نصحت أديتي سوبرامانيام، الحاصلة على دكتوراه في علم الأعصاب، في مقال لها نشرته مجلة «سايكولوجي توداي»، بألا ندع الخوف يسيطر علينا، وذكرت تجربتها في علاج الخوف الذي كان يصيبها، باتباع نهج أكثر منطقية واعتمادًا على الإحصائيات.

في مستهل مقالها، اقتبست أديتي جملة ذُكرت في الكتاب الثالث من سلسلة هاري بوتر، حين خاطبه أستاذه قائلًا: «ما تخشاه أكثر من أي شيء هو الخوف. يالك من حكيم للغاية يا هاري».

وتابعت: «لو صدق أستاذ بوتر وفرانكلين روزفلت (رئيس الولايات المتحدة الأسبق)، الذي قال شيئًا مشابهًا من قبل، فأنا شخص حكيم للغاية حقًّا. لأنني لا أخشى أكثر من نقل مخاوفي إلى ابنتي، التي يقارب عمرها العامين الآن، ولا تكاد تشعر بأي مخاوف على الإطلاق».

وأوضحت الكاتبة أن هناك حاجة إلى قدر من الخوف لبقائنا على قيد الحياة، ولكن حتى معظم هذه المخاوف الأساسية قد لا تُكتسب إلا في مراحل حياتية متأخرة قليلًا، وبمراقبة السلوكيات التي توحي بالخوف لدى البالغين.

مترجم: سياسات الخوف.. كيف استحوذ الخوف علينا وأصبح أداة للتلاعب بنا؟

مخاوف فطرية

وجد العلماء أن نوعين من المخاوف يولدان داخل البشر، هما الخوف من السقوط والخوف من الضوضاء الشديدة. إذ يتردد الأطفال الرضع حتى عمر ستة أشهر ولا يزحفون على سطح يبدو منحدرًا.

هذا التطور المبكر لتصور العمق وتجنب «الهاوية» في البشر والحيوانات الأخرى يمكن أن يكون مؤشرًا على وجود خوف فطري من المرتفعات، كما هو الخوف من الضوضاء الشديدة.

Embed from Getty Images

«الاستجابة الإجفالية للصوت» هو سلوك تكيُّفي يحدث استجابةً للضوضاء الصاخبة، ويساعد على حماية الحيوانات من التهديدات أو الهجمات المحتملة. وتتسبب «الاستجابة الإجفالية للصوت» في تصلب الأطراف والجسم لفترة قصيرة من الزمن، قبل أن يتمكن الحيوان من المضي قدمًا للقتال أو الفرار.

تقول الدكتورة أديتي إن ابنتها –التي تدعوها سام في المقال– لم يعجبها الضجيج المفاجئ لصافرة طنجرة الضغط منذ ولادتها. وكانت تُفزع وتبكي حتى تَعَلمنا الطهي بهدوء عندما تكون في مكان قريب أو نتأكد أنها بعيدة بما فيه الكفاية.

ما تزال سام تكره صوت الخلاط، لكنها الآن كبيرة بما يكفي لتعلم أنه في الحقيقة ليس تهديدًا. وعلى الرغم من ذلك، فهي ما تزال تبكي قليلًا عندما تسمع صوت الضوضاء، لكنها قادرة على إقناع نفسها بألا تقلق كثيرًا بشأنه.

تحاول سام أن تتخلل دموعها ابتسامة عندما نخبرها بأنه مجرد صوت الخلاط، وإن لم يكن هذا هو أعذب شيء في الوجود، فلا أعلم ما هو الأعذب. ولكن وراء كل هذه العذوبة الصريحة والخوف الضمني، هناك الكثير من الأشياء تحدث في عقلها الصغير للغاية.

يقع في عمق الدماغ البشري هيكل صغير على شكل حبة اللوز، يسمى اللوزة الدماغية، ويبدو أن اللوزة تلعب دورًا مهمًّا في تنسيق الاستجابة إلى الخوف.

وتشير دراسات الجهاز العصبي إلى أن التقييم اللاواعي للحافز (على سبيل المثال: الحافز المسبب للخوف) يبدأ قبل معالجته بوعي، ولهذا السبب، على سبيل المثال، ينبض قلبنا أسرع عندما نسمع طرقًا على النافذة في منتصف الليل، وبعد ذلك، بمجرد أن ندرك أن سبب الطرق كان غصن شجرة، يتلاشى الخوف.

ربما هذا هو ما يحدث في دماغ سام عندما «تخبر نفسها» بأنه يجب ألا تخشى الخلاط.

وتوضح الكاتبة: «يبدو أن اللوزة هي الجزء الذي يتدخل بين المناطق المعنية بالتعبير الجسدي عن المشاعر، والمناطق الموجودة في المخ التي تهتم بالشعور الواعي».

دور التطور في تشكيل مخاوفنا

وأوضحت أديتي أن الخوف له أساس تطوري، كما هو الحال مع كل المشاعر، ويبدو أن هناك بعض «المخاوف الطبيعية» –مثل الخوف من العناكب والثعابين– والتي على الرغم من أن الأطفال يتعلمونها من إشارات البالغين، فإن البشر يميلون لاكتسابها. فقد كان أسلافنا يخافون من التقاط الثعابين أو إيذائها، ومع مرور الوقت، تطورت سمات نظامنا البصري التي ساعدتنا على اكتشاف الثعابين.

لقد ثبت أن نظامنا البصري الرئيسي يستجيب استجابة انتقائية لأنماط الفسيفساء التي عادة ما تكون نادرة في الطبيعة، ولكنها شائعة على جلود الثعابين. ومن المخاوف الأخرى التي يبدو أنها ناتجة عن الانتقاء الطبيعي: الخوف من الأشياء المدببة، ورقع النمر الرقطاء.

وأضافت أديتي: «لا أعرف السباحة، وبالتالي لدي خوف بسيط من الماء. لذلك عندما ذهبت مع سام إلى درس السباحة الأول، كنت قلقة بعض الشيء من أن يصبح خوفي واضحًا. وبالطبع، لم يكن لدي سبب للخوف من أي شيء؛ لأن حمام السباحة كان بعمق خمسة أقدام فقط! أردت فقط أن أبدو مرتاحة تمامًا في الماء حتى ترى سام ذلك وتشعر بالراحة. اكتشفت في وقت قريب بما فيه الكفاية أنني لست بحاجة إلى القلق بشأن كل ذلك».

وتابعت: «سبحت سام في الماء مثل السمكة. وكل ما كان علي فعله هو ألا أدمر حبها الفطري للماء، من خلال إظهار سلوكيات من شأنها أن تخبرها أن تكره أو تخاف من الماء».

قدر بسيط من الخوف أفضل للبقاء أحياء

وعلى الجانب الآخر من كل هذا، فإن وجود قدر من الخوف (الذي قد لا يمتلكه الأطفال بسبب افتقارهم إلى المعرفة) ضروري للبقاء على قيد الحياة بالطبع. لا تعرف سام أن المياه يمكن أن تكون خطرة، وأن الناس قد يغرقون، إنها ليست في سن يمكن فيها تفسير ذلك لها.

نُظم درس السباحة للرضع تنظيمًا ممتازًا بحيث يستمتع الأطفال بالوجود في الماء مع تقديم بعض تقنيات الأمان أيضًا. ولكن مدرب السباحة حرص على التأكد من غرس الكمية اللازمة من الخوف عند الأطفال، بجعلهم يجلسون على الحافة، وينتظرون من آبائهم إخبارهم بأن المياه آمنة.

علاج الخوف

وأشارت الكاتبة إلى أن نقص المعرفة قد يكون أمرًا خطيرًا تمامًا عند البالغين؛ فمعظم مخاوفنا ليست ضرورية، وأحيانًا تعرقلنا، ولا أساس لها في الغالب.

وأضافت أنها كانت بعد أن تقرأ أو تشاهد شيئًا مقلقًا في الأخبار، تشعر بالخوف قليلًا من أن يحدث شيء مشابه لها لفترة طويلة. ليس بطريقة واضحة، ولكنها تفزع أكثر عند حدوث ضجيج، وتخاف قليلًا من المشي في غرفة مظلمة، أو من الذهاب إلى الأماكن المزدحمة.. إلخ.

Embed from Getty Images

ما يحدث في الدماغ عندما يُذعر الناس هو أن الاستجابة اللا إرادية للخوف تعرقل المعالجة الواعية له، ولم يتغير هذا إلا عندما بدأت الكاتبة في اتباع نهج أكثر إحصائية ومنطقية لمخاوفها.

بالإضافة إلى الاعتراف باللامنطقية المتأصلة في افتراض وجود علاقة قوية بين ما حدث في الأخبار، وما يحدث في الحياة، بدأت أديتي تسأل نفسها سؤالًا بسيطًا: ما احتمال حدوث شيء تخشين حدوثه فعليًّا؟ وفي أكثر الأحيان، كانت الإجابة تحمل احتمالات صغيرة للغاية. هل سأقضي حياتي حقًّا خائفة من أشياء فرص حدوثها ضئيلة جدًّا؟

وأوضحت أن ما تفعله في أثناء طرح هذه الأسئلة على نفسها هو إجبار المناطق الأكثر وعيًا في الدماغ (أجزاء من القشرة الدماغية) على السيطرة.

بالإضافة إلى تسليح أنفسنا بمزيد من المعرفة حول الأشياء التي نخافها، كيف نتخلص من الخوف منها؟ (بافتراض هنا أن الشخص الذي يقرأ هذا ليس لديه اضطرابات مرتبطة بالخوف مثل القلق أو اضطرابات ما بعد الصدمة، والتي تتطلب مساعدة مهنية).

تجيب أديتي بأن التعرض العلمي والمستمر لكل ما نخشاه هو الخدعة، إلا إذا أتلفنا اللوزة الدماغية، الأمر الذي يبدو خطيرًا إلى حد ما. وتشير إلى إحدى التجارب، حين كان خوف الفئران من صوت ما يقترن بتعرضهم لصدمة كهربائية صغيرة، ولكن مخاوفها تلاشت عندما شغل العلماء الصوت بشكل متكرر دون ربطه بالصدمة الكهربائية.

يخلق «علاج انقراض الخوف» ذكريات تتشكل في اللوزة، لكن تُنقل لاحقًا إلى مراكز المعالجة العليا للدماغ (وتحديدًا القشرة أمام الجبهية) لتُخزَن، وذكريات انقراض الخوف المُخزنة في القشرة أمام الجبهية هي التي تتغلب على ذكريات الخوف في اللوزة في حالة نجاح «علاج انقراض الخوف».

ما يحدث أساسًا هو أن المخ يخبر نفسه: «لقد كنت أعرّض نفسي لهذا المُحفّز المخيف مرارًا وتكرارًا ولم يحدث لي شيء، لذلك ربما لا يوجد شيء أخافه؛ فلماذا أضيع مواردي العصبية الأساسية على شيء لا يستحق الوقت والجهد؟».

وتختتم  أديتي مقالها بالقول: «ستكبر ابنتي قريبًا بدرجة كافية ولديها مجموعة من المخاوف الخاصة بها. إذا زودتها أنا وزوجي بالموارد اللازمة لتكون قادرة على الصمود والتغلب على مخاوفها من تلقاء نفسها، وعلمتها أن الخوف هو الشيء الوحيد الذي يجب الخوف منه، فربما نكون قد أدينا عملنا».

هل يحكم الخوف والقلق حياتك؟ 9 نصائح فعالة لبناء عادات الشجاعة والجرأة بداخلك

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد