كتبت مارينا كورين، صحفية لدى مجلة «أتلانتك» تغطي شؤون الفضاء، مقالًا نشرته المجلة الأمريكية حول ابتعاد القمر عن الأرض والذي سيستمر إلى أن يصبح القمر غير قادر على حجب أشعة الشمس عنَّا، بعدما تتبخر المحيطات، ويصبح الكوكب أكثر سخونة.

تقول الكاتبة في مستهل تقريرها: «إن القمر يمضي مبتعدًا عنَّا».

وتوضح أنه في كل عام يتحرك قمرنا بوضوح وبلا هوادة، مبتعدًا عن الأرض – قليلًا جدًّا، حوالي بوصة ونصف، وهو تغيير غير محسوس تقريبًا – ولا يمكن وقف هذا التراجع البطيء، ولا توجد طريقة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إن قوى الجاذبية غير مرئية ولا تتزعزع، وبغض النظر عما نفعله أو ما نشعر به حيالها، فإنها سوف تستمر في دفع القمر طوال الوقت. وعلى مدار ملايين السنين سيستمر الابتعاد بين الأرض والقمر.

علوم

منذ 3 شهور
تغير المناخ ليس أكذوبة صينية.. الانقراض يهدد الكوكب بعد ارتفاع حرارته 1.5 درجة

تقول الكاتبة: وبالنظر إلى هذا الوصف الميلودرامي، قد تتساءل: أليس لديكِ أشياء أفضل من القمر لتفكري فيها؟ حسنًا، لا، ليس لدى ما هو أفضل حقًا، لأنني مراسلة فضائية، ومن صميم وظيفتي التفكير في الأجرام السماوية، والكتابة عنها. وأيضًا لأن تصوير هذه الظاهرة ظهر مؤخرًا في الصين خلال الاحتفالات بمهرجان منتصف الخريف، والذي يصادف اكتمال القمر الأقرب إلى الاعتدال الخريفي. وكان هناك منطاد عملاق قد صمِّم ليشبه القمر بحُفره وكل ما فيه، تحرر وتدحرج في الشارع. وتُظهر لقطات الفيديو الخاصة باللحظة المرتجلة شخصين يركضان خلف القمر الضخم وهو يتعثر في طريقه مبتعدًا، كما لو كان يقول لهما «وداعًا».

جرت العادة أن يكون القمر أقرب إلى الأرض. وقبل حوالي 4.5 مليار سنة، عندما تشكل لأول مرة من الحطام الصخري الذي كان يطفو حول الأرض، كان القمر يدور بالقرب من كوكب الأرض بنحو 10 أضعاف المسافة التي يدور بها حولها اليوم. ويعتقد العلماء أن الحطام جاء من تصادم بين الأرض وجسم غامض بحجم المريخ. وكان القمر الذي خرج حديثًا من الفرن الكوني ساخنًا وذائبًا، متوهجًا باللون الأحمر في سماء الليل. وفي ذلك الوقت – كما يقول العلماء – كان القمر يتحرك مبتعدًا عن كوكب الأرض بمعدل ثماني بوصات سنويًّا.

ابتعاد القمر عن الأرض حتمي ومستمر

وكان كوكبنا وقمره دائمًا ما يبتعدان عن بعضهما بعضًا على هذا النحو. ولم يزل بإمكان جاذبية الأقمار، على الرغم من صغر قوتها، أن تشد كواكبها؛ مما يتسبب في بروز العوالم الكبيرة إلى الخارج قليلًا. وعلى كوكب مغطى بالمحيطات مثل كوكبنا (تحتل المياه حوالي 71% من مساحة سطح الكرة الأرضية)، يظهر التأثير في حركة المد والجزر المتقلبة.

Embed from Getty Images

ويسحب القمر محيطاتنا، لكن تلك المحيطات تتراجع؛ مما يجعل القمر يتسارع في مداره. وأوضح لي جيمس أودونو، عالم الكواكب في «وكالة الفضاء اليابانية (جاكسا)»، أنه «إذا أسرع القمر أثناء الدوران حول الأرض، فإنه بذلك يهرب من الأرض بنجاح أكبر، ولذا يدور من مسافة أبعد». ويشير العلماء إلى هذه الظاهرة باسم «التراجع القمري» – وهو مصطلح مُبهِج، لأنني أفضِّل أن أتخيل أن القمر يمتِّع نفسه بملاذ باعث على الاسترخاء، ويحني جسمه الصخري في أوضاع مختلفة، وكأنه يمارس اليوجا، بدلًا عن التحرك حول الأرض ببطء كالشبح.

وقاس العلماء هذا التراجع عن طريق إرسال أشعة الليزر إلى المرايا التي تركها رواد فضاء أبولو على القمر، باستخدام تلك البيانات، إلى جانب مصادر أخرى، لتقدير الحركات السابقة. لقد تغير معدل التراجع القمري على مر السنين. وتزامنت الارتفاعات الشديدة في التراجع مع أحداث مهمة، مثل قصف النيازك على القمر، وتقلب العصور الجليدية على الأرض. لقد أثَّر التراجع المستمر على الأرض بما يتجاوز المد والجذر الخاص بها.

والقوى التي تجذب القمر بعيدًا عنا تعمل أيضًا على إبطاء دوران الكوكب، وتمتد طوال أيامنا. وفي البداية، عندما كان القمر يقترب منا وكانت الأرض تدور على نحو أسرع، لم يكن اليوم يتجاوز أربع ساعات. وبالمعدل الحالي للتراجع القمري، قد يستغرق الأمر قرنًا من الزمان حتى نتمكن من الحصول على ملي ثانية إضافية، أو نحو ذلك كي تُضاف إلى طول اليوم.

الشمس تُخرِج القمر عن مساره

وتشير الكاتبة إلى أنه من المتوقع أن يستمر القمر في الانجراف بهذه الطريقة وفقًا للمقياس العلمي لتعبير «إلى الأبد». وعلى الرغم من افتراض تصوير فيلم أكشن في المستقبل يحمل اسم «سقوط القمر»، إلا أنه لن يصطدم بنا أيضًا. وفي يوم من الأيام، بعد حوالي 600 مليون سنة من الآن، سيدور القمر على مسافة بعيدة بما يكفي بحيث تفقد البشرية أحد أقدم مشاهدها الكونية: الكسوف الكلي للشمس.

Embed from Getty Images

ولن يكون القمر قادرًا على حجب ضوء الشمس وإلقاء ظلاله على الأرض. لكن القمر سيبقى مرتبطًا بالأرض، ليطالع نسخة مختلفة جدًّا وأكثر سخونة من الكوكب، مع بدء المحيطات في التبخر. وبالطبع، بعد بضعة مليارات من السنين من ذلك التاريخ، ستُخرِج الشمسُ القمرَ عن مساره تمامًا. والأرض أيضًا، عندما ينفد وقودها، سوف تتمدد، وتبتلع النظام الشمسي الداخلي في عمل مذهل من أعمال موت النجوم.

هاروكي موراكامي: القمر يراقب الأرض

وتضيف الكاتبة: وفي نهاية هذا الأسبوع، نظرتُ من خلال التلسكوب لأول مرة إلى نظام شمسي أكثر هدوءًا. (أعلم، أليس كذلك؟ وأنا مجرد مراسلة فضائية). ووضع أحد الجيران تلسكوب على سطح المبنى الذي أقطن فيه، وحاولت الانتباه وهو يشرح العدسات المختلفة وقدرتها على التكبير، لكنني كنت متحمسة جدًّا، أفكر فقط «دعني أرَ، دعني أرَ».

لقد رأيتُ القمر كمجرة ثنائية الأبعاد ساطعة في السماء، مع وجود بقع داكنة تثير التكهنات في أدمغتنا، مما يجعلنا نرى أنماطًا مألوفة في غير مكان وجودها. لقد فسَّر الناس هذه الصور الرمزية بعدة طرق: وجه بشري، صورة ظلية للأرنب. ولكن ماذا رأى القمر فينا؟ يقول الكاتب الياباني هاروكي موراكامي في روايته «1Q84»، الكتاب الأول: «كان القمر يراقب الأرض عن كثب لمدة أطول من أي شخص آخر. يجب أن يكون قد شهد جميع الظواهر التي تحدث – وجميع الأعمال التي يجري القيام بها – على هذه الأرض». ولم يزل القمر يراقب. ولكن ما الذي يمكن أن يفكر فيه الآن، بعد عام ونصف مروع (بسبب فيروس كورونا)؟

القمر والأرض والوداع الطويل

وأردفت الكاتبة: أدار جاري تلسكوبه عبر السماء الصافية. كان هناك كوكب المشتري وأشرطته الملتوية، والتي كانت باهتة ولكنها واضحة، وثلاث نقاط صغيرة من الضوء قبالة جانبه – وهي أكبر أقماره. كان هناك زحل، كرة كاملة، تبرز حلقاتها من كل جانب. وبعد ذلك كان هناك القمر: مغطى بالحُفَر والشقوق والظلال، نسيج غني جدًّا لدرجة أن جلد أطراف أصابعي كانت يرتعد من المنظر، كما لو كنت أدحرج القمر في يدي مثل كرة من الرخام، وأشعر بحوافِّه الخشنة.

Embed from Getty Images

وقررتُ عدم إفساد اللحظة لأي شخص آخر على السطح في تلك الليلة بإخبارهم أن القمر ينأى بنفسه عنَّا؛ ببطء ولكن باطراد.

واختتمت الكاتبة مقالها بالتأكيد على أنه لا شك أن تجربة البعد – عن عائلاتنا، من وقت نسبي لعودة الحياة إلى طبيعتها – أزعجت كثيرًا منَّا بما فيه الكفاية. ومن الأفضل التركيز على الصورة الصغيرة للقمر من خلال العدسات، لكي نرى القمر على نحو صحيح لأول مرة. وربما كان يودع الأرض وداعًا طويلًا، لكن كان من الأمور الجيدة أن أقول له مرحبًا (بعدما رأيته من خلال التلسكوب).

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد