عند مناقشة العلاقة بين العلم والدين، غالبًا ما يتخذ الناس موقف الاستقطاب، فإما “يؤمنون” وإما “لا يؤمنون”.

يأتي الكثير من الحزن من إصرار الجانبين على أن الجانب الآخر مخطئ أو لا معنى له.

إلا أنه في الممارسة العملية، هناك مجموعة كاملة من المواقف المعتدلة، في الوقت الذي يزداد فيه الشك حول ما نعرفه. لا بأس لدى العديد من العلماء من ممارسة العلم والإيمان بالله. حيث يزعمون أن العلم هو وصف غير مكتمل للواقع، وأن هناك أسئلة كثيرة تتعدى قدراته. الأكثر من ذلك، هم يزعمون أنهم كلما فهموا العالم من خلال العلم، أعجبوا أكثر بالله. فبالنسبة لهم، العلم هو شكل من أشكال التدين.

تاريخيًّا، اتخذ العديد من كبار المفكرين هذا الموقف، وكثير منهم ما يزالون كذلك. ما يؤرق الناس مثل هاريس وريتشارد دوكينز هو أنهم يعتبرون المواقف المعتدلة لا تتفق مع مبادئ العلوم: الطبيعة هي المادة، ويجري تنظيم المادة وفقًا للقوانين الكمية. والهدف من العلم هو الكشف عن هذه القوانين. ولا يوجد شيء آخر.

يزعمون أن هذا الموقف الميتافيزيقي، على الرغم من جاذبيته بالنسبة للكثيرين، محفوف بالصعوبات المعرفية لأنه يضع الظواهر الطبيعية والظواهر غير الطبيعية في إطار من التعايش غير المستقر. كيف يمكن للطبيعة أن تكون طبيعية أو خارقة للطبيعة في آن واحد؟ في الواقع، إن إحدى المشكلات وراء الادعاء بأن حدثًا ما “ظاهرة خارقة للطبيعة” تبدو غير متناسقة: فأي حدث خضع للمراقبة انبعث منه نوع من الإشعاع الكهرومغناطيسي وتبادل الطاقة مع كاشف أو مع أجهزتنا الحسية الخاصة. وعلى هذا النحو، تعد الظواهر الخارقة للطبيعة طبيعية للغاية، حتى لو لم يجرِ فهمها أو كانت غامضة للغاية.

يمكن للمرء أن يتبنى ما سماه ستيفن جاي غولد نهج NOMA وتجزئة العلم والدين في مجالات محدودة التأثير، مشيرًا بسذاجة إلى أن “الدين يبدأ حيث ينتهي العلم”، أو شيء من هذا القبيل. ولكن من الواضح أن مثل هذه النظرة لا تصمد طويلاً جدًّا. والقول بأن خارقًا له ظواهر خارقة غير مادية، ولا حد لها، وبالتالي، لا يمكن الكشف عنها، يضعها وراء الخطاب العلمي ويجعل الحديث عنها بلا فائدة.

والحقيقة هي أن الدين والعلم لا يتداخلان في أذهان الناس، أو في خيارات حياتهم، أو في التحديات الأخلاقية الصعبة التي يواجهونها. وإنكار قوة الدين في العالم، مع اعتناق مليارات من البشر أديانًا مختلفة، هو أيضًا اعتقاد ساذج للغاية.

السؤال الصعب الذي يجب طرحه هو لماذا هذا العدد الكبير من الناس من كل الثقافات يحتاجون إلى الإيمان. ما الذي يوفره الدين ويحتاج الكثيرون للإيمان به؟

إن الانتماء إلى جماعة دينية يمنح الشخص فورًا الإحساس بالانتماء للمجتمع. أنت تلتقي زملاءك في الكنيسة أو المعبد، وتشعر بالرضا عن معتقداتك، حيث يعتنقها العديد من الآخرين. وينطبق ذلك على المؤمنين العلمانيين أيضًا. البشر هم حيوانات قبلية والقبائل تتحد حول رمز ما، سواءً كانت له قيمة أسطورية أو رمزية. كان هناك ميزة تطورية للانتماء إلى قبيلة، حيث إن ذلك يعزز فرص البقاء على قيد الحياة. وهناك ميزة اجتماعية للانتماء إلى قبيلة، حيث إن ذلك يمنح الشخص الشرعية. وبالنسبة للكثير من الناس، يبرر الإيمان الولاء للجماعة، ولكن الإحساس بالانتماء للمجتمع والقيم المشتركة، هو ما يدفعه.

ومع ذلك، هناك جانب آخر للإيمان، وهو جانب ذاتي بحت. كما صوره وليام جيمس في أنواع الخبرة الدينية، هناك شيء فريد من نوعه للفرد في جوهر التجربة الدينية الحقيقية، إحساس غريب بالانتماء للمجتمع بما يتجاوز حدود إنسانيتنا. وهناك الكثير مما يتعلق بالعالم أكثر مما يمكن رؤيته وقياسه، وهذه الميزات المخفية لا تقل أهمية بالنسبة لنا:

حياتك اللاوعية كلها، ودوافعك ومعتقداتك، واحتياجاتك، أعدت الأسس، التي يشعر وعيك الآن عبرها بثقل النتيجة، وشيء ما بداخلك يعرف تمامًا أن هذه النتيجة يجب أن تكون أكثر صدقًا من أي منطق نقاش عقلاني، قد يتعارض مع ذلك”.

وحتى لو انتقد الفيلسوف جورج سانتيانا وغيره جيمس على “تشجيع الخرافات”، لا يمكن إنكار حقيقة واضحة وهي أن مدى المنطق محدود. يمتد نطاق العلوم في جميع جوانب العالم، ولكن انتشاره ليس غير محدود.

عند إثارة أينشتاين “الشعور الديني الكوني” لوصف علاقته الروحية غير التقليدية مع الطبيعة، كان يحاول التعبير عن هذا الشعور بعيد المنال الخاص بالانجذاب البشري الغامض نحو المجهول. ولعله من المدهش للكثيرين – وخاصة أولئك الذين لا يفهمون ما يدفع الناس إلى العلم، ووجود نظرة نمطية للعلماء على أنهم مفكرون بلا مشاعر- أن التعامل مع جوانب غير معروفة من الطبيعة عن طريق العلم هو جانب روحي عميق.
وحتى العلماء العلمانيين أثناء استخدامهم الأبحاث للكشف عن المجهول، يمارسون هذه العقيدة، فيوفون بالحاجة العميقة لدينا لفهم تاريخنا عبر رؤية جديدة، بغية توسيع فهمنا للواقع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد