في ظل التصريحات الأخيرة لمستشار وزارة العدل الأمريكية روبرت مولر، حين وصف التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بأخطر التدخلات التي رآها خلال فترة خدمته، وعلى أعتاب الانتخابات الجديدة، تحاول مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في تقرير حصري أعدته إيمي ماكينون وروبي غرامر، التحري حول اسم غامض ورد في تقرير لجنة مجلس الشيوخ وكشف الستار عنه.

يشير تقرير «فورين بوليسي» في البداية إلى أنه عندما أصدرت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي المجلد الأول من تقريرها حول تدخل الكرملين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، فإنه تضمن اسمًا روسيًا لم يسبق على الإطلاق ذكره علنًا، في ما يتعلق بالتحقيق. ورغم أن القسم الخاص بـ«الجهود الروسية للبحث في أنظمة التصويت والعمليات والعناصر الأخرى للبنية التحتية للتصويت» قد نُقح بالكامل، بقيت جملة واحدة يقول نصها: «من غير المعروف ما إذا كان تارانتسوف قد حضر (تلك) المناسبات».

وقد كان لغياب أي تفاصيل أخرى عن هوية هذا الشخص، أن يترك وراءه سلسلة من الملاحظات الجديرة بالتتبع في تقرير يتناول بالتفصيل أحد أكثر القصص الإخبارية التي تعرضت أجزائها للتدقيق والفحص منذ سنوات؛ ومن ثمّ يجمل الكاتبان موضوع التقرير بالسؤال عن من هو تارانتسوف؟

من هو تارانتسوف؟

يشير التقرير إلى أن تارانتسوف هو اسم أخير روسي غير مألوف إلى حد ما. غير أنه في الوقت الذي بات من المعروف أن روسيا بدأت فيه جهودها لاختراق الأنظمة الانتخابية الأمريكية، كان هناك، بحسب التقرير، شخص واحد على الأقل يحمل اسم تارانتسوف ويعمل في واشنطن العاصمة، وهو: المقدم ديمتري فلادميروفيتش تارانتسوف، الذي شغل منصب الملحق العسكري الجوي في السفارة الروسية، وفقًا لما ورد في قائمة الدبلوماسيين المعتمدين التي تنشرها وزارة الخارجية الأمريكية.

Embed from Getty Images

ولم تعلق أي من السفارة الروسية أو المتحدثين باسم لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ على ما إذا كان تارانتسوف المشار إليه في التقرير هو ذاته الملحق السابق التابع لوزارة الدفاع الروسية. ولكن عندما وجهت لهم مجلة «فورين بوليسي» سؤالًا بشأن الأمر، قال مسؤولون سابقون في الحكومة الأمريكية: إن الحكومة غالبًا ما ستتماشى مع قواعد اللعب الدبلوماسية مع موسكو، وتقبل بأن تارانتسوف هذا كان يقوم بتحركاته خارج السفارة تحت الغطاء الدبلوماسي لملحق.

وقد كان لملحقي الدفاع، وليس الذين من روسيا فقط، دور ممتد لفترة طويلة في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية خلال عملهم في السفارات، ومن المعروف أن فرع الاستخبارات العسكرية الروسية، أي «وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية» (جي.آر.يو)، اضطلع بدور رئيس في الجهود الرامية إلى التأثير على الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، من خلال اختراق رسائل البريد الإلكتروني لحملة مرشحة الحزب الديمقراطي الأمريكي للرئاسة آنذاك هيلاري كلينتون والبنية التحتية للحملة الانتخابية.

ويلفت التقرير الانتباه إلى أن مكتب المحقق الخاص لوزارة العدل الأمريكية روبرت مولر وجه الاتهام إلى 12 من موظفي وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية في يوليو (تموز) من عام 2018، لدورهم في عمليات الاختراق الإلكتروني التي أشرفت عليها موسكو.

موضحًا أنه إذا ثبت أن تارانتسوف المذكور في تقرير لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ هو ملحق يعمل لصالح وكالة الاستخبارات العسكرية، فإن ذلك سيكون أول تصريح علني بأن ضابطًا من المخابرات العسكرية الروسية ربما يكون قد شارك في مساعي التدخل الروسي والبحث في أنظمة التصويت الأمريكية من داخل الولايات المتحدة.

وهذا بدوره يطرح تساؤلات مهمة حول التفاصيل المحجوبة في النسخة الأولى من التقرير التي جرى تنقيحها، بحسب التقرير.

يستدرك التقرير بعد ذلك بالقول إنه حتى الآن لم يوجه اتهامًا رسميًا إلى أي ضابط تابع لوكالة الاستخبارات العسكرية الروسية بالتدخل في الانتخابات التي جرت على الأراضي الأمريكية، لكن المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، ماكس بيرغمان، قال إنه إذا كان ملحق عسكري يعمل من واشنطن متورطًا، فإن ذلك «يظهر أن هذا التدخل الروسي لم يكن مجرد وحدة استخبارات مارقة اتخذت قرارها عشوائيًا وعزمت على اختراق البنية الأساسية لعملية التصويت الأمريكية، بل كان جهودًا متضافرة على مستوى الحكومة الروسية بأكملها ومن كل الأجهزة التابعة للكرملين».

وكان تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، الذي صدر في أواخر الشهر الماضي، قدم تفصيلات بشأن توجيه الحكومة الروسية «أنشطة تدخل واسعة النطاق» ضد البنية التحتية للانتخابات في الولايات المتحدة. وقال تحقيق اللجنة، بحسب التقرير: إن الأنظمة الانتخابية في الولايات الخمسين كلها كانت مستهدفة على الأرجح، لكن لم يعثر على أدلة تثبت أن ثمة تغيير في الأصوات.

وردًا على طلب تقدمت به مجلة «فورين بوليسي» للتعليق على هوية تارانتسوف أو السبب وراء عدم إزالة اسمه في التقرير المنقح، رفض مكتب رئيس لجنة الاستخبارات والأعضاء البارزين فيها إعطاء أي تعليقات إضافية عما جاء في التقرير.

جهود روسية خطيرة

أصدرت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ تقريرها بعد يوم واحد من تحذير مولر العلني للكونجرس بأنه من المرجح أن تتدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية المقبلة، إذ قال إنه «خلال مسيرته المهنية، رأى عددًا كبيرًا من التحديات التي واجهتها الديمقراطية الأمريكية. إلا أن جهود الحكومة الروسية تلك للتدخل في الانتخابات هي من بين الجهود الأخطر». وأضاف مولر عن الحيل الروسية: «إنهم يفعلون ذلك الآن ونحن جالسون هنا، بالإضافة إلى أنهم يستعدون لفعل ذلك مرة أخرى خلال الحملة المقبلة».

Embed from Getty Images

وبحسب «فورين بوليسي»، فالقسم الذي يذكر فيه اسم تارانتسوف في تقرير اللجنة يستند إلى مذكرة أو أكثر من مذكرات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ونتائج تسجيلات التنصت على المكالمات الهاتفية التي أجريت بموجب تفويض لمراقبة الاستخبارات الأجنبية، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي رفض منح المجلة تعليقًا على هذه التفصيلات.

وأيضًا لا يوجد أي أثر تتبع لديمتري فلاديميروفيتش تارانتسوف على شبكة الإنترنت، باستثناء ما ورد في قائمة للدبلوماسيين المعتمدين الذين عملوا في السفارة الروسية في أوتاوا، كندا في عام 2008.

وينقل تقرير المجلة عن إيفلين فاركاس، وهي زميلة أقدم في مركز أبحاث «صندوق مارشال الألماني» وشغلت منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي لشئون روسيا وأوروبا الشرقية، قولها إن الملحقين العسكريين بالسفارات، وليس فقط الذين من روسيا، يعملون رسميًا كجهات اتصال بين إدارات الدفاع، لكن ينظر إليهم أيضًا على نطاق واسع كعناصر تابعة للاستخبارات العسكرية لدولهم.

ومع ذلك فإن أي جهود يبذلها الملحق العسكري لجمع المعلومات حول النظام الانتخابي الأمريكي ستعتبر غير عادية إلى حد كبير، بحسب إيفلين التي أضافت: «وظيفتهم هي محاولة معرفة طبيعة خطط الولايات المتحدة لمحاربة خصومها، والسعي للحصول على بعض المعلومات الاستخبارية العسكرية، لكن ليس من المفترض بالطبع أن يستهدفوا المدنيين الأمريكيين». وقالت: إنه لا يرد إلى ذاكرتها أنها قد عملت مع تارانتسوف خلال فترة وجودها في الحكومة الأمريكية.

غير أنها استطردت بالقول: «لكن مثلما نعلم، فإن وكالة الاستخبارات العسكرية وهي جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية قد تخطت المناورات والأعراف التقليدية في ظل الرئاسة الحالية للكرملين، وتفرعوا إلى مجالات (غير عادية) مثل التدخل في الانتخابات والشؤون الداخلية للدول الأخرى».

تورط السفارة الروسية ووكالة جي.آر.يو

تقول «فورين بوليسي»: إن السفارة الروسية قد أصبحت مشتركة في فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات التي ابتُلي بها البيت الأبيض في عهد ترامب، منذ تولت إدارته الحكم تقريبًا. فقد وُجِد مستشار الأمن القومي الأول للرئيس دونالد ترامب، مايكل فلين، مذنبًا في عام 2017 بعد أن أقر بذنب الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن الاتصالات التي أجراها مع السفير الروسي السابق في واشنطن سيرجي كيسلياك. وكانت السلطات الأمريكية قد اخترقت معاملات مالية مشبوهة وسحوبات نقدية من السفارة بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2016.

Embed from Getty Images

وبحسب تقرير المجلة، فقد علق بيرغمان، المسؤول الرسمي السابق وزميل كبير حاليًا في وحدة الأبحاث التابعة لـ«مركز التقدم الأمريكي» ذي الميول اليسارية، بالقول: «كان يحدث الكثير داخل السفارة الروسية؛ مما كان جديرًا بإثارة الشبهات حقًا».

ويستدعي التقرير اتهام المملكة المتحدة لاثنين من ضباط وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية بتنفيذ هجوم بغاز الأعصاب على سيرجي سكريبال، العنصر السابق في الاستخبارات العسكرية الروسية، خلال العام الماضي. وهو ما تعرض على إثره سكريبال وابنته لإصابة خطيرة نتيجة ملامسة السم من نوع «نوفيتشوك»، الذي رش على مقبض باب منزلهم في مدينة سالزبوري الإنجليزية، كما توفيت امرأة بريطانية بعد تعرضها للسم الذي كان قد أخفي في زجاجة عطر وتخلص منه.

وينقل التقرير عن دانييل هوفمان، الذي شغل منصب مدير مقر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في موسكو، قوله: «لقد دفعوا بعناصر وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية هناك لتنفيذ أفعال وحشية يسهل اكتشافها إلى حد كبير، بما في ذلك عملية اغتيال سكريبال»، مضيفًا أن هؤلاء العناصر تركوا آثارًا تقود مباشرة إلى مقرات الوكالة في موسكو.

إلا أن روسيا أنكرت، وفقًا للتقرير، أي اشتراك في الهجوم على سكريبال، ونفت بذلها أي محاولة للتأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مايو (أيار) الماضي، وصف وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الاتهامات بأنها «لا أساس لها من الصحة» و«كاذبة كليًا».

وتختتم «فورين بوليسي» تقريرها بالإشارة إلى أنه في ردها على قائمة مفصلة من الأسئلة التي أرسلتها المجلة، أرسل المكتب الصحافي للسفارة الروسية في واشنطن عددًا من الروابط الإلكترونية تتضمن مقابلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجراها المخرج الأمريكي أوليفر ستون، ورابطًا لتقرير أعدته السفارة الروسية بعنوان «The Russiagate Hysteria: A Case of Severe Russophobia» أي «الهوس بمزاعم التدخل الروسي: حالة من الرهاب الشديد من روسيا».

«تسريبات ترامب»..جدران أمريكا تتهاوى أمام روسيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s