كان (جون) في السابعة من العمر عندما قابلته للمرة الأولى. وقتها كان يمرّ بظروفٍ أصعب بكثير مما يمكن لطفلٍ في عمره أن يحتمل. شهِد في سنوات عمره الأولى أباه وهو يغرق في شرب المسكرات مرارًا، وكان كثيرًا ما يحطم محتويات المنزل في سكرته، ويضربه وأمّه. صارعت أمّه كذلك الاكتئاب، وإدمان المخدّرات. وعندما بلغ الخامسة، أخرجته خدمات حماية الأطفال بالولاية من المنزل، ليمرّ بعدد من دور الرعاية. وعلى الرغم من اختفاء والده بعدها، وعدم عودته مرة أخرى، فإن أمه خضعت، بتكليف من المحكمة لجلسات علاجٍ لإدمان التعاطي، وسُمِح لها فيما بعد بأن ترى ابنها، بل استردّت الوصاية عليه، قبل أن نلتقي مباشرةً.

أوصت الولاية أن يتلقّى جون علاجًا نفسيًا، وأحضرته أمّه إلى العيادة الخارجية – العيادة التي كنت قد عُيّنت بها مؤخرًا بعد تخرجّي مباشرة. كان جون يجلس صامتًا في جلساتنا الأسبوعية الأولى، خائفًا من أن يتحرّك في أرجاء المكتب، أو يتناول أيًا من الألعاب، رغم تشجيعي له. علّمه الزمن الحذر. الثقة تحتاج إلى بعض الوقت، في أيّة علاقة، لكن بالأخصّ، عندما تكون كل العلاقات التي حظيت بها، انتهت بكارثة. لذا جلس الصغير صامتًا في الأشهر الأولى، محدّقًا في الألعاب المتراصّة على الأرفف، مراقبًا إياي ألوّن بعض الرسومات، في انتظار انضمامه لي.

ولكن شيئًا ما حدث، حتى في هذه الأيام الأولى، بدأ جون يكتسب حسًّا بأنني شخص مألوف، ومتوقّع. الأُلفة لابدّ أن توجد، لكي نشعر بالأمان الكافي للتعامل مع الآخرين. لم يشعر الطفل بالألفة ناحية سلوكي وفقط، وإنما ناحية المحيط الفيزيائي أيضًا. كان يتوتّر عندما يخرج أي كتاب، أو لعبة من اللعب، عن المكان المألوف، أو إن علّقت صورة مائلة قليلًا، أو اعوجّ البساط اعوجاجًا طفيفًا. وفي النهاية اكتسب من الثقة ما سمح له أن يطلب تصحيح ما يبدو له خارجًا عن النظام، بل وإعادة ترتيب الأشياء ترتيبًا محبّبًا أكثر إلى نفسه.

بدأ جون يظهر مزيدًا مما في داخله. يرسم نفسه وعائلته، في رسومات مفزعة تظهر وحوشًا، وقوىً شريرة تطغى عليه وعلى أمّه. بدأنا اللعب ببيت العرائس، ولم يكن من المفاجئ أن يجعل الطفل الأشرار يقتحمون المنزل، ويؤذون الأطفال بالداخل ويختطفونهم، وتأتي الشرطة في النهاية. على كل حال، يمكن لهذه الألعاب أن تحوّل التجارب السلبيّة للضحيّة، إلى تجارب قوّة، بل وتسلّط في بعض الأحيان. ففي أثناء اللعب على الأقل، يمكن لجون أن يصدر الأوامر؛ هذه المرّة النجدة قادمة حتمًا. هناك أيضًا فائدة علاجية في أن تظهر صدمتك الداخلية لشاهد خارجيّ. بعد مرور عام، قالت والدة جون، ومعلّمه، أن جون قد أصبح أكثر ثقةً، وأقلّ خوفًا، وأنه اكتسب صديقًا جديدًا.

حمل جون، إلى جانب الحزن والتوتّر، الكثير من الغضب، غضبًا حاول أن يدفنه بداخله بعيدًا. الغضب شيء خطير. رآه جون يدفع والده إلى الدمار، إلى الرحيل. وعندما تسلّل الغضب إلى سلوك جون نفسه، أثبتته أمّه قدرتها الاستثنائية على العقاب الشديد، والرفض للكلام معه لفترات تصل إلى عدة أيام. ثمّ بدأ جون، في سنتنا الثانية معًا، يتخذ خطوات متردّدة  يعبر بها عن غضبه. يتكلم عن أطفال ومدرّسين يزعجونه، يخبرني عندما أفعل شيئًا لا يعجبه.

ذات يوم، وبدون أن يستأذن، اتجّه إلى الدرج الذي احتفظ بأوراقي فيه. أخذ ورقة وبدأ يرسم ما يشبه علامة الهدف، ثمّ رسم فوقه وجه امرأة. ولكي لا أخطئ هويتها، أخبرني أن هذه هي والدته. ثم ثبّت الورقة إلى الحائط، وبدأ يرميها بأي شيء يجده. يستجمع سرعته وقوته في الرمي، يبحث عن المزيد من الأشياء ليقذفها. أطلق وابلًا من الأجسام الطائرة على الرسمة، ثمّ انهار إلى الأرض باكيًا. جلست بجانبه، واحتضنته، وأنا أصارع لأكتم دموعي، محاولًا أن أحتويه وأترك في ذات الوقت مساحةَ لدموعه، والكلمات التي استخرجها بهمسٍ خافتٍ عصيٍ على السمع: “أكرهها، أكرهها، أكرهها..”.

كنّا قد وصلنا إلى نقطة تحوّل، ولكن قبل أن أدرك هذا، انتهت علاقتي بجون. لم يطل الوقت بعد هذه الجلسة حتّى تلقيت إخطارًا أنني سيتم تحويلي إلى عيادة بعيدة لن يستطيع جون السفر إليها بسهولة. كانت لدينا بضعة أيام لنودّع بعضنا، رغم أن كل الوقت في العالم، لم يكن ليكفي لإعداد الطفل لخسارته الجديدة. رحلت، بقلب مثقل، تروّعني فكرة أنني أصبحت واحدًا آخر من الكبار الذين خذلوه، ورحلوا عنه؛ واحدًا آخر ممن وثق فيهم جون، وقابلوه بالخذلان، كنهاية حتمية للأمور.

مهنتي هي مهنة زاخرة بالنهايات المبتورة، والوداعات الصعبة. ليس من السهل أبدًا أن تقول وداعًا، حتّى لمريض تحسّنت حالته وصار مستعدًّا للرحيل. ورغم أنّنا نبدأ كل علاج، عالمين جيدًّا أنّه سينتهي يومًا ما، فحين تأتي النهاية الحتمية، لسنين من الارتباط العميق، فإنها تترك أثرها في المعالج. تعلّمت، في الأعوام التي تلت ذلك، كم تتوغل تجارب الوداع هذه في نفوسنا. أتساءل دومًا، هل هم بخير؟ هل حظت (م) بذلك الطفل الذي تمنَته دومًا؟ هل ستبقى زوجة (س) أم ترحل عنه؟ كثيرٌ من القصص، وكثيرٌ من النهايات التي لن أدري عنها شيئًا. كثير من الوجوه التي لن أراها مجدّدًا أبدًا.

High angle view of men walking on opposite directions over arrow signs

التعليق: ليس من السهل أبدًا أن تقول وداعًا، حتّى لمن صار مستعدًّا للرحيل

ثلاثة عقود مرّت، طاردتني فيها ذكرياتي مع جون، الفتى المصدوم الذي يوشك أن يصير رجلًا، وكيف أنني لا أدري ماذا حدث له.

ثمّ رنّ هاتفي، العام الماضي، بعد عطلة الشتاء. كان الوقت متأخرًا، وآخر مريضٍ رحل لتوّه. راودتني نفسي أن أترك المتصل للبريد الصوتيّ. لكن فضولي جعلني ألتقط السمّاعة، رغم أنني لم أميّز الرقم. لا أعتقد أنني سأنسى ما حدث بعدها. أستعيد، لحظة كتابة هذه السطور، هذا الإحساس باستحالة ما يجري، الإحساس بالإثارة، والأمل، والهيبة التي اعترتني هذا المساء.

على الجانب الآخر، كان صوت رجل لم أحدّثه من قبل، معرّفًا نفسه بأنه ذلك الصبيّ الذي تركته ورائي ورحلت عنه، منذ أمدٍ بعيد.

وجد جون اسمي على بطاقة حجزٍ قديمة بينما ينظّف حاجيات أمه، بعيد وفاتها. فكّر، هو أيضًا، في كل ذلك الوقت الذي أمضيناه معًا. الآن هو يصارع حادثة موت أمّه، ولديه كثير من الأسئلة التي يودّ طرحها، حول طفولته، ويأمل إن كان من الممكن أن يتحدّث معي.

أغرقني الحزن والندم، في البدء، ثم تراجعا ليحلّ محلهما أفكار ومشاعر أخرى: إحساس مرتبك بالبعث، إحساس متفائل برغم كل شيء. تدور في رأسي أسئلة حول جون وماذا حلّ به. سأنتظر الإجابة، ولكن هذه المرة ليس للأبد، ولا حتى لوقتٍ طويل.

التقينا، الأسبوع التالي، وأكملنا ما بدأناه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات