعم الاقتصاد من خلال الائتمان والاستثمارات الجديدة وخفض التعريفات على الشركاء التجاريين الآخرين.

وتكيفت الصين مع التعريفات الأمريكية في الوقت الحالي، مع قناعة بأنها لن تضر اقتصادها مطلقًا. لكن الولايات المتحدة بدأت في رفع مستوى الضغط باستهداف الشركات التقنية الصينية الرائدة، مثل شركة الاتصالات العملاقة «هواوي»، وغيرها من شركات تصنيع الحواسيب الفائقة.

Embed from Getty Images

ما الذي يخبئه المستقبل؟

أوضح ألدين أن إعلان ترامب هذا الأسبوع بأن الولايات المتحدة ستفرض تعريفات بنسبة 10% على ما تبقى من الواردات الصينية، جاء بعد جهد قصير وفاشل لإعادة فتح مفاوضات جادة في شانجهاي. وربما تبدو الخطوة وكأنها جزء من نفس الحملة لاستخدام المزيد من التعريفات، لإجبار الصين على تقديم التنازلات التي رفضت تقديمها حتى الآن، وخاصةً في ظل اللقاء المخطط بين الجانبين مرةً أخرى في سبتمبر.

ولكن من وجهة نظر ألدين، لا أحد في الإدارة يتوهم بأن الصين سترضخ للضغوطات الإضافية. إذ إن عقد صفقة الآن سيكون مهينًا لبكين. وتشير التقارير الإخبارية إلى أن لايتيزر ووزير الخزانة ستيفن منوتشين، اللذين قادا المحادثات، عارضا مجموعة التعريفات الجديدة. لكن ترامب تجاوز معارضتهما.

ويزيد هذا تحديدًا من صعوبة التنبؤ بالخطوات المقبلة في الحرب التجارية. إذ تساءل ألدين حول ما إذ كانت الصين سترد لحفظ ماء وجهها، أم ستصعد بطريقة أخرى، مثل التهديدات العسكرية ضد تايوان أو جيرانها الآخرين.

وتساءل كذلك حول ما إذا كان ترامب سيرفع التعريفات من 10% إلى 25% سريعًا، مما سيضر بالمستهلكين الأمريكيين للهواتف الذكية وغيرها من المنتجات الاستهلاكية صينية الصنع. أم ما إذا كانت إدارة ترامب ستحول انتباهها الآن إلى أوروبا -أو ربما الهند أو اليابان- التي تقاوم جميعها المطالب التجارية الأمريكية.

وسلط ألدين الضوء على احتمالية تولي السياسة زمام الأمور أيضًا. ومع إدارة أبرز المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين -بخلاف نائب الرئيس السابق جو بايدن- حملات تتسم بالصرامة التجارية والصرامة في العموم مع الصين، فربما يحاول ترامب إصدار جرعة تعريفات إضافية على مدار العام المقابل حتى لا يتغلب عليه منافسوه.

ويستنتج الكاتب أن النظرية برمتها التي رسخت سياسة ترامب التجارية اتضح أنها كانت خاطئة، وربما تعيش قليلًا مثل الزومبي. لكن عوائدها القليلة ستتناقص تدريجيًا بمرور الوقت. وستضر الولايات المتحدة نفسها والآخرين، حين تفرض تعريفات دون احتمالية إبرام صفقات تجارية قيمة.

ويرى ألدين في ختام المقال أن الحروب التجارية -التي وصفها رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الأمريكي هذا الأسبوع بأنها «شيء لم نواجهه من قبل»- صارت غير متوقعة أكثر. إذ تضاعفت حالة عدم اليقين الآن بالنسبة للمستثمرين، والشركات التي تتخذ قرارات استثمارية طويلة الأجل. وتحولت التعريفات من وسيلة لفرض التغيير على الممارسات التجارية، إلى غاية في حد ذاتها. وهذه لم تكن خطة لايتيزر على الإطلاق. لكن الخطوات المقبلة الآن أضحت بالكامل في أيدي ترامب.

«مذبحة مالية عالمية».. من الرابحون والخاسرون من اندلاع حرب العملات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد