لم يكتفِ المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بإثارة الجدل بتصريحاته ووعوده الانتخابية، بل إن الجدل والغموض امتد ليطال أحد مستشاريه، وهو كارتر بيج. ومن هذا المنطلق سلطت مجلة بوليتيكو الضوء على الرجل الذي تقول إنه يتمتع بعلاقات قوية مع موسكو.

لم يكتفِ المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية «دونالد ترامب» بإثارة الجدل بتصريحاته ووعوده الانتخابية، بل إن الجدل والغموض امتد ليطال أحد مستشاريه المزعومين، وهو «كارتر بيج». ومن هذا المنطلق سلطت الصحفية «جوليا لوف» في تقرير لمجلة «بوليتيكو» الضوء على الرجل الذي تقول إنه يتمتع بعلاقات قوية مع موسكو.

سُئِل ترامب في إحدى المقابلات عن مستشاريه للسياسة الخارجية، فذكر خمسة أشخاص كان من بينهم الدكتور كارتر بيج. تلقف الصحفيون اسم الرجل، وذهبوا للبحث في تاريخه؛ فوجدوا أنه مؤسس وشريك في شركة «كابيتال» للطاقة العالمية، وأنه يملك سنوات من الخبرة في الاستثمار في قطاع الطاقة الروسي. وحين سئل بيج عن علاقته بترامب، قال إنه كان يقدم نصائح للحملة الرئاسية، وسيكون مستشارًا لترامب في شئون سياسة الطاقة وروسيا.

تقول «لوف» إن صلتها بروسيا ممتدة منذ فترة طويلة، وأن لديها العديد من الأصدقاء هناك، ولكن عندما سألت عن كارتر بيج، تبين لها ألا أحد قد سمع به من قبل.

كما أشار رجل أعمال أمريكي، كان قضى سنوات في روسيا، إلى أنه لم يسمع باسمه في وسائل الإعلام هناك، لكن موقع «ياهو» قال: إن الاستخبارات الأمريكية تبحث في صلات مزعومة له مع بعض المسئولين الروس. وقد أثار ذلك جدلًا حول طبيعة الأشخاص المحيطين بترامب.

وكان ترامب قد وعد بأنه سيختار أفضل الأشخاص وأكثرهم جدية؛ حتى يكونوا ضمن حملته الانتخابية. وقد ظهرت حاجته إليهم فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وفق ما ترى لوف. فقد أخطأ ترامب بالخلط بين الأكراد وفيلق القدس الإيراني، وبين حماس وحزب الله، ونسي اسم زعيم تنظيم الدولة الإسلامية. ومنذ أن انفضت معظم الشخصيات الجمهورية البارزة من حول ترامب، بل توقيعها منشورات مناهضة له، فما نوعية الأشخاص التي أحاط نفسه بها؟

ويؤكد التقرير أن كارتر بيج، البالغ من العمر 44 عامًا، غير معروف لدى خبراء الطاقة الروس. والمدهش في الأمر أن بيج يبدو مجهولًا إلى حد كبير بالنسبة لحملة ترامب الانتخابية أيضًا.

ولكن يبدو أن بيج هو الذي حقق الاستفادة من علاقته بترامب، وليس العكس، فبعد سنوات من محاولات الأول في عقد صفقات هناك، يبدو أن نجمه قد بدأ يسطع في تلك المنطقة. فهو يُنظر إليه في روسيا على أنه وسيلة محتملة لتقوية العلاقات مع أمريكا. «إنه مثقف للغاية، وخبير في الشأن الروسي. ويحظى باحترام شديد في صناعة الطاقة الروسية، وسمعته طيبة»، يقول «ميخائيل ليونتيف»، المتحدث باسم شركة «روزنفت» العملاقة المملوكة للدولة، متحدثًا عن بيج.

وقد حظي بيج باهتمام كبير من وسائل الإعلام الأمريكية؛ فقد أشارت شبكة بلومبيرج إلى وجود صلات عميقة بينه وبين المسئولين التنفيذيين في عملاق الغاز الروسي «غازبروم»، بينما تحدثت صحيفة «واشنطن بوست» عنه قائلة: إنه وسيط خفي له علاقات قوية بروسيا.

وتقول لوف: إن بيج قد أطلق تصريحات مثيرة، ففي اجتماع مغلق في واشنطن، صرح بأن بوتين قائد أفضل من أوباما. كما هاجم ما أسماه «نفاق» السياسة الخارجية الأمريكية أمام جمهور روسي في حفل بدء الدراسة في كلية الاقتصاد الجديدة، وهو ذات المكان الذي ألقى أوباما خطابًا فيه قبل سبع سنوات. ودائمًا ما تشير إليه وسائل الإعلام الروسية على أنه «الخبير الاقتصادي الأمريكي المعروف» و«مستشار السياسة الخارجية في حملة دونالد ترامب».

أثناء رحلة البحث في خلفية بيج، تلقت لوف اتصالات من محققين خاصين يزعمان أن لبيج علاقات مريبة بروسيا. وقد أكدا لها أن مكتب التحقيقات الفدرالي قد فتح تحقيقًا حول علاقته بشخصيتين روسيتين مدرجتين على قائمة العقوبات الأمريكية، وهما «إيجور سيشن» و«سيرجي لافروف»؛ لذا يبقى السؤال معلقًا: من يكون كارتر بيج؟

رفض بيج الحديث مع الصحفية أثناء إعداد التقرير، بالرغم من محاولاتها المتكررة لإجراء حوار. يمتلك بيج سيرة ذاتية ساحرة. حيث يظهر منها أنه قد قضى 7 سنوات يعمل كمستثمر مصرفي لدى مجموعة «ميريل لينش» في عدة أماكن منها موسكو، وقد تولى هو مسئولية افتتاح فرع المجموعة هناك، وخدم في منصب المدير المنفذ لمجموعة Energy and Power، واشترك في معاملات في قطاع الطاقة بأكثر من 25 مليار دولار.

وقد صرح «بيج لبلومبيرج» قائلًا إنه شارك في إعادة هيكلة شركة RAO UES، وهي شركة كهرباء روسية عملاقة. وعمل كمستشار لشركة غازبروم في مشروع «ساخالين 2» لمد أنابيب النفط والغاز. وهذه كلها مشاريع ضخمة، ولا بد أن اسمه قد ورد في سجلات تلك المشاريع.

وللتأكد من تلك المزاعم، تواصلت كاتبة المقال مع «أيان كريج»، المدير التنفيذي لشركة ساخالين للطاقة بين عامي 2004 و2009، فنفى معرفته باسم بيج، بل واندهش من أن شركة ميريل لينش كان لها يد في الصفقة.

كما أكد رجل أعمال غربي عمل لسنوات طويلة في روسيا ويتمتع بعلاقات مع الكثير من ذوي النفوذ هناك أنه تفاجأ من مزاعم بيج، وأنه لم يسمع به، إلا عند إعلان ترامب عن اسمه ضمن حملته الانتخابية.

ولكن تبين أخيرًا أن هناك من سمع باسمه. ففي عملية إعادة هيكلة شركة RAO UES، عُرف بيج بالاسم الحركي سترانشكين أو «الصفحة الصغيرة»، وعمل في الإدارة المالية للشركة. شاركت مؤسسة ميريل لينش في عملية بيع حصة من الشركة، لكن عمل بيج لم يكن مؤثرًا، بحسب ما صرح به موظف روسي عمل معه، ومع ذلك كان هو وفريقه يحصلان على كامل الثناء، ولم يترك بيج أي انطباع جيد لدى زملائه.

ونقل التقرير عن «سيرجي ألكساشنكو»، المدير السابق للبنك المركزي الروسي، والذي أدار مكتب مؤسسة ميريل لينش في موسكو لبعض الوقت، قوله إنه كان شخصًا عاديًا، ولم يمتلك مواهب لافتة للنظر، ولم يكن دوره هامًا في مكتب الشركة في موسكو.

وباختصار، يشير التقرير، فإن مستشار ترامب للطاقة والسياسة الخارجية، لا يبدو أنه شخصية مميزة، أو مثقفة، أو لديه أي خبرة في السياسة الخارجية.

كتب بيج سلسلة من المقالات عن الأخطاء السياسية التي ترتكبها إدارة أوباما. كتب يقول في إحداها «إن الأخطاء الكبرى التي ترتكبها إدارة أوباما في مجال السياسة الخارجية سيتجاوز تأثيرها الكارثي تأثير مشكلات غياب العدالة داخل الولايات المتحدة».

ويظهر الخطاب الذي ألقاه في كلية الاقتصاد الجديدة في روسيا أنه وبعد أن قضى ثلاث سنوات في روسيا، لا يعرف شيئًا في اللغة الروسية، فقد جرى ترجمة كافة الاستفسارات التي وُجهت إليه إلى الإنجليزية. كما أنه في منتصف الخطاب قد امتدح روسيا على عدم تدخلها في شؤون الدول الأخرى، وهذا يؤكد جهله بما يجري في كل من سوريا وأوكرانيا.

حصل بيج على زمالة مجلس العلاقات الخارجية. وقد دافع بشدة عن «فلاديمير بوتين» قائلًا: إنه ليس طاغية دمويًا كما يصوره الغرب، وإنما قائد حكيم استطاع أن يجلب الازدهار إلى روسيا. وينقل التقرير عن زملائه في المجلس شعورهم بالاندهاش من آرائه التي ظهر من خلالها وكأنه يشعر بالذنب بسببها.

ترى لوف أن علاقة حملة ترامب بروسيا أكبر مما تبدو. فعندما قام قرصان معلومات، يعتقد أنه روسي، باختراق حملة المرشحة الديمقراطية «هيلاري كلينتون» وتمرير أسرارها إلى جوليان أسانج، مفجر فضيحة التجسس التي تورطت فيها وكالة الأمن القومي الأمريكية، بدا الأمر وكأن الغرض هو دعم طرف ضد آخر. والمثير للسخرية هو أن دونالد ترامب قد دعا الحكومة الروسية إلى اختراق المزيد من الخوادم الأمريكية. وقد تبين أن المدير الثاني لحملة ترامب على علاقة تجارية خفية مع مناصري روسيا في أوكرانيا.

وتقول: إنه قد وجد نفسه أمام روايتين متناقضتين عن كارتر بيج. هل كان بيج على علاقة قوية بأشخاص مشبوهين ونافذين، وهل كان يكن الكره للغرب؟ وهل كان وسيلة لروسيا للتأثير على نتيجة الانتخابات الأمريكية؟

زعم بيج أنه كان دائم التواصل مع مسئولي شركة غازبروم، لكن أحد زملائه السابقين يسخر من ذلك ويقول إن بيج لم يلتقِ بأي مسئول بارز في الشركة، وأن وظيفته في ميريل لينش كانت تقتصر على التحضير للاجتماعات بين مسئولي الشركة والمستثمرين الغربيين، وهو عمل لا يحتاج إلى أي خبرات.

لكنه كان ذا نفع بشكل مختلف، ينقل التقرير عن زميله، فقد كانت شركة غازبروم تعاني نقصًا في المستثمرين، على الرغم من أن صافي الربح الخاص بالشركة كان يبلغ أحيانًا 36 مليار دولار في السنة؛ لذا دخل هو كمستثمر في الشركة، وحث مختلف الشركات التي عمل لحسابها على القيام بالمثل.

ثم حاول إنشاء شركته الخاصة للاستثمار في مجال الطاقة، لكن الأزمة المالية العالمية التي ضربت الأسواق في 2008 وقفت حائلًا أمام ذلك. وقد سجل عنوان الشركة على أنها تقع في جادة «ماديسون» الراقية في نيويورك، على بعد بضع خطوات من برج ترامب، لكن تبين أن العنوان يخص شركة أخرى.

وقد نفى المتحدث باسم شركة «روزنفت» الروسية أن يكون بيج قد التقى برئيس الشركة «سيشن»، ووصف الأمر بأنه «محض هراء»، لكن مسئولًا في وزارة الخارجية الأمريكية رفض الإفصاح عن اسمه قال: إنه ليس هناك موانع قانونية من مقابلة أشخاص مدرجين ضمن قائمة العقوبات.

ثم أتت المفاجأة حين سألت «لوف» كبير مستشاري ترامب، «ستيفن ميلر»، عن بيج، فرد قائلًا «من؟». لكن الشائعات التي كانت متداولة في واشنطن كانت تشير إلى أن بيج خاضع للنفوذ الروسي.

كان «ريتشارد بيرت»، السفير الأمريكي السابق لدى ألمانيا، قد نفى مقابلته لبيج. وبيرت هو من أعد مسودة خطاب ترامب عن السياسة الخارجية الذي كان قد ألقاه في أبريل (نيسان) الماضي. ونفى عدة مسؤولون في حملة ترامب أن يكون لكارتر بيج أي علاقة بالحملة.

فهل كان بيج مجرد رسول خفي بين روسيا وحملة ترامب؟ يتساءل التقرير. ولكن حتى لو كان الجميع يكذب، فإن مما لا شك فيه أن بيج كان له يد في علاقة الروس بترامب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد