يناقش جراهام بيبلس في مقاله بعض آلام حياتنا العصرية، والتي يمكن تلخيصها في الوحدة والعزلة. فيرى أن نظام حياتنا الاقتصادي والاجتماعي يختلف تمامًا عما ينبغي أن يتبعه البشر، إذ أصبح قائمًا على تعزيز كل ما هو فردي في مقابل كل ما هو مجتمعي، فنتج عن ذلك عواقب سلبية متشابكة وَلَّدَت بدورها العديد من الأمراض النفسية والاجتماعية. بدون الإحساس بالانتماء للمجتمع، لن يتبقى لنا سوى الشعور بالوحدة والضياع.

يقول بيبلس إن الإنسانية كلها عبارة عن جماعة واحدة، وكما يقول مهاتما غاندي: “البشرية جمعاء هي أسرة واحدة، غير مجزأة وغير قابلة للتجزئة”. وهذا المفهوم ليس بمفهوم ديني ممالق، وإنما هو حقيقة فطرية متأصلة فينا. والتي يعمل النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي الحالي ضدها بشكل منهجي، إذ يجبرنا على العيش بطرق اصطناعية كاذبة، وعليلة مؤذية، وفارغة، بل وظالمة أيضًا.

والعواقب السلبية المتشابكة نتيجة العيش في ظل مثل هذا النظام المنحرف كثيرة ومتنوعة، وجميعها مؤلمة. فعلى سبيل المثال، تعتبر الوحدة والاكتئاب والقلق وعدم الاتساق بعض الآثار الناتجة عن غياب تواصلنا سواء مع ذواتنا، أو مع الآخرين من حولنا، أو حتى مع الطبيعة.

وباء

يزداد الشعور بالوحدة كل سنة عن الأُخرى، ولا سيما في البلدان المتقدمة. يربط جون كاسيوبو – أستاذ علم النفس فى جامعة شيكاغو- في كتابه ‘Loneliness: Human Nature and the Need for Social Connection’ بين الوحدة وطبيعة البشر وحاجتهم للتواصل الاجتماعي، فيقول إنه في الثمانينات من القرن الماضي، “قدر العلماء نسبة من عانوا من الاكتئاب ولو مرة واحدة طوال حياتهم بـ20% في الولايات المتحدة الأمريكية. أما الآن تخطت نسبتهم 40%”. ووفقًا لمجلة سيكولوجي توداي، بلغت أعداد المصابين بالاكتئاب على مستوى العالم مستوى الخطر الوبائي. وفي ظل المجتمعات الغربية التي تعاني من الشيخوخة، من المتوقع أن تستمر المعدلات في الزيادة.

حالة الوحدة الخانقة ما هي إلا نتاج الشعور بالعزلة والقطيعة، والانجراف مع التيارات على غير هدى، وليست نتيجة كون المرء وَحدَهُ. إذ يرتبط الشعور بالوحدة بالفقدان؛ قد يكون فقدان شخص عزيز، أو حتى غياب علاقة محددة واضحة مع النفس. تقول الأم تيريزا التي عملت مع أشد الفقراء فقرًا في الهند: “الوحدة وشعور الفرد أنه غير مرغوب فيه، هم الفقر الأبشع على الإطلاق”. فالوحدة مؤلمة للغاية، فهي تجرف الثقة بالنفس، وحسب وصف كاسيوبا  يمكنها أن تجعل المرء “يشعر أن الآخرين من حوله ليسوا إلا مصدر تهديد وخطر، عوضًا عن كونهم مصدرًا للتعاون والتعاطف”.

يوصم الشعور بالوحدة بعدة أوصاف مثله مثل العديد من الأمراض المرتبطة بالصحة النفسية، حيث يصورها المجتمع على أنها “المرادف النفسي لكون المرء فاشلًا في الحياة أو ضعيف الشخصية”. وكما يقول كاسيوبو نحن نعيش في عالم يؤيد ويدعم الشخص القوي الناجح، الذي تقوده دوافعه، بينما يمتعض الضعف وغيره من قصور في الشخصيات بصفة عامة، وفي الرجال بصفة خاصة. وكنتيجة لذلك، ينكر الناس الشعور بالوحدة، وهو خطأ جسيم، فتلك الحالة الخانقة يمكنها أن تزيد خطر الموت المبكر بنسبة صاعقة، تصل إلى 45%، أي أعلى من المسببات الأخرى للموت المبكر كالبدانة والإفراط في استهلاك المواد الكحولية.

المادية والتفرق

تميز القيم المادية عصرنا الحالي، كما تميز أيضًا النظام الاجتماعي والاقتصادي السائد، فكل الحكومات لجميع الاتجاهات السياسية ليسوا إلا خادمًا خاضعًا للنظام، منقادًا وراءه، وشريكًا للشركات التي تدير هذا النظام. تشكل تلك الحكومة والشركات معًا النخبة الحديثة. ولعل آخر شيء ترغب فيه هذه النخبة هو جموع الدهماء السعيدة القانعة والمتحدة أيضًا. وتعتبر “علاقتك أنت مع جهاز التلفاز الخاص بك” هي الوحدة الاجتماعية المثالية لهم باعتبارهم “سادة الكون” كما يطلق عليهم آدم سميث الشهير. يقول نعوم تشوميسكي إنه في عالم يخلو من روح المجتمع، حيث تعزز الأنانية، إذا جاع الطفل في المنزل المجاور لك، لن تهتم فهي ليست مشكلتك. وإذا استثمر الزوجان المتقاعدان في المنزل المجاور لك جميع أصولهم بشكل سيئ، وخسروها فصاروا يتضورون جوعًا الآن، هي ليست أيضًا مشكلتك. فالوحدة المجتمعية والتعاطف الإنساني هما عدو النخبة والنظام الجائر الذي يعزز قيم الجشع واللامبالاة.

تتسبب تلك القيم في التفريق والانفصال، فتخلق حالة لا مفر فيها من الشعور بالوحدة. بالفعل يتم تعزيز الأنانية والتراكم المفرط في المجتمع؛ ويتم تشجيع الطموح الفردي وروح التنافس التي “تدمر كل مشاعر الأخوة الإنسانية والتعاون” حسب وصف ألبرت أينشتاين، ويضيف قائلًا إن تصوير الطموح على أنه لا ينبع من حب الإنتاج والعمل المَدروس، لكن على أنه ينبع من الطموح الشخصي والخوف من الرفض، هو تصور تخلل كل مجالات الحياة بل وهيمن عليها.

إذا رغبت الإنسانية في التقدم نحو طريقة عيش جديدة وسلمية، ستحتاج إلى تنحية القيم التي تخلق بالضرورة حالة من الوحدة فتتيح المجال لقيم ايجابية أكثر. على سبيل المثال، تشجيع التعاون عوضًا عن التنافس يسمح بانتشار التسامح والتفاهم حيث يسود الشك والأنانية. ويسمح أيضًا للمجتمعات أن تتحد فتقوي وحدتها، وهي من الحاجات الأساسية في أوقات الشدة.

صرخة استغاثة

يقول جون كاسيوبو عن ألم الوحدة أنه “علامة منفرة في البقاء على قيد الحياة” بنفس الطريقة كما الجوع والعطش. فهو “جزء من الآلية البيولوجية التي تنبه الفرد لمدى الخطر والضرر في جسدك الاجتماعي”. هذا الجسد الذي نحتاج أن نبقيه على قيد الحياة. فذلك الألم هو رد فعل غريزي لكونك على هامش المجتمع، وبالتالي فأنت في خطر؛ ربما لم يعد الخطر جسديًّا، لكنه بالتأكيد خطر نفسي. يقول كاسيوبو هذا الشعور بالتهديد والخطر يبدأ بتوليد عملية غريزية من الدفاعية والحفاظ على الذات. ويكون المخ في حالة تأهب قصوى، فيفرز مستويات عالية من “كورتيزول الصباح” وهو هرمون توتر قوي، والذي يؤدي إلى ردود أفعال خرقاء متخلفة لا تُحتَمل، والتي بطبيعة الحال تعزز حالة الاغتراب الاجتماعي.

يصف أحد التقارير الصادرة حديثًا في بريطانيا الشعور بالوحدة، وخاصة بين كبار السن بأنه “العملاق الحديث”. فغالبًا ما يصاحب هذا الوحش النفسي مشاعر الخزي، والإحساس بالذنب والفشل. يشعر مَن يعاني مِن الوحدة أنه غير كافٍ إلى حد ما، فهو ليس جذاب، ولا مثير للاهتمام بشكل كافٍ، ولا ناجح بدرجةٍ كافية تناسب هذا العالم القاسي، حيث يأكل القوي الضعيف. وبالرغم من كم التركيز المنصب على الإنجاز، والتأكيد على أنه إكسير السعادة وتحقيق الذات، يؤكد علم النفس اليوم بكل وضوح أن أيًّا من الموهبة أو النجاح المالي أو الشهرة أو حتى العشق لا تضمن أية حماية من تعرضك لتجربة الوحدة.

فما هو الحل إذًا؟ يعد تكوين شبكة علاقات اجتماعية قوية في غرضها وهيكلها أمر حيوي. لكن السؤال هنا هل تعالج تلك العلاقات الفراغ المستبطن الذي يبعث على الشعور  بالوحدة؟


العلاقة مع الذات

يتولد إحساسنا بالسعادة والرفاهية العامة بسهولة أكثر عند شعورنا بالاتصال، لكن ما الذي نتوق إلى الاتصال به؟ فالاحتياج العالمي إلى الشعور بالارتباط متجذر في الشعور بالانكسار، ويبطن الشعور الكامن وراء الضياع فيأتي على هيئة شعور بالوحدة. فإذا شعرنا بالكمال أو بأننا كيان كامل في أنفسنا، سنفترض أن تلك الحاجة الملموسة لن تكن موجودة من الأساس.

تقول أحد المدراس الفكرية إن الفراغ والعزلة التي نعاني منها ما هي إلا نتيجة أننا لسنا على علاقة وطيدة مع ذواتنا الحقيقية، التي تعتبر مركز السلام أو التي يصفها البعض بأنها البذرة الإلهية في صميم وجودنا. فهذا الألم الذي نحاول باستمرار تسكينه، مصدره الأساسي هو محاولة التماهي مع كل شيء وأي شيء عدا ذواتنا، ومحاولاتنا الدؤوبة لتشتيت أنفسنا عن طريق الشعور باللذة التي حلت محل السعادة إلى حدٍّ كبير.

يقول جدو كريشنامورتي المعلم الهندي العظيم إنه عند إدراكنا للوحدة وألمها والخوف العميق غير العادي منها، حينها فقط نبغي الهروب منها. وربما يبدو هذا طبيعي ومُتَفَهَّم، لكن المُلهيات الحسية بطبيعتها لا تضع نهاية للشعور بالوحدة، بل على الأرجح تؤدي بك إلى البؤس والفوضى.

هل حقًّا يمكن للمرء إشباع الشعور بالوحدة، والخواء الداخلى بأي شيء خارجي؟ يناقش كريشنامورتي هذا التساؤل بمنطقيه فيقول: “إذا وجدنا بالفعل أحد المفرَّات المُلهيات، وجربناها فاتضح أنها لا قيمة لها، أليست إذًا جميع المفرات بلا قيمة هي الأُخرى؟”.

يعتبر الصمت والمساحة المسموح لنا بالنظر داخلها من العملات النادرة في عالمنا، وخاصة في المجتمعات الغربية. فالنموذج الاجتماعي الاقتصادي العالمي الحالي صاخب وسام، أُسِسَ على قيم سلبية، فلوث الأرض وسلب سعادتنا بجعلنا مرضى تعساء بطرق متنوعة عديدة.

فهو نظام يشجع بحماس النجاح المادي والانغماس في الرغبات الشخصية. والتي جميعها تشجع الاعتماد على سبل “الهروب” أيًّا كان نوعها مثل المخدرات أو الكحوليات أو الجنس أو وسائل الترفيه بجميع أشكالها وأحجامها- بما في ذلك الممارسات الدينية، بهدف ملء فجوة الشعور بالوحدة، والحفاظ على العقل في حالة مستمرة من الإثارة والسخط معًا.

لكن كما يقول كريشنامورتي، وهو على حق، مثل تلك الملهيات العابرة لن تُخفِي بالكامل احتياجنا الفطري للتوحد مع ذواتنا؛ وهو إدراك ناجم عن الوعي الذاتي، عن طريق التوقف عن التماهي مع أهواء العقل، وكما علمنا رامانا مهارشي – وهو حكيم هندي في القرن التاسع عشر- بتحديه الدائم لأفكارة ومشاعره من خلال البحث والتحقيق التفكيكي بسؤال نفسه: “من أنا؟”. يؤكد لنا رجال الحكمة هؤلاء أن مع الالتزام والجهد المتواصل، يمكن بالفعل تأسيس علاقة مع الذات، ويبين ذلك أن العزلة والانفصال ليسا إلا دربًا من دروب الوهم، وبالتالي فهو  يخلق إحساسًا عميقًا مستقلًا بالاتحاد مع الآخرين ومع العالم الذي نعيش فيه ونتنفس هواءه. الغاية تتلخص في أن التواصل مع الآخرين والقيام بالأنشطة هما عاملان أساسيان في التغلب على الشعور بالوحدة، لكن إذا ما صار الشخص معتًمدا على الملهيات الخارجية، وفي نفس الوقت لا يسعى للتغلب على الأسباب الكامنة الرئيسية لشعوره بالوحدة، حينها يبدو واضحًا أنه لن يحقق أية مكاسب في معركته، وسينهض العملاق الحديث مجددًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد