النظر إلى منفذي تلك الهجمات باعتبارهم «ذئابًا منفردة» خطأ كبير، إذ يغفل دور الشبكات الإرهابية التي ساعدت على تنفيذ تلك الهجمات.

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، مقالًا للكاتبين «دافيد جارتنستاين- روس»، وهو زميل بارز في مؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» الأمريكية، وباحث متخصص في الجماعات الإرهابية، و«ناثانيل بار»، مدير الأبحاث لدى مركز «Valens Global» للدراسات والأبحاث فيما يخص الجماعات السلفية المتطرفة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وبالأخص تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، تحدثا فيه عن الهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا، بالأخص في الفترة الأخيرة، وعن طبيعة مُنفِّذي تلك الهجمات. وأشار كاتبا المقال أن النظر إلى منفذي تلك الهجمات باعتبارهم «ذئابًا منفردة» خطأ كبير؛ إذ يغفل دور الشبكات الإرهابية التي ساعدت على تنفيذ تلك الهجمات.

في الرابع عشر من يوليو (تموز) الماضي، نفّذ رجل تونسي يعيش في فرنسا يُدعى «محمد لحويج بوهلال» هجومًا إرهابيًا أسفر عن مقتل ما يزيد عن 80 شخص، وإصابة المئات، عندما قاد شاحنة بضائع؛ لتدهس حشدًا من المحتفلين باليوم الوطني الفرنسي «يوم الباستيل» في مدينة نيس الفرنسية. بعدها بنحو أربعة أيام، قام طالب لجوء أفغاني يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا بالهجوم على ركاب قطار بمدينة فورتسبورغ بألمانيا باستخدام فأس وسكين؛ مما أدّى إلى إصابة أربعة أشخاص قبل أن يُقتَل مُنفِّذ الهجوم برصاص الشرطة. في الرابع والعشرين من نفس الشهر، شهدت مدينة «آنسباخ» الألمانية تفجيرًا انتحاريًا أسفر عن إصابة خمسة عشر شخصًا، وفي اليوم السادس والعشرين من الشهر، قام مسلحان يزعمان الانتماء لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» باقتحام كنيسة بمدينة روان الفرنسية، ثم ذبحا قسًا، واحتجزا آخرين كرهائن.

قوات من الشرطة في موقع هجوم نيس

تشترك هذه الأحداث، وفقًا للمقال، في تصنيف المحللين والصحفيين والباحثين لها أنها من تنفيذ «ذئاب منفردة»، وهم الأفراد غير المتصلين بتنظيم الدولة الإسلامية أو بأي تنظيم إرهابي آخر بشكل مباشر، ويقومون بتنفيذ عملياتهم دون مساعدة من الآخرين.

وذكر المقال أن المراقبين يخطئون عندما يصنِّفون الهجمات أنها عمليات ذئب منفرد بصورة قطعيّة، والتي يتبين فيما بعد ارتباط فاعلها بخلايا أو شبكات أكثر انتشارًا. غالبًا ما تتواصل الذئاب المنفردة مع مسلحين آخرين، مستخدمين أساليب تشفير صعبة الفك في الكثير من الأحيان. لذلك من الخطر التسرع في تصنيف أشخاص بأنهم منفصلون عن الآخرين؛ لأن ذلك يغفل دور الشبكات الإرهابية التي تُسهِّل تلك الهجمات وتشجعها.

شبكات مجهولة

في أبريل (نيسان) من عام 2015، اتصل «سيد أحمد غلام»، وهو جزائري يدرس بفرنسا، بالإسعاف؛ بعدما أصاب نفسه في القدم عن طريق الخطأ. كشفت التحقيقات أن غلام، الذي كان بحوزته مجموعة من الأسلحة، كان يخطط للهجوم على عدة كنائس في باريس، بالإضافة إلى احتمالية تورطه في قتل امرأة عُثِر على جثتها في إحدى ضواحي باريس. في أغسطس (آب) عام 2015، استطاع ثلاثة مواطنين أمريكيين إيقاف «أيوب الخزاني»، وهو مغربي يبلغ من العمر 25 عاما، قبل أن يطلق النار على ركاب قطار متوجه من أمستردام إلى باريس.

في ذلك الوقت، بدا الهجومان منفصلين، وبسبب فشل كلا الهجومين – إذ أصاب غلام نفسه عن طريق الخطأ، وتعطّل سلاح الخزاني قبل أن يطلق النار- بدا كلاهما كهجمات من تدبير هواة. وفي الوقت ذاته، أنتجت شركة إعلامية داعمة لتنظيم الدولة الإسلامية فيديو دعائيًا بعد فشل هجوم الخزاني، تدعو فيه «الأسود المنفردة» -بحسب تسميتهم – لقتل أعداء التنظيم، مما عزز فكرة أن التنظيم يُلهم الذئاب المنفردة فقط، ولا يوجههم، بحسب ما ذكره المقال.

ولكن بعد هجمات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، اتضح أن تلك الاعتقادات خاطئة؛ ففي مارس (آذار) الماضي، أوضح الكاتب «روكميني كاليماشي» في مقال لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية كيف قام «عبد الحميد أباعود»، العقل المدبّر لهجمات باريس، بتوجيه غلام والخزّاني وغيرهما لتنفيذ هجمات في دول أوروبا، حتى في وقت استعداده لهجمات باريس. ولم يتم اكتشاف الشبكات التي تشارك في التنسيق لهجمات تنظيم الدولة الإسلامية في أوروبا بسبب رؤية المُحللين والمسئولين أن غلام والخزّاني وغيرهما من منفذي الهجمات لا علاقة لهم ببعضهم البعض.

عادة قديمة

وذكر الكاتبان أن الفشل في تحديد العلاقة بين الذئاب المنفردة، وتنظيم الدولة الإسلامية هو امتداد لنمط إغفال حجم الشبكات الإرهابية من قِبل الغرب. على سبيل المثال، وصف تحقيق رسمي هجمات لندن في السابع من يوليو (تموز) عام 2005 بأنها مستقلة، وغير مرتبطة بتنظيم القاعدة، كما قال مسئول بريطاني أن منفّذي الهجمات أربعة رجال عاديين. في يوليو (تموز) من عام 2006، بثّ تنظيم القاعدة شريط فيديو قال فيه «أيمن الظواهري» – الرجل الثاني في التنظيم آنذاك- أن «محمد صديق خان» و«شهزاد تنوير» – اثنين من المشاركين في تفجيرات لندن- قد زارا أحد معسكرات التدريب التابعة لتنظيم القاعدة في باكستان، وهو ما أكّدته أجهزة المخابرات الغربية بعد ذلك. علّق «بوب آيرز» الخبير الأمني بالمعهد الملكي للشؤون الدولية «معهد تشاتام هاوس» على الفيديو عند نشره قائلًا «إنه – أي الفيديو- يجعل موقف الشرطة سيئًا، فهو يعني أن التحقيق إما كان خاطئًا، أو أنهم تعرّفوا على تلك الصلات – أي الصلات بين منفذي الهجمات وتنظيم القاعدة- ولكن كانوا مترددين في الكشف عنها».

جانب من تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005

استمر المسئولون والمحللون منذ ذلك الحين في تجاهل اتصال منفذي الهجمات الإرهابية بشبكات أوسع نطاقًا. وذكر الكاتبان أن السبب في ذلك قد يكون محاولة تجنّب اللوم، إذ إن المراقبين قد يرون أنه على المسئولين منع تلك الشبكات، أما منفذو الهجمات المنفردون فمن الصعب رصدهم. وقد يكون السبب أيضًا تجنّب إجراء عمل عسكري حركي ضد الشبكات المتسببة في هذه الهجمات؛ نظرًا لوجود أولويات أخرى في سياسات الحكومات.

في الواقع، تفقد النظريات التي ترى أن الهجمات الأخيرة من صنع أفراد فقط، مصداقيتها يومًا بعد يوم، فقد تبنّى تنظيم الدولة الإسلامية هجوم قطار فورتسبورغ، إذ نشر التنظيم فيديو يظهر فيه منفذ الهجوم، مما أوضح أن التنظيم علِم بشأن الهجوم مسبقًا. وقد أوضحت السلطات الفرنسية بعد أقل من أسبوع من هجوم نيس أن «لحويج بوهلال» ربما لم يتصرف بمفرده، فقد اعتُقِل عدة أشخاص على صلة بتنفيذ المذبحة، ووُجِد أن لحويج بوهلال أرسل برسالة نصية إلى شخص يُزعم تورطه في الهجوم، قبل تنفيذه بدقائق يطلب منه المزيد من الأسلحة، وفقًا لما ذكره المقال.

التطرف في العصر الرقمي

يرى كاتب المقال أن طبيعة التطرف والتخطيط التشغيلي في العصر الرقمي زادت من تعقيد الجهود التي تهدف لتفسير وتحليل الهجمات التي يرتكبها أشخاص منفردون، بحسب المقال. اعتاد الإرهابيون الاتصال وجهًا لوجه، لذلك كان مسئولو مكافحة الإرهاب يبحثون عن شبكات تجنيد مادّية، ويتنصتون على الهواتف، ويبحثون في تسجيلات كاميرات المراقبة بحثًا عن دليل على اجتماعهم، ولكن مع ازدهار وسائل التواصل الاجتماعي والتطور في مجال تشفير الاتصالات، أصبح من الممكن أن يتم التطرف والتخطيط التشغيلي بشكل كامل عبر الإنترنت بكل سهولة.

استغل تنظيم الدولة الإسلامية تطور تقنيات الاتصال في بناء مجتمعات على الإنترنت تعزز الشعور «بالأخوة»، وبالتالي تسهيل التطرف. كما كوّن التنظيم فريقًا من المخطِّطين، يقومون بالتجنيد والتنسيق للهجمات عبر الإنترنت، دون أن يلتقوا بمنفذي تلك الهجمات وجهًا لوجه. على سبيل المثال، كان الهجوم على معرض تجري فيه مسابقة لرسوم «كاريكاتورية» مسيئة للنبي «محمد» في مدينة جارلاند بولاية تكساس الأمريكية في مايو (أيار) 2015 من تخطيط عضو بريطاني في تنظيم الدولة الإسلامية يُدعى «جنيد حسين»، إذ تواصل مع «إلتون سيمبسون» – أحد منفذي الهجوم – قبل تنفيذه للهجوم، وكان أول من يحتفل بالهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وصنّف الكاتبان الهجمات الإرهابية إلى أربع فئات، تبعًا لاتصال منفذيها بإحدى الشبكات الإرهابية. الفئة الأولى تضم الهجمات التي يكون منفذها قد تلقى تدريبًا لدى التنظيم أو الجماعة الإرهابية. والفئة الثانية تضم منفذي الهجمات التي يتواصلون مع مخططين للهجمات لدى تلك التنظيمات على شبكات التواصل الاجتماعي. والفئة الثالثة، تضم منفذي الهجمات الذين يتواصلون مع إحدى الجماعات المسلحة عبر شبكة الإنترنت، لكنهم لا يتلقون تعليمات محددة عن الهجوم. بينما تضم الفئة الرابعة الذئاب المنفردين، الذين ينفذون الهجمات دون الاتصال بأي شبكات إرهابية سواء على الإنترنت أو على أرض الواقع.

من الواضح أن الإرهابيين الذين يمكن تصنيفهم باعتبارهم ذئاب منفردة عددهم قليل جدًا. ويرى الكاتبان أن الهجمات طالما يتم تصنيفها بشكل خاطئ، فليست هناك فرصة لمقاومتها. واختتم الكاتبان المقال قائلًا بأننا نحتاج إلى نموذج أفضل لفهم الإرهاب في العصر الرقمي، إذ إن التعامل مع مثل هذه الهجمات من خلال التفكير التقليدي غير منطقي تمامًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد