• بيل جيتس المتفائل

 

اسأله وسيخبرك بنفسه. أنا متفائل جدًّا، أترى؟

ولِمَ لا؟ هو من أغنى أغنياء العالم. اخترع الحاسوب الشخصي الذي ساد لعقودٍ من الزمن، وما زال. يدير الرجل مؤسسة تعمل على حل أسوأ مشاكل العالم – معدلات الوفاة عند الأطفال، الملاريا، شلل الأطفال – ويمكنه رؤية الأمور تتحسن. يمكنه حتى أن يقيس ذلك التحسّن بوضوح. انخفضت معدلات وفاة الأطفال إلى النصف منذ عام 1990. التفاؤل، لرجل مثل بيل جيتس، هو الواقعية، هكذا بمنتهى البساطة.

لكن مؤخرًا، أصبح جيتس مهووسًا بسؤال سوداويّ: ما هو الشيء الذي على الأرجح سيقتل ما يربو عن 10 ملايين إنسان في العشرين عامًا القادمة؟ يستبعد جيتس كوارث الأفلام الشهيرة – “انفجار بركاني ضخم، زلزال رهيب، نيزك” – يقول إنه كلما عرف عن هذه الأشياء، كلما أدرك أكثر أن احتمالية وقوعها “قليلة جدًا.”

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://youtu.be/9AEMKudv5p0″ width=”650″ height=”450″ ]

 

هناك الحرب، بالطبع. ولكن جيتس ليس قلقًا بشأنها لأن الجنس البشري كلّه يقلق بشأن الحرب طوال الوقت. وأخطر أنواع الحرب، وهي الحرب النووية، تبدو تحت السيطرة، على الأقل في وقتنا الحالي.

ولكن هناك شيء يماثل الحرب في خطورته، ويقتل عددًا من الأشخاص يقترب من عدد ضحاياها، وجيتس لا يظن أننا استعددنا له.

يقول جيتس:-

فلنلقِ نظرة على وفيات القرن العشرين. سيقول الجميع أنه بالتأكيد حدث ارتفاع كبير في معدل الوفيات في الحرب العالمية الأولى. هذا صحيح، أخذت حوالي 25 مليونًا. وبالتأكيد هناك ارتفاع كبير آخر في الحرب العالمية الثانية، ها هو، حوالي 65 مليونًا. لكن هنا نلاحظ هذا الارتفاع الذي يضاهي الحرب العالمية الثانية، والذي وقع بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة. نتساءل ما كان هذا؟ حسنًا، لقد كانت الإنفلونزا الأسبانية.

 

  • أكثر خطر متوقّع حدوثه في تاريخ البشرية

 

لا يمكن لأحد الزعم أننا لم نتلق تحذيرات، تلو الأخرى، تلو الأخرى. الوباء هو أكثر كارثة متوقع حدوثها في التاريخ، لأنّها تكرّرت كثيرًا من قبل.

في ورقة بحثية نشرت عام 1990م عن أنثروبولوجيا الأمراض المعدية، قدّر العالمان بيتر براون وماريكا إنهورن أن الأمراض المعدية حصدت أرواحًا أكثر من كل الحروب، وكل الأمراض غير المعدية، وكل الكوارث الطبيعية مجتمعة. الأمراض المعدية هي عدونا الأقدم، والأخطر، وما زالت حتى يومنا هذا.

يقول د. طوماس فريدن، مدير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية (CDC):

تقتل الإنفلونزا عشرة آلاف أمريكي في السنة الجيدة. أما في السنين السيئة، تقتل خمسة أضعاف هذا الرقم. وسيكون الأمر أسوأ بكثير في حالة الوباء العالمي. يظن الناس أن فيروسH1N1  لم يكن بهذا السوء، لكن أكثر من ألف طفل أمريكي ماتوا منه!

Indian school children, wearing protective masks distributed by the local right wing Shiv Sena party for an awareness campaign, are seen in a classroom in Mumbai on August 10, 2009. The number of people to die from swine flu in India rose to six, health officials said, as the government called for calm and people flocked to public hospitals for tests. The latest to die of the (A)H1N1 virus were an ayurvedic or traditional medicine practitioner in Pune, 120 kilometres (75 miles) from India's financial hub Mumbai, and a four-year-old boy in the southern city of Chennai.      TOPSHOTS/AFP PHOTO/ Pal PILLAI (Photo credit should read PAL PILLAI/AFP/Getty Images)

طلاب هنود يرتدون الكمامات، في أحد فترات تفشي A/H1N1

ويبدو أن كل عام جديد يحمل معه مرضًا مثيرًا مرشحًا ليكون الوباء القادم. في 2014، كان هذا وباء الإيبولا، الذي قتل أكثر من عشرة آلاف شخص وأصاب كثيرا من الأمريكيين بالهستيريا. هذا العام، قدّمت إنفلونزا الطيور صورة معدية أكثر، انتشرت في أربعة عشر ولاية، لتقتل أو تجبر المسئولين على قتل 39 مليون طائر. فرضت السلطات هذه المذبحة لأنه كلما زاد عدد الطيور المعرضة للعدوى، كلما زادت احتمالية أن يتحوّر الفيروس ويعيد تشكيل نفسه في صورة معدية للبشر.

ليست الأخبار فقط هي التي تحذرنا. الثقافة مليئة بمظاهر خوفنا من الأمراض المعدية: الموتى الأحياء، على سبيل المثال.World War Z هي رواية حققت مبيعات ضخمة، وفيلمًا حاز إقبالًا واسعًا. The Walking Dead، من أكثر العروض التليفزيونية شعبية. الموتى الأحياء هم كناية عن الأمراض المعدية.

تحدّث ماكس بروكس، مؤلف World War Z إلى CDC قائلًا:

عندما كنت طفلًا، شاهدت الأيدز يتحوّل من مرض غامض غير واضح المعالم إلى وباء عالمي. ما أثار جنوني هو أن الأيدز، وعلى عكس الموت الأسود أو الإنفلونزا الأسبانية، كان يمكن احتواؤه بمنشورات توضّح ما يجب وما لا يجب فعله، بالقليل من التعليم والقيادة المستنيرة. ربّما لو كنّا فعلنا هذه الأشياء لكان الأيدز الآن مجرد حاشية في ورقة بحثية.

بل إن CDC أصدرت ملفًا بعنوان “الاستعداد 101“، يناقش كيف نستعد لظهور الموتى الأحياء. ليس أن CDC تتوقع ظهورهم قريبًا، ولكن لأن نهاية العالم على يد الموتى الأحياء هي ببساطة نهايته على يد مرض معدٍ. والحديث عن كيف تتفادى أن تصبح من الموتى الأحياء، هي وسيلة آمنة لتعريف الناس بكيفية حماية أنفسهم من الأوبئة العالمية.

يقول بروكس:

عندما تواجه الناس بما يثير توتّرهم حقًا، كثير منهم يغلقون عقولهم. بالنسبة لهم فإن التخطيط لمواجهة كارثة محتملة حقيقية هو شيء مخيف جدًّا إلى درجة تشلّ التفكير. لكن حين نجعل الأمر متعلقًا بهجوم من الموتى الأحياء، حينها يكون هناك بعض التمهيد النفسي.

الوباء هو شيء نفكّر فيه، ونعرفه، ونخشاه. يجعله هذا أسمى من عقولنا، وأخفى من كوابيسنا، وهو ما دفعنا إلى خلق بناء مجازيّ يمكنّنا من الحديث عنه حتى مع الناس الذين يمنعهم الخوف الشديد من ذلك. نحن نفكّر في الأمر كثيرًا حتى ليبدو من السخافة القول أننا لسنا مستعدين للأمر. لكنها الحقيقة. نحن لم نقترب حتى من الاستعداد لأمر مماثل.

فلننظر إلى ما حدث مع الإيبولا.

 

  • كيف كنّا «محظوظين» مع موجة الإيبولا

 

كان (روب كلاين) اختيارًا غريبًا ليقود الحرب ضد الإيبولا.

دخل كلاين إلى إدارة أوباما كرئيس للعاملين بمكتب نائب الرئيس، جو بايدن. تجدر الإشارة هنا إلى أنه شغل ذات المنصب مع النائب آل جور، ليصبح بذلك الوحيد الذي شغل هذا المنصب مع نائبين مختلفين.

سرعان ما أثبت كلاين نفسه كمدبّر استثنائي محنّك، نادرًا ما تصدر عنه الأخطاء. لذا عندما احتاج أوباما إلى من ينظّم استجابة الحكومة الأمريكية للإيبولا، كان كلاين هو اختياره. وقد قام كلاين بواجبه. بعد بضع من الحالات التي لم يتم التعامل معها بإتقان، انتهت موجة الإيبولا على أرض أمريكا، وصارت المشكلة بعيدة عن أمريكا كما اعتادت.

لكن حين نتحدّث إلى كلاين اليوم، لا نلمس في كلامه نبرة المنتصر، وإنما نجد الخوف. هو لا يظنّ أن الإيبولا أظهرت مدى نجاح الاستجابة الأمريكية، وإنما مدى السهولة التي يمكن أن تفشل بها. يقول كلاين:

“لا يمكننا استخدام كلمات مثل “الحظ” أو “حسن الطالع” عند الحديث عن شيء حصد عشرة آلاف روح، مثل الإيبولا. ولكن السيناريو الذي حدث كان الأفضل على الإطلاق. الإيبولا من الصعب جدًّا أن ينتقل من شخص إلى آخر، وكل المصابين به يتميّزون بأعراض واضحة وظاهرة. كما أنه تفشّى في ثلاث دول صغيرة لا ترسل العديد من المسافرين إلى الولايات المتحدة، وهي دول لها علاقات طيبة معنا، وترحب بالدعم الغربي.

Ebola

أمّا في حالات الأوبئة العالمية، فإن المرض سيكون معديًا أكثر بكثير من الإيبولا، وربّما لا يحمل المصابون أعراضًا واضحة. ربّما يتفشّى في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، يخرج منها العديد من المسافرين إلى الولايات المتحدة. ربما في بلد بها مدن عملاقة مأهولة بعشرات الملايين من السكان. وربّما تكون بلدًا لا يمكن إرسال الدعم أو الطائرات الرئاسية لها.

يرى كلاين أن الإيبولا تظهر مدى عدم استعداد العالم لمرض معروف منذ عقود، مرض ينتقل ببطء شديد مقارنة بالأمراض المعدية الأخرى. الشخص المصاب بإيبولا من المتوقع أن ينقل المرض إلى شخصين، في حالة عدم توافر وسائل وقائية فعالة (يطلق علماء الأوبئة على هذا معدّل التكاثر أو النقل). شخصان ليس رقمًا كبيرًا بالمقارنة. ففيروس سارس معدّل تكاثره أربعة أشخاص، والحصبة ثمانية عشر!

ماذا سيحدث إذا واجه العالم مرضًا قاتلًا لسنا مستعدّين له، بمعدّل انتقال يصل إلى خمسة، ثمانية، أو عشرة أشخاص؟ ماذا إن بدأ في مدينة كبيرة، أو كانت أعراضه غير واضحة؟

تجاربنا السابقة ليست مطمئنة. يقول كلاين: “إذا نظرت إلى إنفلونزا H1N1 عام 2009، نجد أنها انتشرت في أرجاء العالم قبل أن ندرك شيئًا.”

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد