لماذا لا يصغي الرجال ولا تجيد النساء قراءة الخرائط؟ الذكور من المريخ والإناث من الزهرة؟ تصرفي مثل امرأة وفكري مثل رجل؟ وغيرها من عباراتٍ وأحكام يقينية تصدّرت أغلفة الكتب وأحاديث تلفزيونية لـ«خبراء ناصحين» يوجهون النساء والرجال إلى «الطريقة المثلى» للتعامل مع أنفسهم ومع الجنس الآخر ليمخروا عباب الحياة بسلامٍ وهناء.

لكن هل تختلف أدمغة الرجال والنساء فعلا؟ عن هذا الأمر تأتي مقابلة جينفيف فوكس في صحيفة «الأوبزرفر» مع عالمة الأعصاب الإدراكي جينا ريبن، وعن أثر هذا التقسيم الثنائي على مختلف جوانب حيواتنا ذكورًا وإناثًا.

من هنا البداية

تتلقى دعوة مزركشة عليها سؤال: «هو أم هي يا ترى؟».. هكذا يحفزك الوالدان للمشاركة في «حفلة كشف جنس الجنين»، تأتي الدعوة عادة من أمّ حامل بعد انقضاء أكثر من 20 أسبوعًا على حملها حينما يصبح جنس الجنين معلومًا.

تحكي عالمة الأعصاب الإدراكي جينا ريبن في كتابها الجديد «الدماغ المجندر» عن هذه المناسبات، مستطردةً بالكيفية التي يكشف لك فيها الوالدان عن جنس طفلهما عبر شيءٍ مبتكر، مثل وضع قالب حلوى أبيض وعند قطع شريحةٍ منه ستجد حشوته الداخلية إما زرقاء أو وردية. إذا كانت زرقاء، فإن الجنين…

نعم، تخمينك صحيح. ومهما كان جنسه، فإن مستقبل هذا الطفل محدد سلفًا بالاعتقاد الراسخ القائل باختلاف طريقة فعل كل شيء ما بين الذكور والإناث، لأن لديهم أدمغة مختلفة.

تتحدث جينفيف عن لقائها بالكاتبة ريبن المهتمة بالدماغ البشري منذ طفولتها، وكيف ضحكت معقبة: «انتظري دقيقة! تجاوز العلم هذا. نحن في القرن الواحد والعشرين الآن!».. طريقتها في الكلام كانت مناقضة لكل ما يشيعها عنها منتقدوها، إذ يصورونها باعتبارها «نازيّة علم الأعصاب» و«العجوز السليطة النكِدة» المهووسة «بصنم المساواة».

من ناحيتها، توقعت جينفيف أن تقابل كاتبةً عالية الثقافة وليست سهلة لتداول النقاش، لكن ريبن كانت صبورة بالرغم من الإلحاح في صوتها أثناء شرحها مدى أهمية كوننا نتخلص أخيرًا من الصور النمطية المتحيزة جنسيًا والتشفير الثنائي الذي يحدّنا ويضر بنا، وكيف ستغيّر هذه الخطوة من حياتنا.

ظهر أثر القوالب النمطية مبكرًا في حياة ريبن، إذ أُرسل شقيقها التوأم «بمستوى أدائه المتدّني» إلى مدرسة أكاديمية كاثوليكية داخلية للبنين حين بلغ من العمر 11 عامًا. تعقّب ريبن: «صعبٌ قول هذا: كنت واعدةً على الصعيد الأكاديمي بوضوح، فقد كنت من النخبة في البلاد لعمر الحادية عشر فما فوق» وهو ما أوصلها أساسًا إلى منحةٍ لمدرسة قواعد اللغة، لكن والديها أرسلاها إلى دير كاثوليكي غير أكاديمي للبنات عوضًا عن ذلك.

لم تدرّس المدرسة هناك المواد العلمية، وكانت الطالبات تُجهزن لتصبحن راهبات أو زوجات للدبلوماسيين أو أمهات. تتابع ربين: «علم النفس كان أقرب شيء استطعت الوصول إليه لدراسة الدماغ. لم يكن لدي المستويات المتقدمة للالتحاق بكلية الطب، لقد أردت أن أكون طبيبة».

عانت عالمة الأعصاب جينا ريبن بنفسها من التقسيم الجندريّ الثنائي والتوقعات النمطية المتعلقة منذ الطفولة، إذ تلقّت فرص تعليمٍ أقل وتعاملًا مختلفًا عما تلقاه شقيقها التوأم.

ريبن تشق طريقها في العلوم والحياة

مضت الأيام لتتحصّل ريبن على درجة الدكتوراه في علم النفس الفسيولوجي بتخصصٍ لاحق بعمليات الدماغ والشيزوفرينيا، وهي اليوم بروفيسورة فخرية في مجال التصوير العصبي الإدراكي في جامعة أستون في برمنغهام أما شقيقها التوأم فهو فنان.

تتوزع حياة ريبن الآن بين المختبر حيث تدرس الاضطرابات الإنمائية مثل التوحد بآخر ما توصل إليه العلم من تقنيات، وبين العالم الخارجي لتكشف عن زيف أسطورة الاختلافات الجنسية «الوخيمة»: فكرة أنك تستطيع تصنيف الدماغ حسب الجنس أو أن هناك شيء من قبيل دماغ ذكوري ودماغ أنثوي.

اكتسبت هذه المقولة زخمًا لا يتصدّى له أحد منذ القرن الثامن عشر «كان يسعد الناس آنذاك التنطّع بالحديث عن أدمغة الرجال والنساء حتى قبل التمكن من النظر إليها. لقد طرحوا هذه الأفكار والاستعارات التي لاءمت الوضع الراهن والمجتمع حينها، وأدت إلى إيجاد تعليمٍ مختلف لكّل من الرجال والنساء».

عمِدت ريبن إلى تحليل البيانات حول الاختلافات الجنسية في الدماغ، وهي تعترف أنها كانت في البداية تبحث عن هذه الاختلافات مثل الآخرين. بيد أنها لم تعثر على شيء إلا ما لا يكاد يذكر، فضلًا عن بحثٍ آخر يشكك أيضًا في وجود هذه الاختلافات.

على سبيل المثال، عندما تُحتسب أيّ اختلافات في حجم الدماغ، تختفي الاختلافات الجنسية «ذائعة الصيت» في الهياكل الرئيسية. هنا انتبهت ريبن إلى واقع الأمر: ربما آن أوان نبذ البحث العتيق عن الاختلافات بين أدمغة الرجال والنساء. هل هناك أيّ اختلافات كبيرة مستندة للجنس وحسب؟ تجيب ريبن: لا، والقول بغير ذلك ليس إلا «حماقة عصبية».

«نحن الآن في نقطة حيث ينبغي علينا القول: انسوا الدماغ الذكري والأنثوي-إنه إلهاء»/عالمة الأعصاب جينا ريبن. المصدر

فكرة الدماغ الذكري والدماغ الأنثوي تفترض أنّ كلًا منهما شيء متجانس بصورة متميزة، وأن أي شخص لديه دماغ ذكري مثلا سيكون لديه نفس نوع المؤهلات والتفضيلات والشخصيات مثله مثل أيّ شخص لديه هذا «النوع» من الدماغ.

نعلم الآن أن الحال ليس كذلك. نحن الآن في مرحلةٍ علينا القول فيها «لننس الدماغ الذكري والأنثوي؛ إنه إلهاء وهو غير دقيق». قد يكون ضارًا أيضًا، إذ اُستعمل ذريعة لقول أشياء من قبيل: لا جدوى من اشتغال البنات بالعلوم لأنهن يفتقدن لدماغٍ علمي، أو لا ينبغي أن يكون الصبيان عاطفيين أو عليهم إرادة التصدّر».

لننس تصنيف الدماغ الذكري والأنثوي؛ إنه إلهاء وهو غير دقيق. قد يكون ضارًا أيضًا.

يأتي السؤال التالي هنا: من أي تنشأ الاختلافات السلوكية بين البنات والبنين إذن، وبين الرجال والنساء؟ تجيب ريبن: «عالمنا المجندر» هو الذي يحدد كل شيء، من السياسة التعليمية والتسلسل الهرمي الاجتماعي إلى العلاقات والهوية الذاتية وجودة الحياة والصحة العقلية.

إذا بدا لك هذا الكلام مشابه لجدليّة التكيف الاجتماعي العائدة للقرن العشرين، فإنها كذلك-ما عدا أنها مقترنة الآن بالمعرفة الحديثة بلدونة الدماغ، والتي أصبحنا على درايةٍ بها في الثلاثين سنة الماضية وحسب.

6 نصائح لحماية عقلك من أمراض الشيخوخة في المستقبل

لدونة فائقة

ينقل التقرير عن ريبن قولها: «أصبح الآن معطىً علميًا خضوع الدماغ للتقولب والتشكل من الولادة فصاعدًا مستمرًا بالتشكّل حتى «الجرف المعرفي» في سن الشيخوخة عندما تبدأ الخلايا الرمادية بالاختفاء، وبذلك تتلاشى حجة «البيولوجيا هي المصير»: من الناحية الفعلية، أنت تحصل على الدماغ الذي تولد به. صحيحٌ أنه يكبر قليلًا ويتشابك داخليًا بشكلٍ أفضلٍ لكن لديك حدّ للتطور محدد بمخطط بيولوجي أولي يتكشّف على طول الطريق. مع لدونة الدماغ، يصبح الدماغ نتيجة أكبر للتجارب. إذا تعلمت مهارة سيتغير دماغك، وسيستمر بالتغير».

وهو ما يبدو بوضوح في دراسات سائقي سيارات الأجرة السود ممن تحصّلوا على هذه المعرفة على سبيل المثال. «يتضاءل الدماغ أكثر بكثير مما كنا ندرك. ولذا إذا لم تخض تجارب معينة، إذا كنتِ فتاةً محرومةً من لعبة الليغو مثلا، ستخسري تدريب الإدراك المكاني الذي يتمتع به الأشخاص الآخرون في العالم». بالمقابل، إذا أُعطيت تلك المهام المكانية مرارًا وتكرارًا، ستتحسن مهاراتك بهم، إذ «تتغير المسارات العصبية، ويصبحوا مساراتٍ تلقائية. تصبح المهام أسهل حقًا».

ترمي اللدونة العصبية بفكرة قطبية الطبيعة والتنشئة خارج المختبر أيضًا. فكما ينقل التقرير عن ريبن «الطبيعة متشابكة مع التنشئة، فكونك جزءًا من مجموعة تعاونية اجتماعية يشكّل أحد المحركات الرئيسية لدماغنا».

الدماغ تنبؤي ومخطط للمستقبل بطريقةٍ لم ندركها من قبل، وهو يتبع القواعد بل إن لديه حتى حاجة ملحة إليها، تعقّب ريبن: «الدماغ قمّام قواعد، ويأخذ قواعده من العالم الخارجي. تغير القواعد كيفية عمل الدماغ وكيفية تصرف شخصٍ ما». وبالتالي فإن المحصلة النهائية في مسألة الأدوار الجندرية وفقًا للكاتبة: «تصبح الفجوة بين الجنسين نبوءة تحقق ذاتها».

يتصيد الدماغ قواعده من العالم الخارجي. والتي تغير كيفية عمل الدماغ وكيفية تصرف شخصٍ ما، وبالتالي تصبح الفجوة بين الجنسين نبوءة تحقق ذاتها

الآباء يقولبون والأبناء يضرسون

يحكي التقرير عن نشاط ريبن التوعوي في هذا المجال، إذ تتجول باستمرار بين المدارس لتلقي خطاباتٍ مختصة لأنها تريد أن تُري الفتيات نماذج لعالماتٍ بارزات يمكن الاقتداء بهنّ، وتريد نشر الوعي بين جميع الأطفال برسالةٍ مفادها أن هوياتهم وقدراتهم وإنجازاتهم وسلوكياتهم لا يحدّدها جنسهم البيولوجي.

«الوابل الجندري» المجتمعي هو ما يقودنا للتفكير بعكس ذلك، الأطفال الذكور المرتدين لبدلاتٍ زرقاء، والإناث بالوردي هو الترميز الثنائي المتناقض والمقاوم للأدلة العلمية والوضع الراهن الحالي.  يجب أن ينتهي «التوريد» كما تسمّيه ريبن، بيد أن الآباء لا يحبون سماع هذا دائمًا (تقصد عالمة الأعصاب هنا وجوب انتهاء الفصل الجندري والترميز اللوني الوردي والأزرق بكل ما يتبعه من رموز ودلالات).

تتحدث ريبن عن ما تلاقيه من ردود أفعالٍ من الآباء، إذ يحتجّون بأن لديهم ابن وابنة وهما مختلفان عن بعضهما، فتجيبهما ريبن «وأنا لدي ابنتان وهما مختلفتان جدًا». عندما تتحدث عن الهوية الذكورية والأنثوية، يتشبث الناس بشدة بفكرة اختلاف الرجال والنساء.. لكن تقول ريبن أنها وأمثالها ليسوا منكرين للاختلاف المستند للجنس، بالطبع هناك اختلافات. تشريحيًا، يختلف الرجال والنساء والدماغ عضو بيولوجي والجنس عامل بيولوجي لكنه ليس العامل الوحيد بل يتقاطع مع العديد من المتغيرات.

حينما سألتها جينفيف عن لحظةٍ فاصلةٍ مماثلة في تاريخ الفهم العلمي، من أجل قياس أهمية عملها، أجابت ريبن: «فكرة دوران الأرض حول الشمس».

تقرّ ريبن بأن التخلي عن اليقين القديم أمرٌ باعثُ على الرعب، وهي تحمل مشاعر مختلطة تجاه المستقبل إذ تشعر بالتفاؤل تجاهه وبالخوف منه أيضًا: «أشعر بالقلق حيال ما يفعله القرن الحادي والعشرون، والطريقة التي يجعل بها الجندر أكثر صلة. نحن بحاجة إلى النظر في ما نغرق به أدمغة أطفالنا».

قد يكون عصرنا هو عصر الصورة الذاتية، ومع ذلك -ينوه التقرير- فإننا لسنا مستعدين بعد للسماح بصورة النفس الفردية بالظهور، متحررة من التوقعات الثقافية  للجنس البيولوجي للمرء. تذهب ريبن إلى أن هذا الانفصال واضح وبائن، فهو لدى الرجال مثلا: «يقترح وجود خطأ ما في صورتهم الذاتية».

يريد الدماغ الاجتماعي أن يتأقلم ويندمج في ما حوله، ولذا يُقوّم ويعيد ضبط ما لديه وفقًا للتوقعات، و«إذا كانوا يُدفَعون إلى طريقٍ يوصلهم إلى إيذاء النفس أو حتى الانتحار والعنف، فما الذي يوصلهم إلى هناك؟».

رغم كل شيء هناك جانب مشرق يذكر به التقرير، لدى أدمغتنا اللدنة قدرة جيدة على التعلم، كل ما نحتاجه هو تغيير دروس الحياة.

كيف قادت القوالب النمطية الجندرية علم الدماغ؟

تقول عالمة الأعصاب جينا ريبن أن الأبحاث أخفقت حتى الآن في تحدّ التحيّز العميق في مجال علم الدماغ. سارت العديد من الأمور بشكلٍ خاطئ في الفترة الأولى من أبحاث تصوير الدماغ والاختلافات ما بين الجنسين. كان هنالك تركيز محبط على المعتقدات التاريخية في القوالب النمطية الجنسانية (ما اُصطلح عليه بـ«التحيز الجنساني العصبي» من قِبل عالمة النفس كورديليا فين).

صُممت الدراسات استنادًا على أساس قائمة الاختلافات «المتينة» بين الإناث والذكور، الناشئة عبر القرون، والبيانات التي فُسّرت من منظور الخصائص المنمّطة للذكور والإناث والتي قد لا تكون قيست حتى في جهاز الفحص.

إذا وُجِد اختلافٌ ما فمن المرجح أنه سيجد طريقه للنشر أكثر بكثير من الوقت الذي تجد فيه البحوث انعدام الاختلاف، كما يُستقبل بالترحيب والتهليل من وسائل الإعلام المتحمسة مقدّمينه ضمن «الحقائق المكتشفة حديثا»، مثلما رُوّج مرارًا أشياء من قبيل: أخيرًا دليلُ علمي على أن النساء مجبولاتٌ ليكنّ ضعيفات في قراءة الخرائط والرجال لا يستطيعون القيام بمهام متعددة! لذا فإن ظهور تصوير الدماغ في نهاية القرن العشرين لم يقدّم الكثير في مجال فهمنا للصلات المزعومة بين الجنس والدماغ. ها نحن الآن في القرن الواحد والعشرين، فهل تحسّن أداؤنا؟

لدونة الدماغ تعني أن لدى كلّ منا قدرة فائقة على التعلّم واكتساب المهارات الجديدة، وتعني أيضًا أن الطفل الذي لا يتعرّض لدروسٍ أو خبراتٍ معينة سيغدو محرومًا من تطوير المهارات المكتسبة منها.

تمثل أحد الإنجازات الرئيسية في السنوات الأخيرة في إدراكنا أنه حتى في سن الرشد، فإن أدمغتنا تستمر بالتغير، ليس فقط من خلال التعليم الذي نتلقاه بل أيضًا الوظائف التي نقوم بها وهواياتنا والرياضات التي نلعبها. يختلف دماغ سائق سيارة أجرة في لندن عن دماغ المتدرب وحتى عن دماغ سائق سيارة الأجرة المتقاعد.

يمكننا اليوم تتبع الاختلافات بين الأشخاص الماهرين في ألعاب الفيديو وبين متعلمي الأوريغامي (فنّ طيّ الورق) أو عازفي الكمان.

لنفترض أن هذه التجارب المغيّرة للدماغ تختلف باختلاف الناس أو باختلاف مجموعاتهم؟ مثلا، إذا كانت الذكورة تعني خبرة أكبر في بناء الأشياء أو التلاعب في التمثيلات المعقدة للأشكال ثلاثية الأبعاد (مثل لعب الليغو)، فمن المرجح أن يظهر أثر ذلك في دماغ هذا الذكر. تعكس الأدمغة الحيوات التي عاشها أصحابها، وليس فقط جنسهم.

توصلنا رؤية الطبعات طويلة الأمد التي شكّلتها التجارب والمواقف والخبرات الحياتية في أدمغتنا اللدنة إلى إدراك ضرورة إلقاء نظرةٍ فاحصة على ما يجري خارج رؤوسنا وليس داخلها فقط. لم يعد مقبولًا التعامل مع مسألة الاختلافات المستندة للجنس باعتبار العلاقة بين الدماغ والعالم علاقة ذات اتجاه واحد، بل هي علاقة مؤثرة ثنائية الطرفين.

يعكس الدماغ الحياة التي عاشها صاحبها والخبرات التي مرّ بها، وليس جنسه فقط.

بمجرد إقرارنا بلدونة أدمغتنا وقابليتها للقولبة والتشكل والتغير المستمر، يصبح واضحًا مدى قوة وأثر الصور النمطية للجنسين. إذا أمكن تتبع رحلة دماغ طفل ذكر أو أنثى، سنرى أنه منذ لحظة الولادة –أو حتى قبل ذلك- تُعين مسارات مختلفة لتلك الأدمغة، فالألعاب والثياب والكتب والوالدين والعائلات والمعلّمين والمدارس والجامعات وأرباب العمل والمعايير الاجتماعية والثقافية –وبالطبع الصور النمطية لكل جنس- جميعها تشكل معالم لاتجاهات مختلفة للأدمغة المتلقية.

يختتم التقرير بالتوكيد على مدى أهمية حلّ الحجج المتعلقة بالاختلافات في الدماغ، ففهم مصدر هذه الاختلافات أمر مهم لكل شخص لديه دماغ ولكل شخص يتبع لجنسٍ أو نوعٍ أو تصنيفٍ ما. إن المعتقدات المتعلقة بالاختلافات الجنسية (وإن كانت مستندة لأسس واهية) تشكّل الصور النمطية التي عادة ما تحصر الأمر بتصنيفين اثنين -فتاة وفتى، أنثى وذكر- لتتضمن كميات هائلة من الأحكام والمعلومات «المضمونة» لتحجب عنا القدرة على الحكم على فرد لوحده على أساس مزاياه وخصوصياته.

مع البيانات الجديدة والاكتشافات الحديثة في علم الأعصاب، يجري تحدي هذا التصنيف الثنائي القطب والتمييز الراسخ-بدأنا ندرك أن الطبيعة متشابكة مع التنشئة بارتباطٍ لا ينفصم عراه، وأن ما كان يعتقد بثباته وحتميته ظهر أنه لدن وبلاستيكيّ ومرن، وبدأنا بالكشف عن التأثيرات القوية المغيّرة للجانب البيولوجي حتى لعالمنا المادي عالمنا الاجتماعي.

لا يتحدى القرن الواحد والعشرين الأجوبة القديمة فقط، بل يتحدى السؤال نفسه.

مترجم: بصمتنا الجينية.. ماذا لو تبنّتك عائلة أخرى منذ لحظة الولادة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات