على مدى العامين الماضيين، تحولت فكرة إمكانية حل المأزق الخاص ببرنامج إيران النووي من الحيز النظري لتصبح حقيقة واقعة، وذلك بعد إبرام الاتفاق التاريخي بين طهران والقوى العالمية الست. إن الرفع المحتمل للعقوبات الاقتصادية الغربية على إيران عزز، في المقابل، سريعًا الاهتمام بالاقتصاد الإيراني، لا سيما من جانب أوروبا، التي ترى إيران سوقًا واعدة ذات إمكانات كبيرة، وجاهزة لاستقبال الاستثمارات الدولية، والتكنولوجيا والسلع.

ولكن بطريقة متناقضة إلى حد ما، جرى التقليل من قيمة الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الخمس الأخيرة من العقوبات، والآن يجري المبالغة في توقع مخاطر نموه على المدى القصير. كان للتقليل من قيمة الاقتصاد الإيراني علاقة مع وجهة النظر الغربية حول مدى الضرر الذي حل بالاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات وكيف كانت إيران مهمشة سياسيًا بسبب برنامجها النووي المثير للجدل. ولكن الحقيقة هي أنه في حين تأثر الاقتصاد الإيراني بشدة من نظام العقوبات، إلا أنه لم يصب بشلل تام. فمثل العديد من البلدان الخاضعة للعقوبات، تكيف الاقتصاد الإيراني مع العقوبات. فلا تزال إيران من بين أكبر 20 منتجًا في العالم للعديد من المعادن. وتنتج المزيد من الصلب أكثر من فرنسا أو المملكة المتحدة، واستمرت معدلات انتشار الإنترنت والهواتف المحمولة في الزيادة متجاوزة تركيا والبرازيل. كما أن إيران أيضًا واحدة من أكبر خمسة منتجين للإسمنت في العالم. وعلى الرغم من أن إنتاج النفط قد تأثر بشدة بسبب العقوبات، تمكنت إيران بالفعل من تحقيق زيادة في إنتاج الغاز خلال السنوات القليلة الماضية.

باختصار، تواجه إيران عقوبات، واستبدال نظام الاقتصاد والدولة، وإعادة ترتيب الأولويات. وبالمثل، فإن عزلة إيران عن بقية العالم لم تكن واضحة ولم يتم التحكم بها مثلما تود القوى الغربية أن نعتقد. على الرغم من أن الاقتصاد الإيراني كان ولا يزال ضعيف الأداء، فهو ليس في حالة يرثى لها كما يحب بعض المراقبين الادعاء.

إن السبب الهيكلي الذي يقف وراء الأداء الضعيف للاقتصاد الايراني هو الطريقة العشوائية التي تطورت بها البلاد على مدى العقود الثلاثة الماضية. فالفساد وسوء الإدارة والمشاكل النظامية ونظام العقوبات فاقمت من ضعف أداء الاقتصاد بشكل ما. لهذا السبب قد تحدث مبالغة في تقدير إمكانية حدوث نمو اقتصادي مستقر على المدى القصير. وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي بذلتها إدارة الرئيس حسن روحاني للحد من ذلك، فقد بلغ التضخم نحو 15 في المئة في يونيو الماضي، وذلك وفقًا للبنك المركزي الإيراني. ولا يزال الأداء الاقتصادي الكلي، الذي سوف يكون لها تأثير على الحياة اليومية للإيرانيين وقدرة الشركات على العمل بشكل أكثر فعالية في المجال التجاري، ضعيفًا.

وفي الأساس، وحتى من دون عقوبات تعمل على تعقيد وإعاقة التنمية الاقتصادية والتجارة، فمناخ الأعمال والاقتصاد الإيرانيين ليسا مثلما كانا عليه قبل 10 أعوام. فعلى الرغم من الجهود المبذولة من قبل حكومة روحاني لتبسيط التعاملات التجارية ومنح التراخيص والأذونات، فلا تزال إيران تحتل المرتبة الـ130 من أصل 190 بلدًا في قائمة مؤشر البنك الدولي لسهولة ممارسة الأعمال التجارية.

لقد تغير كل من النظام المصرفي والقطاع الصناعي بشكل كبير، فلحق بهم التشويه جزئيًا بسبب زيادة الفساد، والعقوبات ومحاولات خصخصة الشركات المملوكة للدولة. وبالنسبة للشركات والمصالح الأجنبية، فإن العودة للدخول في هذه السوق هي بالتالي أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة فتح فرع أو مكتب محلي.

خذوا الاتحاد الأوروبي كمثال، الذي ترك السوق الإيراني مع توسع نظام العقوبات، وتوج ذلك بفرض حظر تام على شراء النفط الإيراني في صيف عام 2012. وقد كان التأثير شديدًا. في عام 2009، استورد الاتحاد الأوروبي نحو 178 مليون برميل من النفط من إيران بقيمة إجمالية بلغت حوالي 10.7 مليار دولار، وهي نسبة مثلت حوالي 4.65 في المئة من إجمالي واردات النفط الأوروبية. وفي عام 2014، انخفض هذا الرقم إلى 3.2 مليون برميل بقيمة 272 مليون دولار فقط، أي حوالي 0.09 في المئة من إجمالي الواردات النفطية. وقد أمكن إجراء العديد من صفقات الاستيراد في كثير من الحالات من خلال تنازل الولايات المتحدة عن العقوبات الأمريكية الثانوية. ومن خلال هذه الآلية، أمكن لواشنطن تحفيز امتثال الكيانات والدول الأخرى لنظام العقوبات.

ولكن على الرغم من العقوبات، جرى الالتزام بالعقود المعلقة وكانت هناك ولا تزال خلافات حول الحماس لفرض العقوبات وتفسيرها. فرنسا، على سبيل المثال، كانت الناقد الأكثر صخبًا لإيران من بين الدول الأوروبية الكبرى، إلا أن شركة صناعة السيارات الفرنسية رينو لم تتنازل تمامًا عن شراكتها في إيران مع اثنين من المصنعين المحليين. وتتطلع رينو الآن لشراء حصة صغيرة في واحدة من تلك الشركاء، وهي بارس خودرو. أما المملكة المتحدة، وعلى النقيض من ذلك، ربما تكون قد أخذت أقسى موقف ضد إيران، فحدت بشكل كبير من وجودها التجاري والروابط التجارية في إيران إلى نقطة حيث تتخلف الآن عن الولايات المتحدة في معدلات التبادل التجاري مع إيران.

وفي الوقت نفسه، حافظت ألمانيا وإيطاليا على موطئ قدم في إيران قبل العقوبات. فقد استوردت إيطاليا كمية كبيرة من نفطها من إيران، وحتى وقت متأخر من 2011 استوردت حوالي 250،000 برميل يوميًا، بما يوازي حوالي نحو 13 في المئة من إجمالي وارداتها النفطية. وقد واصلت القيام بذلك في ظل العقوبات. وقد ذهبت كامل الكمية المستوردة من الاتحاد الأوروبي في عام 2014 المشار إليها أعلاه إلى إيطاليا. وليس من المستغرب أن الاحتكاك السياسي بين طهران وبرلين وروما كان أقل سخونة، مما يجعل إعادة دخول الشركات الألمانية والإيطالية في إيران أقل تعقيدا مما يمكن توقعه بالنسبة للشركات البريطانية والفرنسية.

بطبيعة الحال، وبينما غادرت الدول الأوروبية إيران خلال نظام العقوبات، فقد دخلتها دول أخرى: الصين أكثر من أي دولة أخرى، وبدرجة أقل روسيا والهند وكوريا الجنوبية. حدث هذا في مختلف قطاعات الاقتصاد، من مشاريع النفط والغاز على مستوى عال إلى السلع الاستهلاكية. كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، حافظت ووسعت من وجودها في إيران من خلال الأساليب الإبداعية في دفع ثمن الواردات، وتوسيع شبكتها المحلية من الموردين والموزعين ونحت مكانة هامة لنفسها في كل من قطاعي السيارات والسلع الاستهلاكية في السوق الإيرانية.

لذا، وعلى الرغم من أن السوق الإيرانية هي من نواح عديدة متعطشة للمنتجات الأوروبية، فلا يوجد نقص في المنافسة. فعلى الأرجح لن تستعيد أوروبا حصتها في السوق فقط بحكم كونها أوروبية، وذلك على الرغم من أن صناع القرار الإيرانيين وقادة الأعمال سيتوددون للدول والشركات الأوروبية. إن العديد من الجهات الفاعلة مثل شركات الخدمات الكبيرة في صناعة النفط والغاز، والشركات المصنعة للسلع الاستهلاكية تعمل بموجب ترخيص ويود الموردون داخل قطاع السيارات تنويع الخيارات بعد رفع العقوبات وزيادة الغطاء السياسي من خلال المزيد من المشاركة مع الاتحاد الأوروبي. لكنهم لن يتنازلوا بسهولة عن وضعهم في السوق.

إن صناع القرار الإيرانيين حريصون للغاية على ضمان أن العلاقات التجارية مع أوروبا لا تصبح مجرد معاملات، حيث تتدفق السلع والخدمات الأوروبية إلى الداخل ويتدفق المال الإيراني إلى الخارج. وقد أكد مسؤولون في طهران الحاجة إلى نقل التكنولوجيا والاستثمارات طويلة الأجل وبناء قاعدة صناعية في إيران. وبالنسبة لأوروبا، يتطلب ذلك انخراط أوروبا في السوق الإيرانية بشكل أكثر وضوحًا وألا تعتبر نجاحها أمرًا مفروغًا منه.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد