في تقرير نشرته مجلة «ذا نيشن» الأمريكية، تحدث الكاتب نِك تيرس زميل بمعهد «ذا نيشن» ومدير تحرير موقع «توم ديسباتش» عن البرامج العسكرية الأمريكية لتدريب الجيوش الأخرى، كما ناقش جدوى هذه البرامج وتأثيرها في حدوث الانقلابات العسكرية.

اقرأ أيضًا: مترجم: هل يمكن أن تشهد أمريكا انقلابًا عسكريًّا؟

الانتصار!

الانتصار! هو شعار البيت الأبيض عند الحديث عن القوات المسلحة الأمريكية. «سوف ندعم الجيش بكل الوسائل التي تمنع حدوث حرب، أو الدخول في الحرب إن لزم الأمر والقيام بشيء واحد. هل تعلمون ما هو؟ الانتصار!» هذا ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه من على متن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جيرالد فورد».

على الرغم من ذلك، فقد دخلت الولايات المتحدة في حروب عديدة، ولم تحقق سوى انتصارات نادرة في تلك الحروب التي كانت مكلفة من حيث الأرواح والأموال رغم عدم تحقيق انتصار حقيقي في أي منها.

«تعاون أمني»

وفقًا للوثائق الرسمية للحكومة الأمريكية، فإن ما لا يقل عن 17 عسكريًا رفيع المستوى – بمن فيهم خمسة جنرالات – ممن تلقوا برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي بين عامي 1985 و2010 اتُّهِموا فيما بعد في جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان.

منذ 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 250 مليار دولار على تدريب عسكريين وأفراد شرطة أجانب. خلال هذه الفترة، قامت الولايات المتحدة بدعم 200 ألف جندي وشرطي وتدريبهم. وفي عام 2015، تلقى 80 ألفًا منهم – من 154 دولة – ما يعرف رسميًا في الولايات المتحدة بالتدريب العسكري الأجنبي. يضم التدريب العسكري الأجنبي الأمريكي برنامجين رئيسيين، هما: برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي «IMET» وبرنامج الشراكة في مكافحة الإرهاب «CTFP».

تضمن الأهداف المعلنة من وراء البرنامجين تعزيز السلام والأمن الدوليين وزيادة وعي العسكريين الأجانب فيما يتعلق بحقوق الإنسان المعترف بها دوليًا. لكن، في الواقع، تركز هذه البرامج على تعزيز شركاء الولايات المتحدة وقواتها الوكيلة في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن نجاحها في هذا الهدف يُعدّ محل شك. «هناك علاقة قوية بين تدريب الولايات المتحدة للجيوش الأجنبية ومحاولات الانقلاب العسكرية»، هذا ما كتبه جوناثان كافرلي، الباحث بكلية الحرب البحرية الأمريكية، وجيسي سافيچ، الباحث بكلية ترينيتي في دُبلن، في مجلة أبحاث السلام.

أشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة تقدم حوالي 200 برنامج منفصل لدعم القوى الخارجية، هذه البرامج تتبناها وزارتي الخارجية والدفاع فيما يطلقان عليه «تعاونًا أمنيًا». تقوم وزارة الدفاع الأمريكية في برنامج الشراكة في مكافحة الإرهاب تدريب مسؤولي الدفاع ذوي المستويات المتوسطة والعليا من الجيوش الحلفاء على مبادئ مكافحة الإرهاب. أما برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي، فوزارة الخارجية هي المسؤولة عن إدارته بشكل أكبر، وإن كانت وزارة الدفاع هي التي تقوم بالتدريب.

خلال برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي، يسافر المتدربون الأجانب إلى الولايات المتحدة لتلقي التعليم والتدريب في الكليات والمراكز العسكرية الأمريكية. «إن برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي مُصمّم ليساعد العسكريين الأجانب على تعزيز علاقاتهم مع الولايات المتحدة، والتدرب على المعدات العسكرية الأمريكية، وتحسين كفاءتهم العسكرية، وغرس قيم الديمقراطية فيهم» هكذا كتب جوشوا كورلانتزيك – وهو متخصص في السياسات الخارجية – في مذكرة لمجلس العلاقات الأجنبية.

ولكن وفقًا للوثائق الرسمية للحكومة الأمريكية، فإن ما لا يقل عن 17 عسكريًا رفيع المستوى – بمن فيهم خمسة جنرالات – ممن تلقوا برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي بين عامي 1985 و2010 اتُّهِموا فيما بعد في جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان، بحسب ما ذكرته لورين تشادويك، الزميلة في مركز النزاهة العامة الأمريكي، في تحقيق نُشر في وقت سابق من العام الجاري.

كما وجدت دراسة أجراها مركز السياسات الدولية الأمريكي – وهو مركز غير ربحي – أن 33 ضابطًا عسكريًا أجنبيًا آخرين ممن تلقوا تدريبًا في الولايات المتحدة ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان بعد ذلك. ويشير الخبراء إلى أن إجمالي المتدربين في الولايات المتحدة ممن ارتكبوا جنايات بعد ذلك أكثر بكثير، إذ أن برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي هو البرنامج الوحيد – من بين برامج أمنية أمريكية كثيرة – الذي يجمع تقارير رسمية عن المتدربين الذين ينتهكون حقوق الإنسان.

يعتبر أمادو سانوجو أحد قصص النجاح العسكرية الأمريكية الناجحة النادرة، على الرغم من أنه ليس أمريكيًا بالإضافة إلى كون نجاحه عابرًا. تعلم سانوجو الإنجليزية في تكساس، وتدرّب على أيدي قوات البحرية الأمريكية «المارينز» في فرجينيا، وتلقى تدريبات مخابراتية في أريزونا، وخضع لتدريب ضباط المشاة بولاية جورجيا، ثم عاد إلى موطنه مالي.

في مارس (آذار) 2012، قاد سانوجو انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة مالي المنتخبة. خلال فترة عمله قائدًا في الجيش المالي، قال سانوجو لمجلة دير شبيجل الألمانية «أمريكا دولة عظيمة، وتمتلك جيشًا عظيمًا. لقد حاولت أن أقوم بتطبيق كل ما تعلمته هناك في مالي». لكن تمت إزاحة سانوجو من السلطة بعد ذلك، واعتُقِل وتمت محاكمته بتهمة التورط في الاغتيال والقتل.

اقرأ أيضًا: أبرز الانقلابات التي شهدتها منطقة الخليج العربي

وسيلة لتنفيذ الانقلابات

وقد وضع كافرلي وسافيچ – في الدراسة التي نُشرت في مجلة أبحاث السلام – تركيزهما على برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي لأنه يدعو بشكل واضح إلى السيطرة المدنية على الجيش.

في الواقع، من المفترض أن تقوم برامج التدريب العسكري الأمريكية بغرس القيم الديمقراطية واحترام المعايير الدولية، إلا أن قيام العديد من المتدربين لدى الولايات المتحدة بانقلابات عسكرية يجعل تلك الأهداف محل شك. إسحق زيدا في بوركينا فاسو، وفيليبي بيامبي في هايتي، يحيى جامع في جامبيا، وعبد الفتاح السيسي في مصر، ومحمد ضياء الحق في باكستان، ومنفذو انقلاب 2009 في الهندوراس، وأمادو سانوجو في مالي، جميع هؤلاء تلقّوا تدريبًا عسكريًا لدى الولايات المتحدة.

تحدّث الجنرال كارتر هام، القائد الأعلى للقوات الأمريكية بأفريقيا سابقًا، عقب انقلاب مالي قائلًا «ربما لم نضع التركيز الكافي على القيم والأخلاقيات العسكرية. أعتقد أن تركيزنا اقتصر على التدريب التقني».

استطاع كافرلي وسافيچ حصر 275 انقلابًا عسكريًا في جميع أنحاء العالم بين عامي 1970 و2009. في 165 من هذه الانقلابات، كان أفراد القوات المسلحة المنقلبين قد أكملوا تدريبهم في أحد برنامجي التدريب الأمريكيين الأشهر قبل عام من الانقلاب.

وقد أشار كافرلي وسافيچ إلى أن عمليات الانقلاب الناجحة ترتبط بشكل قوي بتلقي التدريب والتمويل من جانب برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي الأمريكي، وتوصلا إلى أن المتدربين على أيدي الولايات المتحدة نجحوا في الإطاحة بحكوماتهم في 72 من أصل 165 محاولة انقلاب.

نجاح طفيف

وفقًا لكافرلي وسافيچ، فإن ما ينجح فيه التدريب الأمريكي للقوات العسكرية الأجنبية هو زيادة رأس المال البشري، أي تنمية مهارات المتدربين مثل تكتيكات الوحدات الصغيرة والتخطيط الاستراتيجي، بالإضافة إلى اكتسابهم هيبة وتقدير في بلادهم.

وعلى عكس أشكال المساعدات الأخرى التي تسمح للأنظمة بتوجيه موارد الدولة لحماية النظام من الانقلابات عن طريق رشوة منافسيه أو تعزيز الحرس الرئاسي، فإن التدريب العسكري الأجنبي لا يدع لذلك مجالًا. يقول كافرلي لموقع «توم ديسباتش» بأن إعطاء الموارد إلى سلطة في بلد يفتقر إلى دور المؤسسات يمكن أن ينشئ اختلالًا سياسيًا قد يتطور للسيطرة على الحكومة بأكملها.

فشل ذريع

ذكر التقرير أن برامج التدريب العسكري الأمريكية للقوات الأجنبية لا تحقق المرجو منها. ففي عام 2013، وجد مجلس استشاري تابع لوزارة الخارجية الأمريكية أن المعونة الأمنية الأمريكية ليس لديها وسائل تقييم محكمة ولا استراتيجية متماسكة. وأشار تحليل أعدّته مؤسسة «راند» في 2014 عدم وجود علاقة إحصائية بين التعاون العسكري الأمريكي وتحسن الأوضاع في الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط. كما أشار تحليل صادر عن مكتبة الكونجرس البحثية في 2015 إلى أنه لا يوجد إثبات حقيقي على أن بناء القوات الأجنبية سيكون له تأثير إيجابي على الأمن الوطني الأمريكي.

وفقًا لما جاء في تقرير صادر عن مركز الأمن الأمريكي الجديد في عام 2016، فإنه لا توجد أهداف محددة لبرامج التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، أو معايير لتقييم إذا ما كانت هذه البرامج تتوافق مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، كما ذكر التقرير صعوبة قياس فعالية هذه البرامج بعد تطبيقها.

وفي تقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في 2016 حول برنامج التعليم والتدريب العسكري الدولي، أشار كورلانتزيك إلى أن البرنامج بحاجة شديدة إلى الإصلاح إذ إن البرنامج «لا يتضمن أي نظام متابعة للعسكريين الذين أتمّوا التدريب. من ناحية أخرى، فإن البرنامج غير فعال في تعزيز الديموقراطية ودعم القيادة المدنية للجيش».

بعيدًا عن الدراسات، فقد أثبتت برامج الولايات المتحدة لتدريب الأجانب فشلها بشكل واضح في الشرق الأوسط الكبير طوال السنوات الماضية. يعتبر انهار الجيش العراقي الذي ساهمت الولايات المتحدة في بنائه أمام عدد صغير من مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية»، بالإضافة إلى فشل الجهود الأمريكية لبناء قوة عسكرية جديدة في ليبيا، إلى جانب فشل تدريب الثوار السوريين والذي تكلف 500 مليون دولار، بالإضافة إلى ضعف الجيش الأفغاني، أمثلة كافية على فشل المبادرات الأمريكية لدعم القوات الأجنبية.

إن الولايات المتحدة لها تاريخ سيء فيما يتعلق بالعمل مع القوات العسكرية الأجنبية، فقد ظهرت تقارير – في الشهور الماضية فقط – تشير إلى قيام قوات إما مدرّبة أو مدعومة من قِبل الولايات المتحدة بتعذيب سجناء أو إعدامهم في الإمارات وسوريا والكاميرون والعراق.

وقد شهدت بعض الشخصيات التي دربتها الولايات المتحدة نجاحًا مؤقتًا في الانقلاب على حكوماتهم، مثل إسحق زيدا في بوركينا فاسو، وأمادو سانوجو في مالي. بينما استطاع آخرون البقاء لفترة طويلة في السلطة، مثل يحيى جامع الذي تم نفيه في يناير (كانون الثاني) الماضي بعدما حكم جامبيا لمدة 22 عامًا، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي درس بالكلية الحربية للجيش الأمريكي.

وبحسب كافرلي وسافيچ، فإن أي تدريب عسكري تقدمه الولايات المتحدة يضاعف احتمالية حدوث محاولة انقلاب عسكري في الدولة التي تلقت التدريب، كما أشارا إلى أنه كلما زاد الإنفاق المالي أو عدد الجنود المتدربين لدى برامجها كلما زادت مخاطر حدوث انقلاب عسكري.

في عام 2014، استأنفت الولايات المتحدة دعمها لدولة مالي ضمن برنامج التعليم والتدريب العسكري – بعد أن توقف لعام واحد – مع زيادة تقدر بـ30 ألف دولار، لكن مالي لم تتعافَى أبدً من أزمة انقلاب 2012. ومع نمو الجماعات المسلحة في مالي وانتشارها، تواصل الولايات المتحدة دعمها عن طريق تدريب الجنود المحليين. وفي عام 2012، أنفقت الولايات المتحدة 69 ألف دولار على برامج تدريب العسكريين الماليين في الولايات المتحدة، بينما وصل إنفاقها في العام الماضي إلى 738 ألف دولار.

اقرأ أيضًا: سبع انقلابات غيرت نظام حكم «بوركينا فاسو»

أما بالنسبة للتدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان والعراق واليمن وباكستان والصومال وسوريا على مدار العِقدين الماضيين، فلم يحقق سوى انتصارات تكتيكية ضئيلة في مقابل دخول هذه البلاد في طريق مسدود، ناهيك عن القتل والدمار. ولطالما توّجت جهود التدريب والمساعدات العسكرية الأمريكية لتلك الدول ودول أخرى بفشل ذريع.

وعد ترامب بتوفير الوسائل اللازمة لمنع الحروب، أو الانتصار فيها، لكن البحث الذي قام به كافرلي وسافيچ يشير إلى أن البنتاجون سيحقق استفادة أكبر عن طريق الأدوات التحليلية التي تسلط الضوء على هذه البرامج التي تكلف مئات المليارات التي تأتي بنتائج عكسية، ولا تأتي بـ«انتصارات» سوى لصالح أمثال يحيى جامع وعبد الفتاح السيسي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد