قال جيفري فيلتمان في مقال له على موقع مجلة «فورين أفيرز»: «إن الحرب في اليمن تمثل كارثة بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة والسعودية والشعب اليمني. وتسببت في أكبر كارثة إنسانية في العالم؛ فقد قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، وأصبح نصف سكان البلاد معرضين لخطر المجاعة. كان شن الحرب خطأً استراتيجيًا أدى إلى حدوث ما كانت السعودية تسعى لمنعه عبر الحرب؛ إذ تطورت قدرات الحوثيين العسكرية، وباتت هجماتهم الصاروخية تطال العمق السعودي، وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة، وتوطدت العلاقة بين (الحوثيين) و(حزب الله) اللبناني. ومع أن الإمارات العربية المتحدة خاضت معركة فعالة ضد (القاعدة) في اليمن، إلا أن الإرهاب لا يزال يشكل تهديدًا خطيرًا».

منذ بدء الحملة على اليمن في الربع الأول من 2015 – يشير فيلتمان – أصرت السعودية على أن النصر العسكري وشيك. ولمدة طويلة، غض الغرب الطرف عن العواقب الكارثية لهذا التدخل، لكن اغتيال الصحافي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) قد ركز اهتمام العالم على سلوك المملكة المتهور، بما في ذلك حربها الكارثية في اليمن.

في ذلك الشهر، دعا كل من مايك بومبيو، وزير خارجية الولايات المتحدة، وجيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي، إلى وضع حد للحرب، وأعربا عن تأييدهما العلني لمحادثات السلام التي اقترحتها الأمم المتحدة. لكن وقف حرب معقدة مثل حرب اليمن من خلال المحادثات سوف يستغرق بعض الوقت، حيث ستزداد معاناة البلاد وتتعمق الأزمة الاستراتيجية في الخليج.

«ميدل إيست آي»: صبي عمره 17 سنة يحكم تعز! ماذا تعرف عن المخلافي أحد قادة حرب اليمن؟

ويرى فيلتمان أن لا سبيل لإنهاء هذه الحرب العقيمة، إلا بإعلان المملكة وقف حملتها العسكرية من جانب واحد، وتحدي الحوثيين الرد بالمثل. إن القيام بذلك لن يوقف الحرب بشكل كامل، لكنه سيهيئ الظروف اللازمة لمحادثات السلام من أجل كسب الزخم، والسماح للقادة اليمنيين – بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين – بمعالجة المشاكل الداخلية للبلاد، والتصدي للنفوذ الإيراني المتزايد. ويجب أن تقود الولايات المتحدة الضغط على السعودية لدفعها إلى التحرك أولًا، بدلًا عن تركها تقيم المحادثات، والحرب ما تزال محتدمة.

 

المحادثات لن توقف الحرب

أسندت إلى مارتن جريفيث المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن منذ فبراير (شباط) 2018 المهمة الصعبة المتمثلة في الترتيب لمحادثات سلام ذات مغزى، فركز جهوده على عدة جبهات في وقت واحد. يسعى جريفيث إلى تأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى ميناء الحديدة في البحر الأحمر، والذي يمر عبره أكثر من 70% من واردات اليمن. وفي الوقت نفسه يسعى جريفيث إلى إقناع التحالف الذي تقوده السعودية بالامتناع عن الرد على الهجمات الصاروخية الحوثية على المملكة. كما يعمل المبعوث على بناء الثقة من الجانبين من خلال خطوات مثل تبادل الأسرى، وهو يقود محادثات سياسية تتناول الترتيبات الانتقالية والتهديد بانفصال الجنوب.

Embed from Getty Images

يبدو نهج جريفيث معقولًا – يشير فيلتمان؛ إذ يمكن للقادة من الجانبين أن يقبلوا بسهولة وقف إطلاق القذائف الحوثية والغارات الجوية السعودية أكثر من وقف إطلاق نار شامل. واتسم جريفيث بالحكمة في سعيه إلى بدء المفاوضات دون انتظار وقف الأعمال العدائية، أو الإجابة على سؤال «من سيتوقف أولًا؟». علاوة على ذلك، فقد حظي جدول أعماله لليمن بقبول من الولايات المتحدة؛ إذ يبدو أنه حصل على دعم من مسؤولي إدارة ترامب خلال مشاوراته الأخيرة في واشنطن، بما في ذلك لقاؤه مع ماتيس قبل أيام قليلة من إعلان وزير الدفاع دعمه لمحادثات السلام في حوار المنامة، وهو منتدى سنوي رفيع المستوى للأمن في البحرين يُعقد برعاية من قبل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

لكن خطة المبعوث الأممي تتسم بالبطء الشديد – يستدرك فيلتمان. تدور حرب كارثية في اليمن، ويواجه حوالي نصف السكان مجاعة محتملة. هذا ليس وقت التشاحن، لكن التشاحن هو بالضبط ما تنطوي عليه استراتيجية جريفيث. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن طرفي الحرب يمكن أن يجعلا المفاوضات رهينة لمطالب غير معقولة. ومحاولات التفاوض على وقف إطلاق النار يمكن أن تتشابك بسهولة مع مسألة القيادة الانتقالية.

«بلومبيرج»: هكذا مهدت السعودية والإمارات لجيل جديد من «الأفغان العرب» في اليمن

لا يحظى عبد ربه منصور هادي – رئيس اليمن غير المنتخب، ويعاني من سوء الحالة الصحية – بالقبول على نطاق واسع. وهو يعلم أن السعودية والولايات المتحدة قد يستبدلون به غيره بسهولة من أجل حل النزاع، وهذه المعرفة تجعله مفاوضًا صعبًا ومضطربًا، لكن استبدال هادي سيكون معقدًا – ينوه فيلتمان – فنائب الرئيس، اللواء علي محسن، يكرهه الحوثيون لدوره في الحروب الوحشية ضدهم من 2004 إلى 2009، ولا يثق فيه الإماراتيون لكونه عضوًا في حزب الإخوان المسلمين اليمني. وبدون مرشح واضح للقيادة الانتقالية يمكنه كسب تأييد طائفة واسعة من اليمنيين ورعاتهم من الخارج، فإن وضع وقف إطلاق النار رهينة للاتفاق على بديل سيطيل الحرب.

طريق السلام يمر عبر الرياض

إن وقف القتال من جانب واحد سيخدم مصالح الرياض ومصالح الجميع – يواصل فيلتمان كلامه – إذ لن يوقف هذا إراقة الدماء في اليمن فحسب، بل قد يبطئ أو يوقف انحدار سمعة السعودية العالمية. إذا كانت السعودية تنتظر إنهاء النزاع من خلال محادثات تهدف إلى وقف إطلاق النار، فقد يقرر الحوثيون أن المملكة ستخسر المزيد في استمرار الأعمال العدائية أكثر مما يخسرون هم. ويمكن للحوثيين احتجاز السعوديين رهائن للمفاوضات من خلال تقديم طلبات غير معقولة.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، لا يبدو أن السعوديين يتحركون في هذا الاتجاه. كان ردهم على دعوات السلام هو مزيد من الضربات الجوية. ولا يبدو أن توقف الولايات المتحدة عن الدعم اللوجيستي للتحالف قد غيّر الحسابات السعودية. من الواضح أن الولايات المتحدة بحاجة إلى وسائل أخرى للإقناع. ظهرت دعوات لتعليق مبيعات الأسلحة إلى الرياض. أشار بروس ريدل، وهو زميل بارز في معهد بروكينجز، إلى أن تعليق بيع السلاح إلى المملكة سيؤدي سريعًا إلى وقف القصف الجوي السعودي وسيكون أكثر فعالية. إن الكونجرس الأمريكي مستعد حاليًا لاتخاذ إجراءات عقابية ضد السعودية، ويمكن لإدارة ترامب أن تستخدم هذا كوسيلة ضغط.

وقف القتال الأحادي الجانب محفوف بالمخاطر – يؤكد فيلتمان – إذ سيزعم الحوثيون أنهم انتصروا على دول «العدوان» كما يسمونها، وأنهم صمدوا أمام قوتين أكبر منهم. ويمكن تفسير الأمر على أنه انتصار لإيران. بالغ كل من السعودية والإمارات بدرجة النفوذ الإيراني على الحوثيين في بداية الحرب كجزء من تبريرهما للتدخل، لكن على الرغم من أن الحوثيين غير تابعين لإيران بالطريقة نفسها، مثل حزب الله في لبنان، فقد نما النفوذ الإيراني في اليمن بشكل كبير.

لكن فيلتمان يرى أن هذا ليس سببًا لتأجيل وقف إطلاق النار. ربما لن يقضي وقف القتال من جانب واحد والتركيز على المحادثات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة على النفوذ الإيراني، لكن مثل هذه الخطوات يمكن أن توقف تمدد النفوذ الإيراني. من ناحية أخرى فإن الحرب المستعرة في اليمن لن تؤدي إلا إلى نتائج مماثلة للحروب في العراق ولبنان: وجود إيراني راسخ بشكل دائم يعمل من خلال وكلاء عسكريين قادرين على توجيه السياسة الداخلية.

وقف إطلاق النار الأحادي ليس الدواء للحرب. فليس هناك ما يضمن أن الحوثيين سيردون بالموافقة على تقاسم السلطة مع الزعماء اليمنيين المدعومين من السعودية أو أن الجنوبيين سيتوقفون عن محاولة الانفصال. ومن المرجح أن يستمر القتال، ولكن بحدة أقل، حتى لو انتهت الحرب بين الحوثيين السعوديين. لكن المملكة ستستفيد من وقف عملياتها العسكرية، حتى لو استمر الحوثيون في إطلاق الصواريخ عبر الحدود؛ إذ سيحول العالم انتباهه إلى الحوثيين باعتبارهم المعتدين والمفسدين، وسيتم التسامح على نطاق واسع مع الدفاع السعودي عن النفس.

Embed from Getty Images

مرحلة ما بعد توقف القتال

إن حرب اليمن الحالية لها جذور عميقة في السياسة – يشير فيلتمان – فمنذ عام 2004 وحتى الإطاحة به في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، قام الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، بدعم من السعودية، بشن حملات عسكرية متعددة ضد الحوثيين. وقد وعد صالح هو الآخر بتحقيق انتصارات سريعة، لكن قوبل دومًا بمقاومة شرسة من الحوثي القوية، وهذا قد يكون مصير السعوديين في الحرب الحالية.

في عام 2011 شارك الحوثيون في الاحتجاجات الشعبية ضد صالح؛ مما أقنع دول مجلس التعاون الخليجي بضرورة تنحيه. ساعد مجلس التعاون الخليجي بتشجيع قوي من الولايات المتحدة في تنحية صالح والمجيء بهادي، نائبه في ذلك الوقت. فقاد هادي حكومة انتقالية تحولت في النهاية إلى حكومة معترف بها دوليًا، لكنها عاجزة فعليًا على الحكم اليوم.

عقدت الأمم المتحدة مؤتمرًا بين عامي 2013-2014 بغرض إنهاء الفترة الانتقالية والتوصل إلى اتفاقات بشأن الانتخابات وتقاسم السلطة. وقد شارك الحوثيون بحذر، لكن اتضح أن وفد الحوثي، إما فشل في التفاوض بحسن نية، أو لم يحظ بتأييد قيادته السياسية. وفي سبتمبر (أيلول) 2014 استغل الحوثيون فرصة المظاهرات الشعبية ضد أسعار الوقود للاستيلاء على السلطة بالقوة. وفي فبراير 2015 استولوا على صنعاء بالكامل. وقد ساعدهم صالح، خصمهم السابق، في هذا الجهد، على الأرجح حنقًا من تنحيته لصالح هادي في عام 2011، أغضب صالح رعاته السعوديين السابقين بسبب تحالفه مع الحوثيين، ولكن قُتل صالح على يد الحوثيين في ديسمبر (كانون الأول) 2017 عندما حاول الانضمام إلى السعودية ضد الحوثيين.

كان الغرض من الحملة العسكرية على الحوثيين هو إعادة الحكومة الشرعية برئاسة هادي إلى صنعاء – يضيف فيلتمان. وقد دعمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة السعودية باستصدار القرار رقم 2216 من مجلس الأمن الدولي الذي يدعو الحوثيين «إلى الانسحاب فورًا من كافة المناطق التي احتلوها، وتسليم كافة الأسلحة التي استولوا عليها من الحكومة، والتوقف عن أي تصرفات تعتبر من سلطات الحكومة الشرعية».

Embed from Getty Images

لقد طالب القرار 2216 بشيء قريب من الاستسلام غير المشروط من حركة أثبتت قدرتها العسكرية على الصمود. فبدلًا عن تقديم صيغة معقولة لوضع حد للنزاع، أصبح القرار 2216 بمثابة اختبار للمبعوث الدولي في نظر السعوديين والإماراتيين؛ فإذا لم يؤكد مبعوث الأمم المتحدة شروط القرار بشكل كاف، فإن السعوديين والإماراتيين سيلمحون إلى أنه متعاطف مع الحوثيين. وإذا أكد المبعوث على شروط القرار، فإنه سيثير الشكوك الحوثية ويدفعهم إلى مقاطعة اجتماعات الأمم المتحدة. إذا قررت المملكة إنهاء العمليات العسكرية فعلى مجلس الأمن أن يصدر قرارًا جديدًا بذلك، والذي من شأنه أن يمنح جريفيث وفريقه الأممي تفويضًا أكثر واقعية للمحادثات.

وقف نزيف الخسائر

بعد ثلاث سنوات ونصف لا تزال أهداف التحالف الذي تقوده السعودية بعيدة المنال، بينما تتدهور الأوضاع على الأرض: فالوضع الإنساني يزداد سوءًا، وانتشرت الأمراض، وترسخت سلطة الحوثين، وتزايد النفوذ الإيراني. إن اليمن بحاجة ماسة إلى مفاوضات جادة بشأن ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأجل. ويعتبر الدعم من بومبيو وماتيس للمحادثات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة تطورًا مرحبًا به.

لكن المفاوضات لن توقف الكارثة الإنسانية القادمة، أو تشتت انتباه العالم عن سلوك المملكة المشكوك فيه في هذه الحرب – يختتم فيلتمان بالقول. إن المخاطر الأمنية التي تتعرض لها السعودية من ميليشيا الحوثي التي هي في نفس قدرات حزب الله واضحة وتزداد حدة مع استمرار الحرب. ربما ينقذ وقف إطلاق النار السعودي الأحادي الجانب الأرواح ويوجه التركيز نحو الاهتمام بهذه التهديدات الحقيقية، لكن من غير المرجح أن تقوم المملكة العربية السعودية بهذا التحرك ما لم تثبت الولايات المتحدة لها أن استمرار الحرب سيدمر العلاقة بين البلدين.

«ميدل إيست آي»: بهذه الطريقة تحاول السعودية محو تاريخ اليمن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد