• كيف ساهم البشر في انتقال الأمراض المعدية

السبب في خوف جيتس من الأوبئة هو نموذج محاكاة لوغاريتمي يوضّح كيف تنتقل الأمراض في أرجاء العالم الحديث. موّل جيتس هذا النموذج ليساهم في محاربة شلل الأطفال. ثمّ استخدمه بعدها ليبحث في كيفية انتشار مرض مشابه للإنفلونزا الأسبانية، عام 1918م، إن انتشر في عالمنا الحديث.

كانت النتائج صادمة، حتى لجيتس نفسه. “في خلال 60 يومًا سيصبح المرض في كل المراكز الحضرية حول الكرة الأرضية. لم يحدث هذا مع الإنفلونزا الإسبانية.”

السبب الأساسي لهذه السرعة في الانتشار هي سرعة البشر في الحركة في أرجاء العالم. وجد صانعو النموذج أن معدل عبور الحدود الآن يتجاوز 50 ضعفًا عمّا كان عليه في 1918م. وأي مرض جديد سيعبر هذه الحدود مع العابرين، وسيعبر قبل حتى أن تعرف بوجوده.

تظهر المحاكاة أن مرضًا يتصرّف مثل الإنفلونزا الأسبانية، سيقتل أكثر من 33 مليونًا في 250 يومًا فقط!

لقد صنعنا، من ناحية انتشار الأمراض، أسوأ بيئة ممكنة في تاريخ البشرية.

 

  • النظم الصحية المتأخرة تهدّد الدول المتقدّمة

(ويليام جيبسون)، كاتب الخيال العلمي، لديه مقولة جيدة: المستقبل هنا بالفعل، فقط ينقصه التوزيع العادل. لشدّ ما تغدو هذه المقولة صحيحة بالنظر إلى مجال الرعاية الصحية.

تنفق الولايات المتحدة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، أكثر من ثمانية آلاف دولار للفرد سنويًا، تحت بند الرعاية الصحّية. تنفق إريتريا أقل من 20 دولارًا. هي مشكلة تخصّ إريتريا، هكذا تعوّد الأمريكيون أن يفكّروا. لكن إن ظهر مرضٌ معدٍ فتّاك في إريتريا، ولم يعرف عنه العالم في وقته، فسرعان ما ستكون مشكلة أمريكا أيضًا.

هذا هو ما حدث مع الإيبولا. إن كانت الإيبولا قد بدأت في أمريكا فإنه كان من المحتمل اكتشافها، واحتواؤها بسهولة وسرعة.

ولكن، كما يظهر مقال الزميلة جوليا بيلوز، فإن البلدان الثلاثة التي بدأت فيها موجة الإيبولا من الدول الأفقر في العالم، وقد تطلّب الأمر أكثر من ثلاثة شهور ليدركوا الأمر حتى. حينها كان الأمر قد خرج عن السيطرة، ولأول مرة وصلت الإيبولا إلى الشواطئ الأمريكية.

عندما سألت مدير CDC، فريدن، عمّا نحتاج لنكتشف هذه الأمراض مبكرًا، لم يتردد.

الطريقة الأمثل لحماية الناس هي بتقوية بنية الرعاية الصحية العامة بالأساس. يعني هذا توفير معامل لعزل العينات واختبارها، ومعرفة ما المرض الذي ينتشر، وتوفير علماء أوبئة ميدانيين، ومراكز لعمليات الطوارئ، ونحتاج لتوفير هذا كل يوم، فما تعلمناه هو أن نظام الصحة العامة لابد أن يكون متوفرًا دومًا، لا في حالات الطوارئ فقط.

الخبر الجيد هو أن هذا النظام ليس مكلفًا بالقدر الذي قد نتوقعه. كل ما نحتاجه هو حوالي دولار للفرد في العام الواحد.

لا سحر هنا. في أوغندا هناك سعاة يستخدمون الدرّاجات النارية لنقل العينات من وإلى آلاف مراكز العناية الصحية في أنحاء البلد. الكلفة ليست عالية.

الصعوبة ليست في الأموال؛ وإنما في الأولويات. ليس مجال الصحة العامة مثيرًا للاستثمار فيه. يقول فريدن بغضب: “الأمر لا يكلّف بناء مستشفًى فخمًا  في العاصمة!”

ولكن إن تمكنت من العثور على المرض، عندها تبدأ التكنولوجيا الحديثة دورها. يمكننا تفكيك شفرة الحمض النووي ومعرفة طرق وتكوين ومسببات المرض الجديد بوسائل لم تكن حتى متخيلة قبل عقود قليلة – وهذا يعني أنه يمكننا الاستجابة أسرع بكثير.

الخبر السيء؟ “نحتاج إلى حكومة تفعل.”

  • هل نحن واثقون أننا سنبلي بلاءً أفضل المرة القادمة؟ لا

مشاكل الأوبئة العالمية تتلخص في ثلاثة أشياء.

المشكلة الأولى هي البلدان التي لا تريد أن تعترف بحاجتها إلى المساعدات الدولية، لأنها لا تريد أن تعترف أن لديها مشكلة من الأساس.

غينيا مثلًا لم ترد الإعلان عن موجة الإيبولا التي أصابتها، لأن مثل هذا الإعلان يمثل حكمًا بالإعدام على حركة الاستثمار والسفر.

لم يقتصر الأمر على إيبولا غينيا. كتب مايكل سبكتر في صحيفة (النيويوركر):

لو كان (سارس) معديًا أكثر، لشكّل كارثة الألفية الجديدة في مجال الصحة. ومع هذا، في 2002م، وقت ظهوره الأول، كان ما يقلق القادة في الصين هو حركة التجارة والسياحة، لذا كذبوا وأخفوا وجود الفيروس لأشهر – مما زاد من انتشاره. وفي 2004م، عندما ظهرت إنفلونزا الطيور في تايلاند، فعل المسئولون شيئًا مشابهًا وأظهروا تجاهلًا لنشر المعلومات.

sars2003e

المشكلة الثانية هي الدول التي لا تتقبّل المساعدات الدولية، لأن الحكومة أضعف من أن تنسّق بكفاءة مع المؤسسات الدولية، أو لأن الحكومة معادية لهذه المؤسسات. تخيّل موجة وبائية تبدأ من سوريا، وستفهم الفكرة.

المشكلة الثالثة هي الثقة؛ لا أحد في الواقع يثق في قدرة المؤسسات الدولية التي ستنظم الأمر. لا توجد طريقة أخرى لقول هذا: أداء منظمة الصحة العالمية في مواجهة الإيبولا كان كارثيًّا. كتبت الجارديان أن “استجابة منظمة الصحة العالمية البطيئة للإيبولا تمت إدانتها عالميًّا. اللجنة – التي يمكنها إعلان حالة طوارئ صحية – لم تقتنع بالأمر إلا بعد ثمانية أشهر من ظهور الحالات الأولى، وخمسة أشهر من تحذيرات منظمة (أطباء بلا حدود)، التي كان أطباؤها على جبهة الصراع.”

المستشارة الألمانية (أنجيلا ميركل) تقود الآن جهودًا لإعادة هيكلة المؤسسة. ولكن مثل هذه الجهود تلت أخطاءً مماثلة، حدثت في التعامل مع فيروس (سارس) ومع H1N1، وحققت القليل في إصلاح المؤسسة.

ليست هذه مشكلة بيروقراطية وفقط. منظمة الصحة العالمية ليس لديها من القوة ما يمكنها من مواجهة المشاكل التي نطلب منها حلها. حوالي خمسة وسبعين بالمائة من تمويل المنظمة يأتي من التبرعات، وليس هناك آلية تمكنها من رفع مجهوداتها خلال أوقات الطوارئ. الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية يمكنها إصلاح ذلك بتوفير تمويل أكثر ضمانًا وأكثر استمرارًا، حتّى لو اقتصر على أوقات الطوارئ. ولكن حتى الآن، لم تلق هذه الاقتراحات كثيرًا من القبول.

على أية حال، اتفق الخبراء أنه، سواءً كان الأمر من خلال منظمة الصحة العالمية أو غيرها، فإننا نحتاج إلى فريق استجابة للطوارئ في حالات الأمراض الخطرة. ولكن لا أحد لديه فكرة واضحة عن كيفية تشكيل مثل هذا الفريق. يقول كلاين: “هذا ما يفتقر إليه النظام العالمي، كتيبة من ذوي المعاطف البيضاء. ولكن من سيسيطر عليه؟ يدفع له؟ يعطيه الأمر بالانتشار؟ هذه هي الأسئلة الشائكة.”

الوضع معاكس تمامًا إن تكلمنا عن الحرب، فهي ليست أخطر على الجنس البشري من المرض، ولكن البشر خططوا لوقوعها أفضل بكثير. يقول جيتس: “عندما تتحدث عن الحرب، نجد أن هناك كل هذه القوانين التي تنظم الأمر، مثلًا يحق للحكومة السيطرة على السفن. ولكن في حالة وقوع وباء، مَن مِن المفترض أن يوفر مثل هذا؟

انظر إلى ما حدث مع الإيبولا. أين كان احتياطنا الطبي كما للعسكريين احتياطهم؟ أن تتصل بالناس وتدعوهم للمجيء للمساعدة، ويكونوا قد حظوا من قبل بالتدريب على العمل الطبي والعمل الجماعي. هؤلاء الذين يريدون التطوع، هل ندفع لهم شيئًا؟ وماذا نفعل بهم بعد انتهاء الموجة، هل يخسرون وظائفهم؟ هل تستعيدهم الشركات وأماكن عملهم السابقة؟ ما هي قواعد الحجر الصحي؟  لقد كان وفقًا للظرف الراهن والمتاح وفقط.”

هذا هو ما يثير الجنون بشأن صراعنا الحديث مع الأوبئة. على عكس العصور السابقة فإن لدينا من الأدوات ما يكفل لنا حماية أنفسنا. ولكن حركة السفر العالمية الآن تخطّت سلطة الحكم العالمية أو حتى قرتها على الاستجابة للأمراض. الأمراض أسرع بكثير من الحكومات. يقول كلاين: “هذه هي ثغرة النظام العالمي”.

ولا أحد يعرف حقًا كيف يمكن إصلاحها.

1 2

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد