الاحتلال يُدمّر مجتمعنا أيضا

 

عندما كنت جنديًا في جيش الدفاع الإسرائيلى قبل 27 عامًا خلال الانتفاضة الأولى في غزة، كنا نقوم باقتحام المدن والقرى ومخيمات اللاجئين لنواجه الشباب الغاضب الذي يلقي علينا الحجارة وقد كنا نرد باستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي. أما الآن فتبدو تلك الأيام القديمة وكأنها جديدة.

منذ ذلك الحين، شهد الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين تحولا، حيث استبدلت الحجارة بالبنادق والهجمات الانتحارية ثم الصواريخ والميليشيات المدرّبة. وفي الشهر الماضى، ظهرت السكاكين والمفكات وغيرها من الأسلحة البدائية. وقد نجحت تلك الجهود المنخفضة التقنية بشكل مروع في إسقاط ضحايا لا تتجاوز أعمارهم الثلاثة عشر عاما.

هناك الكثير من التفسيرات فيما يتعلق بطبيعة وتوقيت الموجة الأخيرة من الهجمات الفلسطينية، ولعلها تأتي كرد فعل يائس لانتخاب الحكومة الإسرائيلية ذات الميول العدوانية والتي تشجع المستوطنين المتطرفين لمهاجمة الفلسطينيين. وبصفتي مواطن إسرائيلي، أنا قلق جدا من أفعال المجتمع الإسرائيلي والتي تزداد ترويعا وقبحا مع كل لحظة.

إن النقاش الداخلى في إسرائيل قد أصبح أكثر تشددا، فقد أصبح متوعدًا متعصبًا أكثر من أي وقت مضى. لقد اتجه الحديث نحو الأصولية منذ بدء العملية الإسرائيلية في غزة في أواخر عام 2008 ، لكنة انتقل مؤخرا من مرحلة السيء إلى الأسوأ. ويبدو الآن أن هناك صوتا واحدا فقط مقبول تقوده الحكومة والناطقين باسمها حيث يتم بثه إلى جميع أنحاء الدولة من خلال وسائل الإعلام لتغرق الآخرين.

أما هؤلاء المنشقين القلائل الذين يحاولون التعارض سواء من خلال طرح الاسئلة أو الاحتجاج ليمثلوا لونًا مختلفًا لهذا الإجماع المصطنع ففي أحسن الأحوال يكونون محل سخرية أما في أسوأ الأحوال فيتم تهديدهم  وذمهم ومهاجمتهم جسديا، حيث إن الإسرائيليين الذين لا يقومون بدعم قواتنا يتم اعتبارهم خونة كما أن الصحف التي تطرح الاسئلة حول السياسات والإجراءات الحكومية يتم اتهامها بمحاولة إضعاف المعنويات.

منذ بداية الحرب على غزة العام الماضي، وقعت العديد من أعمال العنف ضد اليساريين بجانب الهجمات التي تستهدف الفلسطينيين، حيث تم الاعتداء على المتظاهرين اليساريين في المظاهرات المناهضة للحرب في تل أبيب وحيفا في الصيف الماضي، وتم اتهام الصحافي اليساري بجريدة هآرتس جدعون ليفي بالخيانة من قبل عضو كنيست، وهي جريمة عقوبتها الإعدام في وقت الحرب، كما فقدت الممثلة الكوميدية أورنا بناي وظيفتها في حملة دعائية بعد أن أجرت مقابلة عبرت فيها عن رعبها من الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. وفي هذا الشهر، هاجم بعض الأشخاص في عفولا مراسلا عربيا لشبكة التلفزيون الإسرائيلي وطاقمه اليهودي وهم يقدمون تقريرا عن حادثة طعن.

كما أن هناك مشروع قانون في الكنيست الإسرائيلي يحث الشرطة على طرد الزائرين لإسرائيل الذين دعموا حملة مقاطعة الشركات التي تقوم بالربح من خلال الاحتلال. وخلال يوم الجمعة قام مستوطن يهودي ملثم بمهاجمة رئيس حاخامات جماعة يسارية لحقوق الإنسان في مزرعة زيتون فلسطينية في الضفة الغربية.

أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فالهجوم بلا هوادة؛ حيث اختفت المجاملات وأطلت الكراهية بوجهها القبيح  وظهرت صفحات الفيسبوك التي تدعو إلى العنف ضد اليساريين والعرب بشكل متكرر، وحتى إذا تم وقفها فتعاود بالظهور تحت مسمى آخر. إن أيًا من تلك المشاعر لا يتماشى إطلاقا مع الإجماع المفترض حول النقد العنصري اللاذع؛ فقد ناقشت إحدى صفحات الفيسبوك كيفية تعطيل حفل زفاف بين عربي ويهودي، حيث يتم إرسال رقم هاتف العريس وحث الأشخاص على الاتصال به ومضايقته. أما على تويتر وانستجرام فهناك العديد من الهاشتاج المنتشر مثل

#traitorlefties و#leftiesout

أما المخرجة السينمائية شيرا جيفن، التي طلبت من الجمهور أن يصمت للحظة احترامًا للأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في الهجوم الإسرائيلى، فلم تسلم من الانتقاد على شبكات التواصل الاجتماعي. كما تعرضت الممثلة إينات فايتسمان للعديد من التعليقات الحادة بعد ظهورها في المسرحية الجديدة الرائعة  “العار” بعد أن ارتدت تي شيرت عليه صورة العلم الفلسطيني. وهذا جزء من المسرحية: ” إذا كان الطفل الذي قُتِلَ يخصك، فأنا أتساءل أي علم سوف تضعه على نفسك! الآن ارحل وخذ معك رأسك القبيح لمسكنك الصغير، وادفن نفسك من العار حتى تموت وحيدًا، ربما نطلب في جنازتك واحدا من الجهاد لقراءة بعض الآيات القرآنية عليك”.

وفي الجولة الأخيرة من القتال، ارتفع مستوى الصوت فلا يزال هناك حز آخر، وفي حين تستمر هجمات السكاكين أجلس مع عائلتي في أوماها حيث أقوم بالتدريس للفصل الدراسي الحالي، وما أقرؤه وأسمعه من إسرائيل يجعلني مفزوعا. فمرة أخرى السياسيين اليمينيين (بدعم محير من المعارضة المفترضة، مثل يائير لابيد)، ثم بالتعميم من خلال وسائل الإعلام الرئيسية وعلى سبيل الإثارة، هناك تشويه موحد لصورة الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين.

ففي إحدى استطلاعات الرأى الحديثة التى أجرتها جريدة معاريف، أظهرت أن 19% فقط من اليهود الإسرائيليين هم الذين يعتقدون أن أغلب العرب يعارضون الهجمات، وقد وصل هذا الاتجاه ذروته السخيفة عندما ادعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الادعاء المثير للسخرية بأن هتلر قرر إبادة اليهود بعد أن نصحة بذلك مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، زعيم العرب الفلسطينيين في ذلك الوقت وقد امتلأ تويتر الإسرائيلي بالنكات حول  الخطاب وقد تم تداول الصورالساخرة كنوع من السخرية، حتى من مؤيدي نتنياهو.

وكانت هناك العديد من الدعوات لقتل المهاجمين في أي موقف في تحدٍ للقانون وكل القواعد المقبولة لانخراط الجيش. فعلى سبيل المثال قال لابيد في مقابلة: “لا تتردد، حتى إن كان في بداية الهجوم، فإطلاق النار حتى القتل هو الصحيح. وإذا لوح شخص ما بسكين أطلق عليه النار.”، كما قدم وزير الأمن العام جلعاد أردان مباركته للفكرة، وقام موشيه إدري، رئيس شرطة القدس بالإعلان عن أن أي شخص سيقوم بطعن يهودى أو يقوم بإيذاء شخص بريء سيتم قتله. كما أرسل عضو الكنيست ينون مغال تغريدة له يدعو من خلالها السلطات بأن تبذل جهدًا لقتل الإرهابيين الذين ينفذون الهجمات.

لقد أدت مثل هذا المشاعر إلى عدة حوادث مثل وفاة فادي ألون في القدس الشرقية والذي اشتبه بمحاولته تنفيذ عملية طعن  وقتل برصاص الشرطة التي حاصرته. وفي بعض الأحيان تأتي النتائج معاكسة، حيث تم طعن يهودي إسرائيلى بالقرب من حيفا في الشهر الحالي على يد زملائه اعتقادا منهم أنه عربي، كما قتل في مساء الأربعاء السابق يهودي إسرائيلي آخر على يد جنود إسرائيليين ظنًا منهم أنه مهاجم عربي.

أما في ليلة الأحد الماضية، تم إعدام  طالب اللجوء الإريتري هافتوم زرهوم البالغ من العمر 29 عاما خارج نطاق القانون، حيث اعتقد خطأ أنه مرتكب الهجوم الإرهابى في بئر سبع، وقد تم إطلاق النار عليه ثم ضرب حتى الموت من قبل حشد من المارة في استجابة للتحريض من السياسيين لقتله انتقامًا منه.

إن التعصب المتزايد والغليان واللهجة العنصرية في الحوار الإسرائيلي ماهي إلا نتيجة ل 48 عامًا من الاحتلال لشعب آخر، الإسرائيليين تلقوا رسالة، أو على الأقل قاموا بفهمها على هذا النحو، بأننا متفوقون على غيرنا، بأننا نتحكم في مصير هؤلاء الآخرين الأدنى منا، وبأنه يحق لنا تجاهل القوانين وأي مفاهيم أساسية للأخلاق الإنسانية فيما يتعلق بالفلسطينيين.

إن الأثر التراكمي لهذا العنف الطائش يبعث على الانزعاج بشكل خطير، ويبدو أننا في دوامة هبوط تنذر بالخطر نحو الهمجية والمجتمع غير القابل للإصلاح.

يوجد طريقة واحدة فقط للرد على ما يحدث في إسرائيل اليوم، يجب علينا نوقف الاحتلال، ليس للسلام مع الفلسطينيين أو من أجلهم –رغم أنهم بالتأكيد قد عانوا على أيدينا لفترة طويلة– وليس لبعض الرؤى المثالية لمنطقة الشرق الأوسط، تلك الحجج لن تنتهي أبدًا لأن أيًا من الطرفين لن يتزحزح عن موقفه أو حتى يثبت خطأه، لا، يجب أن نوقف الاحتلال من أجل أنفسنا، بحيث يمكننا أن ننظر لأنفسنا في العيون، وحتى يمكننا أن نطلب الدعم من العالم بشكل شرعي، ونحصل عليه. حتى نتمكن من العودة لإنسانيتنا.

مهما كانت العواقب، ألا انها لا يمكن أن تكون أسوأ مما نتصارع معه الآن. لا يهم كم عدد الجنود الذين نضعم في الضفة الغربية، أو كم عدد منازل الإرهابيين التي نفجرها، أو كم عدد رماة حجارة نعتقل، فليس لدينا أي شعور بالأمن، وفي نفس الوقت أصبحنا منعزلين دبلوماسيًا، ينظر إلينا في كل أنحاء العالم –أحيانا بشكل صحيح– كجلادين، كاذبين، عنصريين.

لطالما استمر الاحتلال، فنحن الطرف الأقوى، فندعو لإطلاق النار، لكننا نستطيع أن نستمر في إلقاء اللوم على الآخرين … من أجلنا، من أجل سلامتنا العقلية، يجب أن نتوقف الآن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات