في الوقت الذي تتوجه فيه كافة الأنظار في الوقت الحالي إلى مفاوضات القوى الست (5+1)، والتي تضم الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن وألمانيا، حول مستقبل إيران النووي، تتوارى الأنظار شيئًا فشيئًا عن قضية أخرى، والتي لا يبدو أنها تحظى بالاهتمام الكافي، وهي القضية التي تتعلق باتجاه نووي آخر تقوده روسيا في الشرق الأوسط.

يدعم استثمار موسكو الاستراتيجي في تطوير الطاقة النووية في الشرق الأوسط التأثير ذا المدى البعيد في عواصم المنطقة التي تمتد من طهران الى الرياض ومن أنقرة إلى القاهرة، إلى عمان. وبينما تشهد العلاقات الأمريكية الخاصة مع تلك الحكومات نوعًا من التخبط، تعود العلاقات الروسية مع ذات الحكومات إلى مستوياتها المعهودة فيما قبل مرحلة الحرب الباردة.

ومع هذا، هل يعرقل عدم انخراط الولايات المتحدة في هذه المسألة بشكل عام أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟

من المؤكد أن الأساس المنطقي الذي يكتنف الجهود الإقليمية لتطوير الطاقة النووية يمكن أن يختلف. فمن جانب، يمكن أن يكون ذلك الأساس المنطقي دلالة على «الخروج» إلى المجتمع الراقي، حيث الهيبة الاقتصادية والوطنية. ومن جانب آخر، يمكن أيضًا أن يشير إلى الالتزام بالتوجه نحو تنويع مصادر الطاقة الثابتة والنظيفة. أو، حتى يمكن أن يلمح إلى احتمال أن بلدًا ما تسعى للتسليح.

ولكن، مهما كانت الأسباب التي تدفع دول الشرق الأوسط نحو الطاقة النووية، ما هو واضح هو أن مرحلة اتخاذ هذا القرار مرهونة بمدى توافر الدعم والمساندة الخارجية – دعم يقترن بدوره مع نفوذ سياسي كبير.

دخول روسيا

تقدم هيئة تنظيم المجتمع النووي الروسي، روساتوم الحكومية الروسية للطاقة النووية، قائمة من العروض للبلدان التي تسعى للطاقة النووية. يمكن أن تشمل هذه القائمة التفصيلية مصادر التمويل المرن، البناء، والتملك والحلول التشغيلية. والنتيجة هي أن روسيا تجني، على المدى البعيد، علاقة استراتيجية وتجارية مع الدول المضيفة.

تعكس التعهدات والوعود الروسية لدول الشرق الأوسط حتى تصبح شريكًا في سعيهم للحصول على الطاقة النووية تعهدات مماثلة في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. التمويل النووي عملية طويلة الأجل، ومعقدة ومكلفة مع القليل من الأرباح على المدى القصير، والفوائد التي يصعب قياسها كميًا على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن الصفقات النووية الروسية تحتل مرتبة متقدمة على رأس مشاريع البنية التحتية الأخرى، مما يجعلها عرضًا “للفوز” لكلا الجانبين.

تحتضن تركيا حتى الآن المشروع النووي الأول والوحيد في منطقة الشرق الأوسط بتكلفة مالية روسية بلغت مليار ونصف المليار دولار، ومن المتوقع أن يتم الانتهاء منه في عام 2016. وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها نموذج تمويل المشاريع، البناء والتملك والتشغيل (BOO)، في الصناعة النووية.

وقد اقترحت ترتيبات روسية مماثلة للأردن، ومن المتوقع أن يبدأ المشروع في عام 2017. وفي مصر، تم التوقيع على مذكرة تفاهم مع روسيا، غير أن التوقيت والتمويل لم يحددا بعد حتى الآن.

بالإضافة إلى محطة طاقة نووية روسية تتواجد حاليًا في طهران، تعهدت روساتوم بانشاء محطتين إضافيتين. ومؤخرًا، وقعت المملكة العربية السعودية وروسيا مذكرة تفاهم بالإضافة إلى خطط لاستثمار 10 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر السعودي في روسيا، وسط تدهور العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة.

وفي حين يتطلب قرار الذهاب للطاقة النووية إنفاق مبلغ كبير من المال، فإنه وفي حال توافرت وعود الالتزام السيادية، فإن ذلك يمكن أن يساعد على تجميل الصفقة. ومع ذلك، ماذا يحدث عندما يكون الضامن السيادي في حد ذاته يعاني من تقلبات جيوسياسية ومالية، وعدم الوفاء بالوعود والتعهدات؟

اعتبارًا من منتصف عام 2015، يعاني الاقتصاد الروسي من حالة السقوط الحر، متأثرًا بتراجع أسعار الطاقة، وسقوط الروبل، والعقوبات الغربية، وهروب رأس المال وتضافر الجهود الأوروبية لتقليل الاعتماد على شركة غازبروم الروسية للطاقة.

إن احتمال أن ترقى روسيا إلى مستوى وعودها النووية هو احتمال مشكوك فيه، نظرًا لعدد الالتزامات الكبيرة التي قطعتها إلى بنغلاديش ونيجيريا وفيتنام والمجر وفنلندا وتركيا وإيران ومصر وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية.

دخول الولايات المتحدة؟

تشير القيود الاقتصادية الحالية والمرتقبة في روسيا إلى إمكانية عدم قدرتها على الوفاء بالتعهدات ومذكرات التفاهم، وهو ما يمنح الفرصة للولايات المتحدة للانخراط والمشاركة. وإذا أرادت الولايات المتحدة أن تمارس أدوات القوة الذكية، فإن تقديم الدعم للصناعة النووية الأمريكية سيكون حاسمًا. وفشل معاودة إصدار بنك التصدير والاستيراد الأمريكي هو مثل إطلاق شخص ما النار على قدمه. ويتجلى هذا بطريقة أكثر أهمية في الوقت الراهن مما كانت عليه الأمور في الشرق الأوسط.

حتى اللحظة، يبقى الشرق الأوسط ذو صلة قوية بمصالح الولايات المتحدة، حتى على الرغم من محور آسيا وثروة أمريكا المكتشفة حديثًا من الثروات القادمة من الصخر الزيتي والغاز الصخري، مما يقلل من الاعتماد على الواردات من الشرق الأوسط.

لا يزال الشرق الأوسط إحدى المناطق الرئيسية لعدم الاستقرار وذات الأهمية الاستراتيجية. ستواصل الولايات المتحدة استيراد نفطها لعقود قادمة، والحفاظ على الممرات الملاحية آمنة ومفتوحة هو أمر حاسم للتجارة العالمية. على هذا النحو، لا يمكن للولايات المتحدة أن تصبح ضحية للتفكير في سياستها الخارجية.

من خلال دعم محطات الطاقة النووية في المنطقة، يمكن للولايات المتحدة قتل ثلاثة عصافير بحجر واحد: تقليص النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. ممارسة نفوذها الاستراتيجي ووجودها في ضوء اتفاق إيران للحفاظ على علاقتها مع الحلفاء الإقليميين. ودعم الصادرات المحلية في صناعة الأسلحة النووية. صفقة أو لا صفقة في إيران، لا يزال حساب التفاضل والتكامل هذا دون تغيير.

وعلاوة على ذلك، وبينما تشهد الولايات المتحدة نهضة محلية في الابتكار النووي، يبدو ذلك هو الوقت المناسب لدعم محطات الطاقة النووية في الخارج، فضلًا عن درء المنافسة الأجنبية في الصناعة النووية وممارسة النفوذ الإقليمي والمساهمة في التنمية الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي تشهد فيه الاستراتيجية الأمريكية للصناعة النووية منذ فترة طويلة انخفاضًا ملحوظًا، فإن الفرصة سانحة لتقديم رعاية سيادية لتعويض النفوذ الإقليمي الروسي في الشرق الأوسط. حان الوقت لإعادة النظر في الدور الذي يلعبه بنك التصدير والاستيراد في ممارسة القوة الأمريكية الناعمة التجارية على الصعيد العالمي.

أخيرًا، وبينما تكافح واشنطن بالفعل لطمأنة الحلفاء الإقليميين المعنيين حول التقارب مع طهران، فإن المشاركة المتواضعة في التعاون النووي المدني مع العواصم الأخرى في الشرق الأوسط هو فرصة ضائعة لإعادة تأكيد العلاقات الاستراتيجية.

ولكن بالطبع، مثل هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر، وخاصة في هذه المنطقة المضطربة. تعاني منطقة الشرق الأوسط من حركات التمرد المحلية والعابرة للحدود الوطنية، واللاجئين، والمنافسة الجيوسياسية وعدم الاستقرار السياسي. وبالتالي، يبدو خطر الانتشار النووي خطرًا حقيقيًا. يجب أن تتضمن أي استراتيجية للولايات المتحدة لدعم الطاقة النووية المدنية حتمًا الرقابة على الصادرات القوية وعمليات تحقق لضمان الالتزام.

ومع ذلك، بالنسبة للبلدان التي تتطلع إلى أن تصبح لأول مرة من المنتجين للطاقة النووية، ربما تضع مناقشة الانتشار ومخاوف التصعيد العربة أمام الحصان. تمويل المشاريع على نطاق واسع وتطوير البنية التحتية هي أدوات مهمة لتفعيل الانخراط والمشاركة.

اتخاذ خطوة أو خطوتين إلى الوراء: روسيا لديها خطة استراتيجية، في حين لا يبدو أن الولايات المتحدة لديها خطة مماثلة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد