الأنظمة الديكتاتورية الجديدة، والتي تتسم بالحكم الفردي وعن العوامل التي تساعد على استمرارها، مشددين على خطورة استمرار تلك الأنظمة.

نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية تقريرًا من إعداد أندريا كِندَل تايلور، مسئولة الشئون الروسية والأوروبية والآسيوية في مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، وإيريكا فرانتز، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة ولاية ميتشجن، وجوزيف رايت، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة ولاية بنسلفانيا، تحدثوا فيه عن الأنظمة الديكتاتورية الجديدة، والتي تتسم بالحكم الفردي وعن العوامل التي تساعد على استمرارها، مشددين على خطورة استمرار تلك الأنظمة.

ذكر التقرير أنه دائمًا ما تجد كل ما يتعلق بالشخصيات القوية منتشرًا بشكلٍ كبير، فعلى سبيل المثال، تغطي وسائل الإعلام كل شيء يخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من آخر قراراته فيما يخص سوريا وأوكرانيا، إلى التغييرات المفاجئة التي يجريها بشكل متكرر داخل دائرة المقربين منه في الكرملين. وفي الوقت ذاته، حصلت حملة التطهير السياسي التي يجريها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة على اهتمامٍ متواصل. وحتى في الصين، وصفت وسائل الإعلام الرئيس شي جين بينج بـ«رئيس كل شيء»؛ مما يعكس تزايد سلطته ونفوذه بشكل يفوق أي زعيم صيني منذ ماو تسي تونج.

بالنظر لهذه الأمثلة، يتضح أمرٌ مثيرٌ للقلق للغاية، وهو أن الأنظمة التي تعتمد على شخص واحد اعتمادًا كبيرًا تأتي في مقدمة الأنظمة السياسية في جميع أنحاء العالم، بحسب ما ذكره التقرير.

يشير التقرير إلى أن الميل إلى «الشخصانية» أو الفردية يزداد في جميع أنحاء العالم، ويبدو هذا الاتجاه أكثر وضوحًا في الأنظمة الاستبدادية. وقد أفادت البيانات أن الأنظمة الديكتاتورية الشخصانية -التي تتركز فيها السلطة بشكل كبير في يديّ فرد واحد- قد ازدادت ازديادًا ملحوظًا منذ نهاية الحرب الباردة. في عام 1988، كانت الأنظمة الشخصانية تمثل 23% من جميع الأنظمة الديكتاتورية، أما الآن فهي تمثل 40%.

من السهل الافتراض بأن جميع الأنظمة الاستبدادية يسيطر عليها شخص واحد، وستجد الزعيم الليبي معمر القذافي، وجوزيف موبوتو الرئيس الأسبق لزائير مثالين قويين على ذلك. لكن الواقع يختلف عن ذلك، فمنذ الحرب العالمية الثانية ومعظم الأنظمة الديكتاتورية لم يكن يحكمها أفراد أقوياء، بل أحزاب سياسية قوية، مثل الحزب الثوري المؤسساتي في المكسيك، أو مجالس عسكرية كما حدث في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. لكن منذ نهاية الحرب الباردة (عام 1991)، تطورت السياسات الاستبدادية، وبمرور الوقت أصبحت الأنظمة الديكتاتورية الشخصانية هي الصورة السائدة للأنظمة الاستبدادية.

نتائج أسوأ

1

وتشير مجموعة من الأبحاث في العلوم السياسية إلى أن الأنظمة الديكتاتورية الشخصانية تأتي بأسوأ النتائج في أي نظام سياسي، فعادةً ما تتبع سياسات خارجية أكثر خطورة وعدوانية، كما أنهم أكثر استثمارًا في الأسلحة النووية، وأكثر ميلًا لخوض الحروب ضد الديمقراطية، وأكبر احتمالًا لبدء صراعات بين الدول. وبسبب انعدام المساءلة، فإن حكام هذه الأنظمة يكونون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تحمل مخاطر كبيرة، لا يستطيع الحكام الآخرون اتخاذها، والأمثلة على ذلك تضم الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ورئيس أوغندا السابق عيدي أمين، ورئيس كوريا الشمالية كيم يونج أون.

وأشار التقرير إلى روسيا كمثال يوضح العلاقة بين الفردية المتزايدة، والعدوان. فعلى الرغم من أن أعمال بوتين في شبه جزيرة القرم وسوريا تهدف إلى تحقيق عددٍ من الأهداف الروسية الرئيسية، من المرجح أن عدم وجود أية قيود على المستوى المحلي زاد من جرأة بوتين في القيام بإجراءات تنطوي على خطورة أكبر خلال تحقيقه تلك الأهداف. بحسب التقرير، فإن سيطرة بوتين المشددة على وسائل الإعلام تضمن أن الرأي العام لن يتلقى سوى الرواية الرسمية للأحداث الخارجية، كما أنه من الصعب على الروس الوصول إلى آراء غير متحيزة لما يجري في باقي دول العالم، وذلك بسبب تقييد فرص الحصول على معلومات خارجية، وبالتالي يصعب قياس أداء بوتين خارجيًّا. وقد قام بوتين بالقضاء على الأصوات المنافسة داخل نظامه الحاكم، وبذلك يضمن أنه سيواجه الحد الأدنى من المحاسبة عن سياساته الخارجية.

تتشابه السياسة الصينية مع ذلك إلى حدٍّ كبير، من حيث عدوانية الرئيس شي جين بينج فيما يخص بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى «شخصنة» النظام السياسي بشكلٍ متزايد. إذا استطاع الرئيس الصيني تأكيد سيطرته، والحد من مساءلته حول المؤسسات العسكرية، والسياسة الخارجية، فإنه -وفقًا للأبحاث- من الممكن أن يصبح أكثر عدوانية في تصريحاته وقراراته بشأن بحر الصين الجنوبي.

وأوضح التقرير أن قادة الديكتاتوريات الشخصانية لا يقتصرون على اتباع سياسات خارجية عدوانية فحسب؛ بل إنهم أفعالهم غير متوقعة أيضًا مع حلفائهم. وأكدت الأبحاث أن هؤلاء الأفراد يتبعون سياسات متقلبة وغير منتظمة تبعًا لأهوائهم، ويرجع السبب في ذلك أيضًا إلى حريتهم في اتخاذ القرار، بسبب غياب المساءلة. عادةً ما يكون القادة المستبدون، مثل الرئيس الروسي بوتين، والرئيس البوليفي إيفو موراليس، والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أكثر تشككًا في نوايا الولايات المتحدة، إذ إن خلق عدو خارجي يعتبر وسيلة فعالة للحصول على تأييدٍ شعبي لسياساتهم.

وذكر التقرير أيضًا أن الأنظمة الشخصانية هي الأكثر فسادًا، والأقل احتمالًا لإحلال الديمقراطية. تعتمد الديكتاتوريات الشخصانية على توزيع حوافز مالية من أجل الحفاظ على السلطة، لذلك قادة هذه الأنظمة يكونون أكثر تبديدًا للمساعدات الخارجية التي يتلقونها. على سبيل المثال، كل من فرديناند ماركوس رئيس جمهورية الفلبين السابق، وموبوتو رئيس زائير السابق قام بسرقة 5 مليارات دولار خلال فترة حكمه. أفاد التقرير أيضًا أن هؤلاء القادة يميلون لتفكيك المؤسسات، وإقصاء الكفاءات؛ خوفًا من أن يهددوا سلطتهم. وتعتبر الأنظمة الشخصانية نذير شؤم على الديمقراطية، فحتّى عند انهيار تلك الأنظمة كثيرًا ما يحل محلها أنظمة ديكتاتورية أخرى، كما في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد موبوتو، أو دول فاشلة كما في الصومال منذ فترة حكم سياد بري.

ظاهرة مستمرة

يشير التقرير إلى أن الاتجاه نحو الحكم الفردي من المرجح أن يستمر، بالنظر إلى غياب الأمن والاستقرار، وازدياد الاضطرابات العالمية، والتي من المتوقع أن تستمر لفترة من عشر إلى عشرين سنة قادمة؛ بسبب تزايد مستوى العنف، والتفاوت الاقتصادي، والاستقطاب. تشير الأبحاث إلى أن أنه مع ازدياد مخاوف الأفراد من التغيير، ومن التهديدات الخارجية، يزداد تفضيلهم للقادة الأقوياء المستعدين لاستخدام القوة من أجل الحفاظ على النظام.

لا يعتبر الحكم الفردي ظاهرةً جديدةً، فقد كان متواجدًا على مدار التاريخ منذ حكم الفراعنة، وصولًا إلى ملوك أوروبا، لكنها أخذت في الازدياد في الفترة الأخيرة. وبحسب التقرير، فإنه لا توجد حلول سهلة للمشكلات الناتجة عن الحكم الفردي، لكن فهم المسئولين عن السياسة الخارجية هذه الظاهرة فهمًا أفضل، هو أمر ضروري.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد