يشكّل مستقبل البرنامج النووي الإيراني أكبرعلامة استفهام تخيّم على المفاوضات النهائية بين طهران والقوى العالمية هذا الأسبوع في فيينا. لكن هناك قضية أخرى مهمة تترتب على رفع العقوبات كجزء من الاتفاق النووي، وقد تحمل تداعيات لا يستهان بها على كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا ومنظمة الأوبك؛ وهي انطلاق قطاع الطاقة الإيراني الذي كان مكبّلًا طوال الفترة الماضية بسبب العقوبات.

فقد أدى احتمال رفع العقوبات، التي استهدفت قطاع الطاقة الإيراني وقلصت صادرات النفط بشكل حاد، إلى رفع الآمال بالداخل الإيراني، والمخاوف بالخارج، من عودة العملاق الفارسي – المنبوذ طويلًا – مرة أخرى مقتحمًا أسواق الطاقة العالمية. إذ يتخوف منتجو النفط داخل منظمة الأوبك ومثلهم منتجو النفط الأمريكيون من أن رفع العقوبات السريع قد يطلق العنان لإغراق السوق بالنفط الإيراني مما يدفع بالأسعار نحو مزيد من الانخفاض أكثر مما هي عليه بالفعل.

لكن، ربما يكون هناك جانب آخر لرفع العقوبات الإيرانية. فاقتصادات مثل الاقتصادات الأوروبية، التي باتت تبحث باستماتة عن مصادر جديدة لإمدادات الطاقة، ربما تتطلع لإطلاق إمكانات إيران الحقيقية خاصة في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي.

في الواقع، يرى العديد من المراقبين أن التأثير المحتمل على المدى القصير لتخفيف العقوبات – وهو تدفق النفط الإيراني في سوق متشبع بالفعل – من المرجح أن يحدث على المدى المتوسط، لأن الأمر سيستغرق حتى العام المقبل أو ربما أبعد للتحرر من قيود العقوبات المالية والمتعلقة بالطاقة والتعافي من آثارها.
وتبدو ثورة الطاقة الإيرانية التي يأملها الكثيرون، من شركات النفط العالمية مثل ” شيل” إلى التكنوقراطيين الأوروبيين المتطلعين لها كبديل لروسيا، كحلم بعيد المدى أكثر منه هدف متوسط المدى، فهي ستتطلب مليارات الدولارت من الاستثمارات وتغيير شامل في قطاع الطاقة الإيراني، إضافة إلى برنامج لبناء البنية التحتية – يتطلب جرأة ومجازفة إلى حد كبير – لربط حقول الغاز الإيراني بالأسواق العطشى على بُعد آلاف الأميال.

في هذا الصدد علق أندرياس غولدثو – الذي يدرس الجغرافيا السياسية للطاقة في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد – قائلًا: “عمومًا، تبدو آفاق ومستقبل الغاز والنفط الإيرانيين مثيرة للغاية، لكن لاتزال هناك علامات استفهام كبيرة عندما يتعلق الأمر بأساسيات قطاع الطاقة”.

يبدو من السهل إذًا أن نرى لماذا تتجه الأنظار إلى قطاع الطاقة الإيراني في نهاية الأمر عند الحديث عن المفاوضات النووية بين طهران والسداسية، فإيران تمتلك رابع أكبر احتياطي للنفط في العالم، إضافة إلى أكبراحتياطي من الغاز الطبيعي، وبذلك يصبحان – مجتمعَين – أكبراحتياطي للنفط والغاز في العالم، متجاوزة بذلك عمالقة السعودية وروسيا وحتى الولايات المتحدة. ببساطة، ليست هناك غنيمة أكبر من أن يفتح قطاع الطاقة الإيراني أبوابه مجددًا أمام الاستثمار الدولي.

وهذا يساعد في تفسير تنافس شركات النفط الكبرى على العودة إلى إيران، على الرغم من علاقات إيران العدائية مع جيرانها العرب وإسرائيل والغرب – واستمرار وضعها في القائمة السوداء وفرض عقوبات عليها – وعقود من القيود التي لاتشكّل أي عوامل جذب للمستثمرين الأجانب. وكانت الشركات العالمية مثل شيل، وبي وبي، وتوتال، وايني قد أعربت في أوائل يونيو عن رغبتها في ضخ الأموال في حقول النفط والغاز الإيرانية حالما يتم رفع العقوبات.

و أخبر رئيس “شيل” بلومبرج بعد اجتماعه مع مسؤولي الطاقة الإيرانيين في فيينا هذا الشهر أن إيران بلد رائع مع قاعدة موارد مميزة، وقد بدأت شل رحلتها إلى طهران بالفعل لإجراء محادثات تجارية، كذلك أعلن رئيس “توتال” ببساطة “إننا نحب إيران”. ويلاحظ أيضًا أن المسؤولين الإيرانيين أنفسهم باتوا يتوددون للشركات الأمريكية التي – وعلى عكس منافسيها الأوروبيين – نأت بنفسها عن إيران طوال الفترة الماضية.

و على الأرجح سيكون على إيران تخفيف الشروط والقيود على شركات النفط الكبرى من أجل الحصول على تلك الاستثمارات. فمنذ الخمسينات، كانت العلاقة متوترة بين إيران وشركات النفط الدولية وتزايدت حدتها في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979. أما اليوم، ومع إدراك الحاجة إلى جذب مليارات الدولارات والتكنولوجيا المتقدمة، يدرس المسؤولون الإيرانيون وضع شروط جديدة وأكثر جذبًا للاستثمارت فيما يتعلق بمشروعات النفط والغاز.

وقال غولدثو أن شركات النفط الدولية لم تتلق ترحيبًا حارًا في إيران من قبل، مضيفًا أنه “يبقى أن نرى ما إذا كانت إيران مستعدة بالفعل لتقديم عروض جذابة كفاية لبي بي وإكسون موبيل وشيل” أم ستتجه بدلًا من ذلك إلى الشركات الصينية والروسية.

أهم ما يشغل منتجي النفط الآخرين داخل الأوبك أو في الولايات المتحدة إذًا هو أن رفع العقوبات سيؤدي إلى طوفان من النفط الإيراني؛ فالبلاد لديها نحو 40 مليون برميل من النفط المخزّن في ناقلات ينتظر فقط من يشتريه فورًا. كما أعلن المسؤولون الإيرانيون عن احتمالية تكثيف إنتاج النفط وصادراته حالما ترفع الولايات المتحدة وأوروبا قيود التصدير، والتي خفضت صادرات النفط الخام الإيراني من 2.5 مليون برميل في عام 2012 إلى 1.1 مليون برميل يوميًا بعد فرض العقوبات.

لكن يبقى التساؤل حول الكيفية التي ستتمكن إيران بها من زيادة إنتاجها النفطي وصادراته بهذه السرعة، حيث يتحدث مسؤولون إيرانيون عن زيادة في الإنتاج تعادل حوالي مليون برميل يوميًا، وذلك في غضون أشهر، الأمر الذي يراه كثير من الخبراء مفرطًا في الطموح، فسنوات من العقوبات وتقليص الصادرات كبّلت قدرة البلاد على ضخ النفط، ناهيك عن بيعه.

وبشكل أكثر واقعية، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه يمكن لإيران – نظريًا – زيادة إنتاج النفط من 2.8 مليون برميل حاليًا إلى حوالي 3.5 برميل يوميًا “في غضون أشهر من رفع العقوبات”.

يثير احتمال وصول كميات جديدة من النفط الإيراني للسوق ودفع الأسعار للانخفاض توتر اللاعبين الكبار، ليس داخل الأوبك فقط التي تواجه مشاكلها الخاصة حاليًا، وتحاول علاج تضاؤل الإيرادات ونقص الميزانية، وإنما أيضًا لدى منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة الذي يقتضي عادة أسعار أعلى من أسعار المنتجين الكبار في أماكن أخرى، كمنتجي الشرق الأوسط على سبيل المثال، يفسر هذا لماذا تسبب الهبوط المفاجئ بنسبة 50% من أسعار النفط الخام الصيف الماضي في إثارة المخاوف بشأن حقول داكوتا وتكساس. كما أشارت أرقام إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وهو جهاز تابع لوزارة الطاقة، إلى أن التدفق الجديد للنفط الإيراني قد يدفع بأسعار النفط الخام للانخفاض بنسبة تترواح بين 5 دولارات إلى 15 دولارًا، ما قد يكون سبب أزمة كبيرة تعصف بمنصات النفط في الولايات المتحدة.

وكانت السناتور ليزا موركوفسكي – رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ – قد أصدرت هذا الأسبوع تقريرًا حذرت فيه من أن صادرات النفط الإيرانية الجديدة ستأتي على حساب المنتجين في الولايات المتحدة الذين يواجهون صعوبات بالفعل، كما أوصت بعدم رفع العقوبات عن إيران حتى يكون المنتجون الأمريكيون قادرين على تصدير النفط الخاص بهم إلى السوق العالمية، خاصة وأن صادراتهم بقيت في نطاق محدود للغاية منذ منع التصدير الذي فُرض بعد الحظر النفطي للأوبك عامي 1973-1974، وأضافت لفورين بوليسي، أنه بالإبقاء على حظر تصدير النفط الخام فإننا في الحقيقة نفرض العقوبات على منتجي النفط في الولايات المتحدة، ويجب تقديم تشريعات في الكونجرس من شأنها أن ترفع الحظر وتسمح ببيع النفط الخام الأمريكي في السوق العالمية، وقالت “هذه الفرصة الاقتصادية نقدمها لإيران على طبق من ذهب، بينما في الوقت نفسه نقيّد أنفسنا ونعاقب الاقتصاد الأمريكي”.

وبينما يترقب رجال النفط الأمريكيون والسعوديون بحذر النهضة الإيرانية المرتقبة، يتطلع لها آخرون كفرصة ثمينة، فأوروبا على سبيل المثال تحاول منذ سنوات خفض اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي بشكل رئيسي، والذي شكّل بالفعل مصدر قلق في عامي 2006 و2009 حين قطعت روسيا إمدادات الغاز أثناء النزاعات مع أوكرانيا، وبعد استيلائها على جزيرة القرم في 2014، والعدوان المتكرر على شرق أوكرانيا، تزايد انعدام أمن الطاقة بشكل ملحوظ. والآن بعد أن أصبح الإنتاج المحلي الأوروبي من الغاز الطبيعي متضائلًا، يصبح إيجاد مصادر بديلة وغنية من إمدادات الغاز الطبيعي بعيدًا عن موسكو أمرًا مهمًا على رأس الأولويات الأوروبية.

وفي هذا الصدد، قال سيبرن دي يونغ – وهو محلل في مركز لاهاي للدراسات الاستراتيجية – أن شركة جازبروم الروسية مثّلت مشكلة مثيرة للجدل حقا طوال العقد الماضي، وأنه أن كانت أوروبا جادة في تنويع مصادرها فينبغي أن تنظر عن كثب لإيران، وأكد إنه إذا لم تتجه الشركات الأوروبية والحكومات والاتحاد الأوروبي لذلك سريعًا سوف تنافسهم وتتجاوزهم الدول الأخرى – مشيرًا في ذلك إلى الحديث عن تزايد الشراكة التجارية في مجال الطاقة بين روسيا وإيران.

وفي الواقع، فإن مفوض الطاقة بالاتحاد الأوروبي، ميغيل أرياس كانيت، تحدث هذا العام علنًا عن احتمال الاستفادة من حقول الغاز الإيرانية بمجرد رفع العقوبات. وقال إنه إذا حدث إتفاق نهائي مع طهران فإن ذلك “يفتح احتمالات جديدة ” منها احتمال استيراد الغاز الإيراني كجزء من خط أنابيب الممر الجنوبي المخطط له منذ فترة طويلة للربط بين آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا.

وإذا تمت معالجة جميع المخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني فإن “هناك إمكانية لتعاون متزايد بين الاتحاد الأوروبي وإيران، بما في ذلك المسائل المتعلقة بالطاقة” حسبما أخبر كانيت فورين بوليسي، كما أضاف أنه من شأن ذلك فتح الباب أمام االشركات الأوروبية للاستثمار في إيران مما يشكّل مصدرًا جديدا لإمدادات الطاقة.

يثيرهذا الحديث المتردد مخاوف صناع القرار في الولايات المتحدة بشكل خاص، فعلى الرغم من تطلعهم لرؤية أوروبا تقلل اعتمادها على الغاز الروسي، لكن ذلك لا يكون ثمنًا لأن ترتمي في أحضان إيران مباشرة. وعلى سبيل المثال، فقد أشاروا مرارًا إلى إمكانية تصدير الغاز الأمريكي كبديل ليخدم السوق الأوروبية. لكن من وجهة نظر أوروبا، يبدو الحصول على إمداد ضخم من الغاز وعلى المدى الطويل من أي مكان سوى روسيا أمرًا جذابًا للغاية، لا سيما في ضوء التهديد بقطع إمدادات الغاز الذي أطلقته موسكو مؤخرًا أثناء النزاع مع أوكرانيا.

كما قال فيزيلا تشرنيفا – محلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في بلغاريا – أنه “بالنظر إلى الوضع غير المستقر للطاقة في أوروبا، فإن ذلك من شأنه أن يكون مصدرًا بديلًا للطاقة لا يقدر بثمن”.

لكن بغض النظر عن نتائج المحادثات النووية ومع تدفق الأموال الغربية، فإن الغاز الإيراني لن يتدفق قريبًا إلى أوروبا، كما اعترف أندرياس كانيت، وتحدث مسؤولو الطاقة الإيرانيون عن الحاجة لنحو 100 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية كي تصل الی اقصی طاقة إنتاجية من الغاز الطبيعي.

فبالرغم من كل مواردها، لم تقدم إيران بعد ما يليق بثقلها كمنتج للغاز، مع إنتاج نحو 173 مليار متر مكعب في السنة، وهو مايبعد كل البعد عن إنتاج العام الماضي للولايات المتحدة – الأعلى عالميًا – الذي وصل لحوالي 728 مليار متر مكعب العام الماضي، ويزيد قليلًا عن إنتاج الصين “135 مليار متر مكعب”.

الأسوأ من ذلك، من وجهة نظر العملاء المحتملين والمعولين على الأنابيب المليئة بالغاز الإيراني قريبًا، هو أن إيران تستهلك محليًا كل إنتاجها تقريبًا، وما تصدّره اليوم فقط هو بعض الكميات الضئيلة إلى تركيا. كما أن الحديث الإيراني المتردد منذ السبعينات عن اعتزامها بناء محطة لتسييل الغاز وشحنه إلى أنحاء العالم – مثل ماتفعله قطر اليوم بكميات هائلة وماتنوي الولايات المتحدة فعله – لم يتحول إلى عمل ملموس حتى الآن.

لا يمثل أكبر مالك للغاز الطبيعي في العالم إذًا سوى أقل من واحد بالمائة من تجارة الغاز العالمية، لا تفسر هذا العقوبات فحسب، فإيران ينغي لها أن تعيد ضخ نحو 30 مليارمتر سنويًا في حقول الغاز القديمة بها للحفاظ على الإنتاج هناك، ومن المرجّح أن يتضاعف هذا الرقم خلال العقد القادم. إضافة إلى حوالي 17 مليار متر مكعب أخرى – مانسبته 10% من الإنتاج السنوي – يتم حرقها ببساطة وتضيع، لافتقار إيران لبنية تحتية جيدة من خطوط أنابيب الغاز.

آمال أخرى تقع على عاتق حقل جنوب فارس – حقل الغاز البحري العملاق – الذي يمثل جزءا كبيرًا من إنتاج الغاز الإيراني بالفعل، إذ يتوقع أن تؤدي التنمية الطموحة هناك إلى إضافة نحو 140 مليار متر مكعب لناتج الغاز الإيراني خلال السنوات العشر القادمة. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك بدوره إلى توفر كميات كبيرة للتصدير إذا لم يستهلكها الاقتصاد المحلي وحقول النفط الإيرانية نفسها.

لكن هل سيذهب هذا الغاز بالضرورة إلى أوروبا؟ فإيران بالفعل تخطط لصفقات تصدير الطاقة لدول الجوار، منها سلطنة عمان وباكستان، إضافة إلى زيادة التبادل التجاري القائم بينها وبين تركيا، وقد يقود – كما قال غولدثو – إلى قطع الطريق أمام توفير أية كميات متاحة للتصدير إلى أوروبا.

علاوة على ذلك، فإن سجلّ أوروبا في استكمال مشاريع البنية التحتية للطاقة الهائلة لا يبدو مشجعّا، فمنذ التسعينات، حاول الاتحاد الأوروبي بناء خطوط أنابيب للاستفادة من حقول الغاز الضخمة في أماكن مثل أذربيجان وتركمانتسان ولجلب الوقود إلى القارة العجوز عبر تركيا. لكن جاء تطور هذه المشاريع متقطعًا وغير منتظم، فمع حلول 2018 يكون مشروع خط أنابيب الغاز عبر الأناضول الذي ينقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا قد استغرق أكثر من عقدين منذ دخوله حيز التنفيذ، وهو مايبدو وقتًا طويلًا للغاية مع الأخذ في الاعتبار أن الدول المعنية رحبت برأس المال الأجنبي، ولم تواجه أي عقوبات مالية أو متعلقة بقطاع الطاقة كما هو الحال في إيران.

اختتم دي يونغ حديثه قائلًا “يبدو واضحًا أن الحصول على الغاز الإيراني سيكون عملية طويلة الأجل، لكن ضرورة أخذها على محمل الجد منذ اليوم”. لا ينفي ذلك

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد