ينظر الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الاتفاق النووي مع إيران على أنه حجر الأساس لتوسيع العلاقات الإستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية، وقد صرح مصدر مسؤول لصحيفة نيويورك تايمز قائلًا: “هناك أبعاد أخرى أكبربالتأكيد في هذا الأمر”، ومع ذلك فإن المعضلة في رؤية الرئيس أوباما لإعادة العلاقات مع إيران تكمن في أنها تثير حفيظة ممثلي الشعب الأمريكي وحلفاء أمريكا الإقليميين على حدٍ سواء لذلك فإن الرئيس أوباما يحاول أن يخفي نواياه قدر الإمكان.

هناك إصرار من البيت الأبيض بأن الاتفاق مع إيران لم يشمل أي شيء سوى الحد من التسليح على نطاق ضيق فقط، وعلى المشككين عدم القلق من استمرار وضع إيران تحت المراقبة، فالبيت الأبيض لديه الخياران القسريان الشاملان ليغطي مثل هذه الأمور وهما خيار”الانقضاض” وخيار “التراجع”.

دائما كان خيار”الانقضاض” هو الورقة الرابحة ضد المنتقدين للاتفاق النووي مع إيران، فإذا أرادت إيران أن تتملص من الاتفاق فليس لدى البيت الأبيض أدنى مشكلة فكل ما عليه فعله هو إعادة فرض العقوبات عليها والاستمرار في استنزاف طهران. وقد تم مؤخرا إضافة كلمة “التراجع” في معجم الخيارات الأمريكية وذلك بعد وجود تجاوب من الجانب الإيراني تجاه المحادثات.

طبقا للاتفاق الذي تم مؤخرا ستحصل إيران على 150 مليار دولار من أرصدتها المجمدة، وسيتم رفع أسماء كبار مسئولي الحرس الثوري الإيراني والهيئات الإيرانية من قوائم الحظر من قبل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، هذا بالإضافة إلى رفع الحظر أيضا على الأسلحة والصواريخ البالستية، وضمنيًا فإن الإدارة الأمريكية ستتراجع في مواجهة الأنشطة الإيرانية الخبيثة في المنطقة وهو ما أكدته تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري على مدار الأسبوعين المنصرمين، ومن المؤكد أيضا أنه سيتم ضم طهران تحت مظلة الحماية الأمريكية وهو ما سيعزز وضعها الإقليمى، فالاتفاق المبرم بين طهران وواشنطن تم وضعه بطريقة ملزمة للطرفين للدخول فيما هو أعمق من المسألة النووية وأن يستمر هذا الاتفاق حتى بعد انتهاء فترة حكم الرئيس أوباما.

ينص الاتفاق النووي بشكل صريح بأن إيران لديها إمكانية إنهائه إذا ما عدلت الإدارة الأمريكية عن قرارها وأعادت فرض العقوبات على طهران وهو ما يمكّن إيران في الوقت ذاته من العودة إلى برنامجها النووي، مما يعني أن أي محاولة لخداع إيران ستعتبر مخاطرة من الدول الكبرى لأنها سوف تؤدي إلى انهيار الاتفاق بالكامل لذلك فإن تحصين البرنامج النووي الإيراني ضد أي خداع قد تم إدراجة ضمنيا في الاتفاق، وقد تم اتخاذ هذه الخطوة خصيصًا وذلك لغلق الطريق أمام أي محاولة للتلاعب من قبل الإدارة الأمريكية القادمة التي ستخلف الرئيس أوباما.

يحاول الرئيس باراك أوباما جاهدًا عدم تعريض الاتفاق النووي مع إيران لأي خطر وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية لن تستطيع بعد الآن اللعب ضد مصالح إيران على المستوى الإقيلمي أو فتح ملف إعادة فرض العقوبات على طهران. على الرغم من تأكيدات الإدارة الأمريكية بأن هناك حاجزًا كبيرًا يفصل بين المسألة النووية والمسائل الإقليمية إلا أن سلوك الإدارة الأمريكية يكذب كل هذه الادعاءات، وعلى سبيل المثال حاول جون كيري مؤخرا في العديد من اللقاءات التي جمعته مع نظيره الإيراني طرح العديد من المسائل الإقليمية على الطاولة إلا أن الإجابة كانت تأتي دائما من جواد ظريف بأنه لا يمتلك الصلاحية للتحدث في هذا الملف.

تُعد هذه من المرات القليلة التي قال فيها جواد ظريف الحقيقة بأن ليس لديه الصلاحية للتحدث عن هذا الأمر وهذا يوضح أن الحديث عن المسائل الإقليمية سيطلب مستوى أعلى من المحادثات تجمع بين الرئيس أوباما والمرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي بشكل مباشر وهذا أكدته التقارير التي ورد فيها لمحات عن بعض المراسلات السرية بين أوباما وخامنئي، وقد سلطت هذه المحادثات الضوء على محاولات الرئيس أوباما إظهار كم المصالح التي يمكن أن تتشارك فيها أمريكا مع الجمهورية الإسلامية، وطمأنة المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية على مصالحه في المنطقة وهو ما يمكن ترجمته على أرض الواقع بمدى النفوذ الذي تتمتع به إيران في الشرق الأوسط.

توضح خطابات أوباما لخامنئي و قرارته على مدى الأربع سنوات الماضية مدى سخافة وسذاجة العديد من المفاهيم التي يستخدمها البيت الأبيض ضد إيران مثل “الانقضاض” وأن مسألة “الانقضاض” و”التراجع” هي مجرد مفاهيم واهية ليس لها أي أساس على أرض الواقع، ونستطيع أن نرى هذا في مثال واحد وهو كيف كان التعامل العلني للإدارة الأمريكية مع الأمور التي تحدث في مناطق مثل سوريا برغم تخطي إيران لجميع الخطوط الحمراء، والآن وبعد أن تم التوصل للاتفاق فإن هذا سيزيد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

أصبحت الأمور واضحة الآن بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، فالاتفاق عبارة عن تراجع إيران على مستوى برنامجها النووي في مقابل زيادة نفوذها على المستوى الإقليمي، وأن أي تحرك أمريكي ضد إيران في المنطقة سيهدد بانهيار الاتفاق بشكل كامل، وفي سياق متصل فقد علق الرئيس أوباما بشكل متكرر بأنه يعتقد أن إيران لا تمثل تهديدًا حقيقيًا على دول الخليج، والشيء المهم أن الرئيس أوباما شدد على أن الغرض من القمة التي جمعته مع قادة دول مجلس التعاون الخليجى في مايو الماضي بكامب ديفيد لم يكن لمواجهة إيران أو حتى تهميش دورها الإقليمي ولكن على العكس فقد أوضح البيت الأبيض أن الهدف من القمة كان محاولة اقناع السعودية بالجلوس وعمل محادثات مع الإيرانيين، هذا بجانب إعطاء أمريكا وعودًا لحلفائها من دول الخليج بدعمهم في حالة وجود أي هجوم إيراني محتمل عليهم.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات