في تقرير موسع نشره موقع «ميدل إيست آي» حول حياة نائلة عايش عماد الانتفاضة الفلسطينية، والفيلم الوثائقي «نائلة والانتفاضة» الذي يحكي كيف نشأت الانتفاضة الأولى. تسرد الصحافية زهراء حنكير، وهي صحافية متخصصة في شؤون منطقة الشرق الأوسط، قصة نائلة فتقول: «تجلس نائلة عايش في ردهة الفندق في وسط مدينة لندن، وتبدو بعيدة كل البعد عن الأهوال التي عانت منها بصفتها ناشطة فلسطينية شابة في الانتفاضة الأولى، والتي استمرت أحداثها من عام 1987 حتى عام 1993». يوثق فيلم «نائلة والانتفاضة»، والذي هو من إخراج البرازيلية جوليا باشا، الصراعات التي نشأت في الانتفاضة الأولى، وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على عمل النساء الفلسطينيات اللواتي شكّلن الجزء الأهم من حركة المقاومة.

تصر نائلة عايش على أن الفيلم الوثائقي الذي يحمل اسمها، ومدته 76 دقيقة، أنه لا يدور حولها فقط؛ بل يتعلق الأمر بكل امرأة فلسطينية قاتلت من أجل الحرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، تقول نائلة: «هذا الفيلم ليس عن قصتي وحسب، فقد قاتلنا الاحتلال كنساء بشكل جماعي، قصتي واحدة من العديد من القصص». إن تاريخ حياة نائلة هو في الواقع توثيق لحركة النساء التي ناضلت من أجل التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والمساواة بين الجنسين في الوقت نفسه.

بالنسبة إلى جوليا باشا فالفيلم الوثائقي «نائلة والانتفاضة» يبدل الرواية الشائعة عن الانتفاضة الأولى –على الأقل بالنسبة للمجتمع الدولي– والتي تتمحور حول الفلسطينيين الذين يلقون الحجارة وهم يواجهون الدبابات الإسرائيلية. تقول جوليا: «لم تكن لتستمر الانتفاضة خمس سنوات بسبب شبان يلقون الحجارة على الدبابات، لقد استمرت بسبب وجود هيكل منظم للعصيان المدني، وإنشاء مؤسسات موازية للسلطة أدت بالفعل إلى إزالة سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على السكان الفلسطينيين بشكل فعال، دون وجود حكومة فلسطينية، وكان السبب في تمكنهم من فعل ذلك هو أن النساء كن على رأس السلطة».

لم يكن هدف جوليا صناعة فيلم عن الحركة النسائية، لكنها وجدت أنه لا بد من تسليط الضوء على الموضوع عند إجرائها بحوثًا عن الانتفاضة الأولى؛ إذ تقول جوليا: «كانت صدمة لي أن هذه القصة لم يتم روايتها أبدًا، وعلمت أن ظهور النساء في حركات الاحتجاج منتشر، وتعتبر النساء في كثير من الأحيان هن الجزء الأساسي للحركات الاحتجاجية، ستتمكن النساء اليوم من دمج هذه الدروس في نشاطهن وقراراتهن إذا عرفنا تاريخهن، فبعض القصص تكتب في التاريخ، وبعضها لا يكتب»، فيلم نائلة والانتفاضة يدمج بين الرسوم المتحركة والصور الأرشيفية الحصرية في سلسلة من المقابلات الرائعة مع العديد من الناشطات والسياسيات، بما في ذلك زهيرة كمال، وسامية عويضة، والراحلة ربيحة ذياب، وابن نائلة، وزوجها.

لماذا لم تندلع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة حتى اليوم.. بالرغم من كل ما حدث؟

ملتزمون بالقضية

أن أكون هنا وأتحدث عن هذه القصة ليس بالأمر السهل بالنسبة لي، وهذا يعيدني إلى الألم الذي شعرت به في ذلك الوقت، وبعد كل هذا وحتى الآن ها نحن هنا ولا يزال الاحتلال مستمرًا. نائلة عايش

شهدت نائلة عايش في الثامنة من عمرها هدم منزل عائلتها في فلسطين عام 1969 من قبل القوات الإسرائيلية؛ مما أشعل عداءها تجاه الاحتلال الإسرائيلي الذي وجهته في ما بعد إلى نشاطها السياسي. ونتيجة لذلك، كانت اختيارات نائلة الشخصية تندمج بشكل لا رجعة فيه مع تطلعاتها السياسية، تقول نائلة: «بالنسبة لي الحياة السياسية والشخصية واحدة، في الواقع إن الحياة اليومية في فلسطين هي حياة سياسية».

عرض فيلم «نائلة والانتفاضة» خلال مهرجان هيومان رايتس ووتش السنوي في لندن الذي افتتح الأسبوع الماضي؛ إذ قالت نائلة للحضور: «أن أكون هنا وأتحدث عن هذه القصة ليس بالأمر السهل بالنسبة لي، وهذا يعيدني إلى الألم الذي شعرت به في ذلك الوقت، وبعد كل هذا وحتى الآن ها نحن هنا ولا يزال الاحتلال مستمرًا».

في بداية الثمانينيات حصلت نائلة عايش على منحة دراسية لاستكمال دراستها في أكاديمية العلوم ببلغاريا، وبينما كانت هناك، التقت بطلاب نشطاء سياسيًّا من جميع أنحاء العالم العربي، كانوا ملتزمين بالقضية الفلسطينية، ومن بينهم زوجها جمال زقوت.

حفزتها المأساة

وجهت نائلة نداءاتها إلى حراس السجن للحصول على المساعدة الطبية، وبلغ التعذيب ذروته بإجهاض مأساوي، وبدلًا من كسر معنوياتها حفزتها سلسلة الأحداث المروعة تلك.

ركزت نائلة عايش اهتمامها على قضايا المرأة بعد عودتها إلى رام الله، وانضمت إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، واستمرت نشاطات نائلة في الجبهة رغم تجريم إسرائيل لتنظيمات السياسية الفلسطينية. وبحلول عام 1987، بدأت إسرائيل بمراقبة تحركات كل من نائلة وزقوت عن كثب.

في إحدى ليالي العام الماضي أثناء تناولها العشاء مع زوجها في منزلهما بمدينة غزة، اعتقلت القوات الإسرائيلية نائلة التي علمت مؤخرًا أنها حامل، وقد نقلت إلى سجن ماسكوبيا في القدس، حيث تم استجوابها مدة أسبوعين بشأن أنشطتها السياسية.

وفقًا لفيلم «نائلة والانتفاضة»، فإن نائلة عانت من أشد أنواع التعذيب أثناء احتجازها؛ إذ تُركت في البرد القارس والمطر، ورُبطت بالكرسي، وجُرت على الأرض، وجهت نائلة نداءاتها إلى حراس السجن للحصول على المساعدة الطبية، وبلغ التعذيب ذروته بإجهاض مأساوي، وبدلًا من كسر معنوياتها حفزتها سلسلة الأحداث المروعة تلك.

العمل الجماعي

بينما تحمل مولودها الجديد حول ظهرها كانت تخفي نائلة عايش المنشورات في أرغفة الخبز، وتسلمها إلى العائلات في مخيمات اللاجئين بغزة.

تم ترحيل زقوت في عام 1988 من غزة إلى القاهرة، بسبب أنشطته السياسية، وهذا قبل أيام من ولادة طفلهما الأول مجد، وفي تلك الأثناء انضمت نائلة عايش إلى القوات النسائية في غزة. لقد قاموا معًا ببناء مؤسسات موازية لرفع سيطرة إسرائيل العسكرية؛ بينما ردت إسرائيل بقوة على رفض الفلسطينيين دفع الضرائب، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية وتعبئتها السياسية، من خلال فرض حظر التجول، والقيام بعمليات اعتقال جماعية، وإغلاق المدارس الفلسطينية، ومهاجمة المتظاهرين. فيما نظمت النساء احتجاجات سياسية جماهيرية. وعندما أغلقت إسرائيل المؤسسات التعليمية قمن بالتدريس في فصول دراسية تحت الأرض، وساعدن في إدارة العيادات المؤقتة، وزاد إنتاج المنتجات المحلية لمواجهة سيطرة إسرائيل الزراعية.

الانتفاضة أبرزها.. هذه أهم 4 أسلحة في يد العرب لمواجهة قرار ترامب

احتجزت السلطات الإسرائيلية نائلة عايش في سجونها مدة ستة أشهر بعد أشهر من ترحيل زوجها بسبب «أنشطته السياسية» وعند إطلاق سراحها، استأنفت نائلة نشاطها ونشراتها الموزعة سرًّا، مع الدعوات إلى العمل بما في ذلك المظاهرات والإضرابات العامة ومقاطعة البضائع الإسرائيلية. بينما تحمل مولودها الجديد حول ظهرها كانت تخفي نائلة المنشورات في أرغفة الخبز، وتسلمها إلى العائلات في مخيمات اللاجئين بغزة.

كانت للفصائل السياسية الرئيسية لجانها النسائية الخاصة بها، والتي تنتشر في الشوارع بانتظام لتبديد شكاويها، وكانت نتائج هذا الضغط ملموسة؛ مما بعثر وضع الاقتصاد الإسرائيلي، وأجبر المجتمع الدولي في نهاية المطاف للجلوس على طاولة المفاوضات في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.

عرقلة الأحداث

تم استبعاد النساء من مفاوضات أوسلو، ومن التشكيل اللاحق للسلطة الوطنية الفلسطينية، على الرغم من كونهن جزءًا من الوفد الفلسطيني في مدريد.

تعتقد كاتبة التقرير أنه ربما كان من الملائم أن ينظر فيلم «نائلة والانتفاضة» إلى اتفاق أوسلو المبرم عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي كان من المفترض أن يسفر عن «حل الدولتين» في غضون خمس سنوات، وفقًا لجوليا شابت اتفاقيات أوسلو نجاحات مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وهذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها إسرائيل وجيرانها العرب على طاولة المفاوضات، تقول جوليا: «في الواقع كان للفلسطينيين القليل من القوة في مدريد بسبب امتلاكهم للقاعدة الشعبية، ولكن أوسلو كانت انقلابًا على ذلك».

تم استبعاد النساء من مفاوضات أوسلو، ومن التشكيل اللاحق للسلطة الوطنية الفلسطينية، على الرغم من كونهن جزءًا من الوفد الفلسطيني في مدريد، ولعبهن دورًا حاسمًا في الكفاح من أجل التحرير. أظهرت الأبحاث أن الحركات السياسية التي تشمل النساء، وخاصة على مستويات القيادة، من الأرجح أن تعتمد تدابير غير عنيفة وتحقق أهدافها، ترى جوليا أن مشاركة المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الأولى، وتكثيف الاحتلال في غيابها عن العملية السياسية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو يتفقان مع تلك النتائج.

تنظر نائلة بشكل آخر إلى الانتفاضة الأولى بشعور ملموس بالحنين؛ إذ تقول: «الوضع مختلف اليوم، وهناك اختلافات كثيرة بين الأحزاب السياسية الرئيسية التي منعت الشباب من التعبئة بالطريقة نفسها التي فعلناها خلال الانتفاضة». وتشير إلى المفارقة التي مفادها أن التقدم التكنولوجي بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي لم يساعد جيل الشباب على تجاوز هذه التحديات، وتضيف: «أنا أقول هذا مع بعض المرارة. انظر إلى كل الذين عانوا والذين فقدوا أرواحهم ومنازلهم، والذين تحملوا الكثير من المصاعب والتي سببها الاحتلال. على الرغم من كل هذا الألم لم نتمكن من الاتحاد والتقدم».

سلاحها التعليم

إن تعليم المرأة يشبه السلاح في يديها، يمكن للمرأة أن تختار أي مسار ترغب في إكماله لكن التعليم أمر حاسم للتمكين. نائلة عايش

يطرح التقرير سؤالًا: «هل هناك مجال للأمل؟» مع الحالة المزرية للعالم العربي ممزوجة بتوسع المستوطنات الإسرائيلية المستمر، وانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقراره بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس. تجيب نائلة: «هذه كلها إشارات للفلسطينيين، إننا بحاجة إلى التركيز على أن نكون متحدين، لن أخبركم أنني متفائلة جدًا لكني سأقول إننا يجب ألا نتخلى عن الأمل أبدًا».

عندما سألت زهراء عما ستقوله نائلة للفتاة الشابة التي تواجه الحرب، أو الإرهاب، أو الطغيان في أي مكان في العالم العربي سواء في فلسطين، أو سوريا، أو اليمن، أو مصر، أو العراق ردت بكلمة واحدة وبشكل متكرر: «التعليم»، تقول نائلة: «إن تعليم المرأة يشبه السلاح في يديها، يمكن للمرأة أن تختار أي مسار ترغب في إكماله لكن التعليم أمر حاسم للتمكين».

سمية الغنوشي: أزمة التيار النسوي العربي

يتسعرض التقرير حياة نائلة الحالية التي تتخذ من رام الله مقرًا لها، ملتزمة بالعمل الاجتماعي، وتمكين المرأة، والنهوض بقيادة المرأة في الحياة السياسية والعامة. وزارت مؤخرًا قرية النبي صالح في الضفة الغربية لإظهار دعمها لعهد التميمي في مسقط رأسها. التميمي هي ناشطة فلسطينية تبلغ من العمر 17 عامًا، والتي تواجه الآن عقوبة حبس في سجون الاحتلال الإسرائيلي بسبب مشاجرة مع الجنود الإسرائيليين. تقول نائلة: «هناك رسالة مهمة في الفيلم لهذا الجيل، تم نقلها من خلال ابني، لقد لعب الجيل الأكبر دوره. حان الوقت الآن لكي يلعب الشباب دورًا نشطًا في المستقبل».

تختتم زهراء حنكير تقريرها بقول نائلة إنها تريد الاستمرار في التركيز على النساء، والدور الذي يمكن من خلاله جمع الناس سويًا، وتريد أن ترى النساء الأصغر سنًّا يلعبن دورًا أكبر في المجتمع، وتؤكد أن كفاحهن لم ينتهِ بعد، فهن صامدات هنا ولن يذهبن إلى أي مكان.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد