وعدت مجموعة من 7 دول خلال الصيف الماضي بالقيام بـ”أعمال ضرورية وفعالة” للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. ما هي هذه الأعمال؟ يتطلّع الناشطون إلى أجوبة من قمة الأمم المتحدة للمناخ التي تنعقد في باريس لكنهم بدلًا من ذلك يجب أن ينتظروا أجوبة من واشنطن اليوم.

سيكون العمل الوحيد الأكثر أهمية لنا هو إضعاف سياسة الطاقة الذرية التي تجمد تطور تقنياتنا مع مرور الزمن. إذا كنا جادين في استبدال الوقود الأحفوري فسنحتاج إلى الطاقة الذرية ولذلك الخيار سيصبح صعبًا: إما أن نستطيع ببساطة الاستمرار في الحديث عن عالم خالٍ من الكربون، وإما أن نقوم ببناء عالم خالٍ من الكربون.

نعلم أصلًا أن مصادر الطاقة الآن غير قادرة على المساعدة في بناء المستقبل الذي نريده ويتجلى هذا بوضوح في الدول الفقيرة حيث تحلم المليارات من البشر بالحصول على معيشة مشابهة لمعيشة الأمريكان. أسهل طريقة لتحقيق هذه الأحلام يكون في حرق المزيد من الفحم. قامت الصين خلال العقد الماضي بزيادة الطاقة الاستيعابية لحرق الفحم أكثر مما قامت به الولايات المتحدة في تاريخها. مع أن المواطنين العاديين من الصينيين والهنود يستخدمون أقل من 30% من الكهرباء التي يستهلكها الأمريكيون لكنهم يستنشقون هواءً ملوثًا أكثر من الأمريكيين. يستحقون خيارًا ثالثًا غير الجوع المتفشي أو الهواء الملوث.

يقلق اليسار في أمريكا أكثر بسبب الانبعاثات الثاني أكسيد كربونية المُقدرة بخمسة مليارات طن مكعب سنويًّا وأضرارها على مناخ الأرض. بالنسبة لليمين فحتى من يشككون في الآثار البيئية للوقود الأحفوري فهم لا يستطيعون إنكار دورهم في التلقبات الاقتصادية. لقد رأينا هذا في 2008 عندما ارتفعت أسعار النفط إلى أرقام قياسية يقابلها أزمة مالية لم تحدث من قبل.

كانت الحاجة إلى بدائل لمصادر الطاقة الحالية واضحة من قبل لدى المستثمرين منذ عقدٍ مضى ولذلك فقد كانوا يضخون الأموال لدعم التقنية النظيفة في بدايات العقد الماضي (2000). ومع توفر المال إلا أن التقنية النظيفة لم تنجح، فقد كانت النتجية حدوث سلسلة من الإفلاسات إضافة إلى فضيحة Solyndra (أفلست الشركة المصنعة لألواح الطاقة الشمسية في كاليفورنيا في 2011 بعد الحصول على ضمانات فيدرالية بمئات الملايين من الدولارات). تُنتج الرياح والطاقة الشمسية سويًا أقل من 2% من احتياجات العالم، وهما أيضًا لا يتقدمان تقدمًا سريعًا وكافيًا ليحلان محل الوقود الأحفوري.

الغريب في هذه المحاولة الفاشلة لتنمية الطاقة المتجددة هو أننا كنا نملك خطة عملية في بداية الستينات تهدف إلى التخلص تمامًا من انبعاثات الكربون دون الحاجة إلى الرياح أو الطاقة الشمسية، هذه الخطة تتمثل في الطاقة النووية. لكن بعد عدة سنوات من المعاناة بسبب الصعوبات المالية والتقنية، وبسبب ذلك الحادث الغريب الذي حدث في جزيرة Three Mile، وبسبب عرض هوليوود لأحد أفلام الرعب في 1979 “The China Syndrome”، فقد ألغيت خطط بناء مئات من المفاعلات النووية. لو حدث فعلًا واستمرينا في بناء تلك المفاعلات فستكون شبكة الطاقة لدينا خالية من الانبعاثات الكربونية.

ذهبنا بدلًا من ذلك في الاتجاه المعاكس. في عام 1984 حُوِّلَ مُفاعل William H. Zimmer النووي فجأةً إلى منشأة لحرق الفحم. هذا نموذج بسيط لعودة الدولة إلى الكربون.

بدت كارثة فوكوشيما في عام 2011 وكأنها تؤكد المخاوف السابقة. قُتل حوالي 16 ألفًا بسبب زلزال Tohoku وكارثة تسونامي لكن لم يُقتل أحد في اليابان بسبب الإشعاع، وفي عام 2013 توقع باحثو الأمم المتحدة “عدم ظهور آثار صحية ناتجة عن الحادثة الإشعاعية”.

يُشير النقاد دائمًا إلى حادثة تشيرنوبل التي حدثت في الاتحاد السوفيتي، وهي بذاتها مؤشر مخيف على مخاطر الطاقة النووية لكن ذلك الحادث كان نتيجة مباشرة لسببين: أحدهما هو عيب في التصميم، والآخر هو النقص في كفاءة المُشغلين. أُبلِغ عن وفاة أقل من خمسين شخصًا في تشيرنوبل. وفي المقابل تُقدِّر جمعية سرطان الرئة الأمريكية بأن هناك 13 ألف حالة وفاة سنوية ناتجة عن استنشاق دخان معامل الطاقة الناتجة عن حرق الفحم.

ظهرت حديثًا مخاوف من آثار مناخية ناتجة عن الطاقة النووية. بينما تبدو آثار الأدخنة الناتجة عن حرق الفحم أعظم بكثير من آثار الإشعاعات، فمن المتوقع أن يكون الاحتباس الحراري أسوأ بكثير من كونه مجرد تلوثٍ بسيط. المشكلة كبيرة إلى درجة أن أبرز مختصي البيئة أعلنوا هزيمتهم.

لكن لم يعجز الجميع. بينما يُعد السياسيون صفقات ضخمة تحدد مستويات الانبعاثات والتي من المرشح أن السياسيين الذين سيخلفونهم لن يرضخوا لها، فقد قام جيل جديد من علماء الطاقة النووية الأمريكيين بتصميم مفاعلات جديدة أفضل من سابقاتها. هذه التصاميم الجديدة ستُزيح أخيرًا أكبر عقبات نجاح الطاقة النووية وهي التكلفة العالية. جذبت التصاميم التي تستخدم الملح المُذاب والوقود البديل والمفاعلات ذوات الوحدات المصغرة الاهتمام ليس من الأكاديميين فقط، بل حتى رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال (وأنا واحدٌ من هؤلاء المهتمين المستعدين للاستثمار في الطاقة النووية).

لن تستطيع هذه التصاميم الجديدة رغم ذلك إفادة العالم دون موافقة الجهات الرقابية. القوانين الحالية مُصممة للمُفاعلات التقليدية؛ مما يجعل تسويق تلك التصاميم مهمة شبه مستحيلة.

لقد تمكنا لحسن الحظ من حل هذه المشكلة من قبل. في عام 1949، أنشأت الحكومة الفيدرالية منشأة للتجارب في معمل إيداهو الوطني لدراسة وتقييم تصاميم جديدة للمفاعلات نووية. نحن ندين صناعة طاقتنا النووية الآن إلى حكمة هؤلاء التجار الجدد، ونحتاج إلى انفتاحهم على الابتكار وتقلبهم له من جديد.

قدم مجلس النواب في بداية العام مشروع قانون لإعادة دمج المعامل الوطنية، واستضاف البيت الأبيض قمة لدعم الطاقة النووية. رغم ذلك وقد انتهت الخطابات الآن فما زلنا نعاني من عدم وجود خطة للدعم المالي وخارطة طريق لتلك المفاعلات الجديدة التي نحتاجها بشدة الآن.

المخاوف اليمينية للحكومة واليسارية للتكنلوجيا عطلت سياستنا للطاقة النووية، لكن يملك الليبراليون ميزان القوى في هذه الأزمة. قال الرئيس أوباما أثناء حديثه عن التغير المناخي في 2013 إن أحفادنا سيسألون إذا ما “قد فعلنا كل ما نستطيعه عندما كانت لدينا الفرصة للتعامل مع هذه المشكلة”.

إلى الآن ستكون الإجابة: لا، إلا إذا انتهزنا هذه اللحظة. سيكون دعم الطاقة النووية بطرق أفضل من الكلمات هو الاختبار الحقيقي لجدية التعامل مع التغير المناخي. وكما فعلها نيكسون وذهب إلى الصين فإن أوباما وحده هو القادر على هذا الأمر وهو قادر. إذا مهد هذا الرئيس الطريق لعصر ذرّي جديد فسيكون العلماء الأميركان جاهزين لبنائه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد