13,786

بالكاد كان قد ترجل من الطائرة في إجازة عائلية إلى كينيا، حين أدرك مهاد أُلاد أن الأمور لا تسير على ما يرام، فوالدته – وهي امرأة شديدة التدين والمحافَظة وتعتنق الأفكار الوهابية – كانت تتصرف بشكل غريب، وتجرى بعض المكالمات الهاتفية حين تتصور أن ابنها لا يسمعها. سرعان ما ثبت أن شكوك «ألاد» كانت في محلها، فقد اكتشفت أسرته – وهم مهاجرون صوماليون إلى الولايات المتحدة ومسلمون ملتزمون للغاية – ليس فقط أنه قد ترك الإسلام، بل أنه مثلي الجنس كذلك. لم تكن تلك الإجازة سوى مجرد خدعة إذًا، مجرد محاولة لإنقاذ روحه.

بهذا الموقف بدأت صحيفة «الإيكونوميست» تقريرها الذي رصدت فيه تزايد نسب الإلحاد في صفوف المسلمين الأمريكيين، وتحدثت فيه عن بعض أسباب تلك الظاهرة، وعن بعض المصاعب التي يواجهها القافزون من سفينة الإسلام.

يحتفظون بأسرارهم إلى الأبد

بالنسبة لألاد، فقد أخبرته أسرته بأنه سيترك دراسته في الجامعة، وسيلتحق من الغد بمجموعة من رجال الدين المسلمين الذين سيعيدونه إلي طريق الإيمان. «كنت أعي جيدًا الأهوال التي تنتظرني في هذه المعسكرات» – يتحدث ألاد. «إنهم يقيمونها في منتصف اللامكان، حيث لا يمكنك الهرب إطلاقًا. ستتعرض للضرب والتجويع والسحق». حاول الاتصال بالسفارة الأمريكية، لكنهم لم يتمكنوا من إرسال مساعدة بسبب الأعمال الإرهابية التي حدثت مؤخرًا بالقرب من المنطقة. لكن ـ ولحسن حظه – فقد تمكن من الوصول إلى مجموعة من الملحدين الكينيين. وفي منتصف الليل، تسلل ألاد إلى غرفة والدته، حيث سرق جواز سفره؛ لتنقله بعد ذلك سيارة أجرة إلى السفارة التي تولت إعادته إلى الولايات المتحدة؛ لينقطع بعدها عن أي تواصل من عائلته.

وفقًا للتقرير، فبالرغم أن القليلين فقط هم من يمتلكون قصصًا مروعة كهذه، فإن مئات الآلاف من المسلمين يمكنهم أن يعترفوا بأن لديهم تجربة شبيهة بحكاية الشاب الصومالي. في العقد الأخير ارتفع عدد المسلمين الأمريكيين بنحو 50 %، وكذلك ارتفع عدد «المسلمين السابقين». وبحسب مركز «بيو» للأبحاث، فإن 23% من الأمريكيين الذين نشأوا كمسلمين لم يعودوا يعترفون بإيمانهم. أغلب هؤلاء هم شباب من الجيل الثاني من المهاجرين الذين قرروا أن يرفضوا دين آبائهم، لكن بعضهم كانوا أكبر سنًا عندما ظهرت أزمتهم مع الإيمان، وكانوا متزوجين بالفعل من مسلمين ملتزمين، ويرسلون أبناءهم لحفظ القرآن في المسجد خلال أيام العطلات.

وسواء كانوا شبابًا أو كبارًا، فإن أغلب هؤلاء لا يميلون إلى التصريح بأنهم فقدوا إيمانهم. وثمة قصة مثيرة عن أحد الطلاب المسلمين عاد إلى المنزل مخمورًا ذات يوم، فأخبر والده أنه ملحد، ليخبره الأب أنه قد فقد هو الآخر إيمانه قبل سنوات طويلة، لكن الشاب تلقى مع ذلك عتابًا أنه لم يتمكن من إخفاء سره بشكل كافِ.

Embed from Getty Images

ويعد التصريح بترك الإسلام أمرًا شديد الصعوبة بالنظر إلى أن الكثير من المسلمين يعيشون في مجتمعات ضيقة متماسكة، حيث يضطر الكثير من الأبناء إلى إخفاء الأمر خوفًا من تهديد علاقتهم بآبائهم الذين لا زالوا  يعتمدون عليهم. ويجد غير المؤمنين من «المورمون واليهود الحاسيديم والمسيحيين الإنجيليين» أنفسهم في مأزق مشابه. وفي بعض المجتمعات المسلمة المغلقة على نفسها، مثل الصوماليين في مينيابوليس، والباكستانيين في دالاس، فإن التخلي عن الإسلام يعني التخلي عن دائرة اجتماعية بأكملها. وكما يقول أحد من فضلوا التواري في الظل: «الجزء الأكثر إحباطًا أني أعيش وأنا أعرف أن حياتي يجب أن تتقيد بقواعد لا أتفق معها».

والردة هنا تختلف عن اللامبالاة، وإن كانت الأخيرة تتنامى كذلك بين صفوف المسلمين. فمن بين المسلمين – الذين لا يزالون مقتنعين بالإسلام – كبار السن – 55 عامًا فما فوق – قال 53 % فقط أنهم يحافظون على الصلوات الخمس بانتظام – وهي ليست مهمة سهلة – فيما تهبط هذه النسبة إلى 33% بين المسلمين من جيل الألفية. القليلون فقط هم من يُنبذون لأنهم فرطوا في صلاة، أو لم يلتزموا بالصيام في نهار رمضان، طالما أن تلك التصرفات لم تخرج إلى العلن.

عقوبات قاسية في انتظار «المرتدين»

بحسب «الإيكونوميست»، يمكن تصنيف «المسلمين السابقين» إلى نوعين، الأول هم أولئك الذين نشأوا في ظل أسر أقل تدينًا، وكان من السهل عليهم التحليق بعيدًا دون عواقب وخيمة، «كان ذلك خطوة باتجاه الأمام»، هكذا تعبر مسلمة سابقة بدأت رحلتها بعيدًا عن الإسلام في سن الثامنة، حين توقفت عن أداء الصلوات في سن الثامنة، بعدما وجدت أن تفويت بعض الصلوات لا يؤدي إلى تغير يذكر، بدأت بعد ذلك في تناول الطعام خلسة خلال نهار رمضان، قبل أن تتجه إلى الكحوليات وتمارس الجنس خارج إطار الزواج، وبحلول سن 18 كانت قد وصلت إلى  نهاية الطريق وصارت ملحدة.

الصنف الثاني هم أولئك الذين ترعرعوا في بيئات عائلية أكثر تدينًا، تومض الفكرة في أذهانهم بينما يتدارسون القرآن أو الحديث، عادة ما تكون الآيات التي تحفزهم هي تلك التي تتحدث عن العبيد أو النوع الاجتماعي، والتي لا يجد لها الأئمة أو الأهل تفسيرات مقنعة. ويمكن أن تسبب كتابات أيان حرسي علي أو ريتشارد دوكنز أو كريستوفر هيتشنز تأثيرات مماثلة. البعض كذلك يغضبه ما يراه في الإسلام من التمييز على أساس الجنس أو رهاب المثلية. تقول إحداهن: «أتذكر في الهالووين، لم يكن مسموحًا لي أن ألعب (خدعة أم حلوى؟) مثل إخوتي وأقاربي الذكور، كان علي مهمة التنظيف بعد العشاء».

Embed from Getty Images

المركز الإسلامي الأمريكي في واشنطن

ولكي يتمكنوا من مسايرة أفكارهم، يذهب البعض إلى الإنترنت، حيث يجدون عزاءهم في المنتديات الإلكترونية، أحد تلك المنتديات على «ريديت» يبلغ عدد متابعيه نحو 30 ألفًا، هنا يتناقل المسلمون السابقون قصصًا عن العائلات التي تركل أطفالها بعيدًا حين يعترفون بخروجهم عن الإيمان، لكنهم كذلك يستمتعون بتداول صور الخمر ولحم الخنزير في نهار رمضان، ويجدون في ذلك تخفيفًا لآلامهم.

وبرغم كل الضغوط التي تمارسها العائلة أو المجتمع، يبدو أن المزيد من المسلمين السابقين في طريقهم إلى التصريح بمواقفهم علنًا. «المسلمون السابقون في أمريكا الشمالية» هي منظمة حقوقية تدافع عن أولئك الذين يعلنون التخلي عن دينهم، وتؤكد سارة حيدر، مديرة المنظمة، أن «الهدف هو أن تغير الأمور بما يكفي لئلا يعود هناك حاجة لوجودنا». وقد دشنت المجموعة أعمالها بجولة جامعية حملت اسم «التطبيع مع الانشقاق»، قوبلت بانتقادات غاضبة واستلزمت استعدادات أمنية مكثفة، كما كان على سارة أن تظل يقظة إزاء التهديدات بالقتل أو احتمالات الاختراق التي قد تواجهها المنظمة.

وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إنه بالرغم من أن ثمن الخروج عن الدين قد يكون مكلفًا في الغرب، فإن الأمر يظل أخطر بكثير في البلدان الإسلامية، تهمة «الكفر» في باكستان تستدعي حكمًا بالإعدام. أحد الملحدين ظهر على شاشة قناة مصرية في مناظرة مع شيخ أزهري  وجد نفسه يتعرض للطرد ويُنصح باللجوء إلى طبيب نفسي. الشاب الصومالي أُلاد، الذي ولد في معسكر للاجئين في كينيا قد اختبر كلا العالمين، ويعلم القسوة التي يُعامل بها من يتركون دينهم في كينيا أو الصومال؛ إذ ما انكشفت أسرارهم. يقول ألاما: «أشعر بالامتنان الشديد لأني أعيش في بلد أجد فيها – على الأقل – حدًا أدنى من الحماية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك