قال الكاتب الصحفي جريمي وود، إنه بعد سنوات من كتابة التقارير المتعلقة بالعنف، يبدأ المرء في القلق من الشعور بالخدر، فهناك دائمًا مذابح طوال الوقت، مشيرًا إلى أن الاستمرار في الحياة بهذه الطريقة لفترة طويلة قد يشوه نظرة الشخص للعالم.

وأوضح الكاتب، في مقال بمجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية، أنه لا شيء أقنعه بوجود الروح أكثر من رؤيته مئات الأرواح التي تطفأ على مدار السنوات الخمس الماضية، في مقاطع فيديو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، التي نشرت خلال فترة عمله، مضيفًا أن المرء لا يحتاج إلى أن يكون روحانيًّا أو متدينًّا لتحديد اللحظة التي يتوقف فيها جسم بشري يعاني من جرح مميت من أن يصبح إنسانًا، ويتحول إلى كيس من اللحم والأحشاء والعظام.

«ذي أتلانتيك»: لماذا لا يجب إغلاق «جهادولجي» أكبر موقع لأرشيف الجهاديين؟

يومًا ما كنتُ جزارًا

وأضاف أنه اختبر أمرًا مماثلًا عندما عمل لفترة وجيزة جزارًا يذبح الأبقار والخنازير، وذلك حين يتحول الحيوان -الذي تم اشتقاق اسمه في اللغة الإنجليزية animal من كلمة anima اللاتينية والتي تعني الروح- فجأة إلى طعام، مشيرًا إلى أن من يقوم بالذبح يعرف هذه اللحظة.

Embed from Getty Images

وفي حالة ذبح البشر، تكون تلك اللحظة محسوسة للغاية، فهناك شيء ما يتغير، شيء يترك المشهد. هذا الشيء هو كيان يسكن الجسد التي يجري تدنيسه أمامك، وأنت تشاهد من المنزل أو المكتب. ويضيف أنه اكتشف أن المُشاهد الذي شهد للتو مغادرة الروح، يشعر برحيل جزء من روحه خلال هذه العملية.

وأضاف أن هنا علام، العاملة بشبكة الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية، تطرقت الأسبوع الماضي، إلى موضوع السلامة العقلية للباحثين في مجال الإرهاب، الصحفيين والأكاديميين وصناع السياسات وغيرهم من المحللين الذين يتطلب عملهم مشاهدة مقاطع فيديو داعش.

وتابع: لن أقودكم إلى هذا العالم الكابوسي، من خلال ربطه بأي مقاطع فيديو أو وصفها باستفاضة، ولكن اقرأوا فقط شهادة الباحث تشارلي وينتر في التقرير الذي نشرته شبكة الإذاعة الوطنية العامة، حول مقطع فيديو تم تصويره في مسلخ في سوريا، لجواسيس «مرتدين» قبض عليهم تنظيم داعش، يتدلون من خطاف اللحم ويتم تقطيعهم أحياء، وتتدفق دماؤهم على أرضية خرسانية خشنة.

هذا هو أسوأ شيء رأيته على الإطلاق. وأوضح الكاتب أنه عندما نُشر هذا الفيديو لأول مرة، وصفه في تغريدة على موقع تويتر، وفي اليوم التالي قابله أحد معارفه في الشارع ليخبره أن تغريدته هذه أقلقت نومه.

نصائح للحماية من الصدمات النفسية

ويضيف الكاتب أن المرء يمكن أن يحلل هذا المأزق -عندما يجب على شخص ما مشاهدة مقاطع الفيديو لأنها تقدم معلومات قيمة في منطقة بعيدة عن مرأى الآخرين- باعتبارها مسألة موارد بشرية، إذ كيف يحمي صاحب العمل العاملين من الصدمات النفسية؟

وتتضمن إحدى النصائح، التي أوردتها علام، اقتراحًا بأن يقلل المشاهد من تأثير أفلام الذبح عن طريق إيقاف الصوت أو تغيير إعدادات الألوان إلى أحادية اللون أو «أخذ نفس عميق». ويعتبر وود أن هذه التقنيات قد تساعد، لكنها تشير إلى منظور ضيق حول هذه القضية.

ويحكي الكاتب أن أول مرة شاهد فيها فيديو يقطع فيه الإرهابيون رأس شخص كان عام 2002، عندما قطع أعضاء تنظيم القاعدة الباكستانيون رأس مراسل صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، دانييل بيرل، لكنه كان صغيرًا لدرجة أنه لم يعرف ما هو أكثر من النقر على الفيديو.

Embed from Getty Images

وبعد ذلك بعامين، قطع زعيم «الدولة الإسلامية» أبو مصعب الزرقاوي، رأس المواطن الأمريكي نيكولاس بيرج أمام الكاميرا، مدشنًا حقبة جديدة من فيديوهات قطع الرأس.

ويضيف أنه كان بصحبة مشاة البحرية الأمريكية في قاعدة الأسد الجوية في العراق، عندما دخل عريف قوي البنية إلى الغرفة وقال إنه عثر على «فيديو مقرف» يصور إعدام المقاول البريطاني كينيث بيجلي.

وأوضح الكاتب أنه اقترح ألا يشاهد المارينز الفيديو، مضيفًا لكنني علمت أن المارينز يميلون إلى فعل كل ما يحلو لهم، وأن التنبيهات الودية من خارج المارينز تأتي بنتائج عكسية. وتابع أنهم «شاهدوا الفيديو، وعلى الرغم من أنهم لم يرتعبوا بل كانوا يضحكون، فقد علمت أن هذا الفيديو قد جرحهم. لقد شاركوا بشكل صغير في فعل وحشي».

ضحايا حرب من نوع آخر

ويعتبر الكاتب أن بيت القصيد من مقاطع الفيديو التي ينشرها تنظيم داعش هذه هو ترويع المشاهدين، والقضاء على السلامة العقلية لأشخاص مثل هؤلاء المارينز وغيرهم من أعداء التنظيم.

ويضيف أن الجهاديين كثيرًا ما يستشهدون بالقرآن الذي يوصي بترويع أعداء الإسلام، مضيفًا أنهم يفسرون الآيات على أنها تعني أن استخدام الإرهاب في الدفاع عن الإسلام ليس منكرًا، وأن أي شيء يخيف الكفار مبارك.

مضيفًا، لكي أكون مباشرًا: هل القلق بشأن الأضرار العقلية لمقاطع الفيديو هذه علامة على نجاحها؟ هل يعد الباحثين الذين أصيبوا بالصدمة بسبب أشرطة الفيديو هذه ضحايا حرب؟

هذه الجروح حقيقية، في رأيه، وإن كان «يمكن أن يكون مبُالغًا في تقديرها، فمطاردتها أحلام المرء أمر غير سار، لكنه من بين أكثر الآثار الحميدة للحركة الجهادية العالمية».

يوضح الكاتب أن الصدمة المستمرة لمقاطع الفيديو هذه توفر مفارقة مُساعدة. فبعد سنوات من كتابة التقارير المتعلقة بالعنف، يبدأ المرء في القلق من الشعور بالخدر، فهناك دائمًا مذابح طوال الوقت، مشيرًا إلى أن الاستمرار في الحياة بهذه الطريقة لفترة طويلة يمكن أن يشوه نظرة الشخص للعالم.

ويختتم مقاله بالقول إنه كلما رأى إعدامًا ينفذه تنظيم داعش، وشعر بأن روحه تنسحب، فإنه يتذكر أيضًا أنه لا يزال يملك روحًا يمكن أن تُجرح. وهكذا فإن الألم يحتوي على علاج جزئي: أنت تتذكر أنك على قيد الحياة، وأنك لا تزال تنفر من الأفعال التي يحتفل بها الإرهابيون، وبأن الروح – بخلاف الطرف أو الرأس المقطوع – يمكن أن تتجدد، مثل نجم البحر، طالما أن الجسد لا يزال ينبض.

«ذي أتلانتك»: «جبهة النصرة» مثالًا.. لماذا تحول «الجهاد» من العالمية إلى المحلية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد