داعش تعيد إحياء الرق من جديد، برغم مدى التطرف الذي وصلت له الدولة الإسلامية إلا أن هذا الأمر بالتحديد يثير قلقًا واسعا في الدول العربية.


 

“غنائم الحرب” هكذا عنونت مجلة دابق؛ وهي مجلة يصدرها تنظيم الدولة الإسلامية باللغة الإنجليزية مشيرة إلى آلاف من النساء اليزيديات اللاتي تم إجبارهن على ممارسة الجنس كنوع من الرق عقب الاستيلاء على مدينتهم “سنجار” في أغسطس من العالم الماضي. بعيدًا عن هذه الأفعال، يرى مقاتلو الدولة الإسلامية أن سبي نساء أعدائهم جزء مما أمرهم به القرآن، وبالتحديد في سورة النساء حيث يحل للرجل الزواج بأربع نساء أو “ما ملكت أيمانهم”.

لقد أخذوا المعنى الحرفي للأمر فقط، مفسرين معنى هذه الكلمات بالنساء الأسيرات في الحرب. كاتبة هذا المقال وهي امرأة تُدعى أم سمية، تحتفي بعودة أسواق الرق من جديد متمنية سقوط ميشيل أوباما زوجة الرئيس الأمريكي ضحية لعمليات الرق، تقول: “أنا ومن معي في المنزل حمدنا الله وفرحنا كثيرًا بوصول أولى الفتيات السبايا إلى منزلنا”. مجموعة من التنظيمات التابعة اتخذت نفس هذا النهج، على سبيل المثال جماعة بوكو حرام النيجيرية التي قامت بخطف فتيات إحدى المدارس في شيبوك (كما في الصورة أعلاه).

تفاعل مع هذه التصرفات مجموعة من رجال الدين الإسلامي معترضين على هذا الأمر: “إن الرق أمر محرم في الإسلام، وإعادة إحيائه ذنب كبير”، كانت هذه الكلمات ضمن بيان أصدره 140 من العلماء المسلمين في رسالة مفتوحة إلى خليفة داعش -أبو بكر البغدادي- في مطلع هذا العام، وتتضمن الرسالة أيضا: “لقد قمت بأسر النساء وإحياء الرق، وفي هذا فتنة وفساد في الأرض”.

لكن في الوقت الذي يتم توجيه اللوم إلى داعش بإعادة إحياء الرق من جديد، كانت هناك عمليات مشابهة سكت عنها قادة سياسيون ودينيون في المنطقة من قبل، في حين تستهدف داعش طائفة ما بشكل كامل، إما عن طريق القتل أو السبي وتتفاخر بذلك، في المغرب يوجد الآلاف من القاصرات يقعن فريسة للعمل كخادمات في المنازل، أيضا في معسكرات اللاجئين السوريين في الأردن، حيث يتم إجبار بعض الفتيات على العمل في البغاء بالإضافة إلى عمليات استغلال وفي بعض الأحيان اغتصاب العاملات في المنازل في دول الخليج.

قام الخلفاء العباسيون باستخدام عبيد أتراك للمحاربة في جيشهم للقضاء على ثورة الزنوج في مناجم الملح جنوب العراق، على مدى بضعة أجيال شكل هؤلاء الأتراك قوة لا يُستهان بها ووصل هؤلاء المماليك الذيم كانوا عبيدًا من قبل إلى حكم مصر في الفترة من 1250 إلى 1517م.

الطريق إلى السلطة

ساهم خلفاؤهم الأتراك العثمانيون في توطيد هذا النظام؛ فعقب غزو جنوب أوروبا في أواخر القرن الرابع عشر قاموا بفرض الجزية واستعباد الأطفال الريفيين الفقراء على أساس أنهم كانوا أكثر وثنية من المسيحيين، وبالتالي ليس لهم الحق في المعاملة الحسنة التي يفرضها الإسلام لأهل الكتاب، وبدلا من مقاومة هذا الأمر، كان الكثير من الآباء سعداء بإهداء أبنائهم ليكونوا عبيدًا لهؤلاء الحكام.

في هذا النظام، كان يلتحق المُستعبدون الذكور بالجيش أو يعملون بالخدمة المدنية، في حين كانت الإناث تعمل كجوار للسلاطين، في الغالب ما تمكن معظمهم في وقت لاحق من تحقيق ثروات كبيرة أو استطاع الوصول للسلطة أيضا، خالف هذا النظام تماما النظام الإقطاعي المنتشر في أوروبا في هذا الوقت، وأنتج جيلًا جديدًا ذا تنوع كبير، فعلى سبيل المثال السلطان محمد الثاني الذي يعد من أعظم الخلفاء العثمانيين والذي حكم في القرن الخامس عشر، كان قد ورث بشرته الفاتحة عن أمه التي كانت من النساء السبايا اللاتي وقعن في يد تلك الإمبراطورية.

انتهى هذا النظام نتيجة لإلغاء تجارة العبيد عبر الأطلنطي في القرن التاسع عشر، في الوقت الذي انتقل فيه المعارضون لتجارة الرق إلى العالم الإسلامي، وفي خلال بضعة عقود تم إسقاط الدولة العثمانية وإمبراطورية الشريفين في المغرب وسلطنة عمان والمستعمرات التابعة لها في غرب أفريقيا.

بتشجيع غربي، ثار كل من الصرب واليونانيين على نظام الجزية، وخوفا من مطامع الفرنسيين الاستعمارية قام مفتي تونس باسترضاء البريطانيين بإغلاق سوق العبيد في 1846. وبعد عدة سنوات تبعه حاكم إسطنبول في هذا الأمر في حين حاولت بعض الأنظمة رفض هذا الإلغاء كسلطان المغرب، وتجار القطن المصريين الذين قاموا بجلب العبيد من أفريقيا لتعويض النقص الناتج عن الحرب الأهلية في أمريكا إلا أنهم لم يصمدوا أمام ضغط المستعمر، ففي عهد القنصل البريطاني، اللورد كرومر قامت الجميعة التشريعية بإلغاء نظام العبودية في نهاية القرن التاسع عشر، بحلول عام 1906 لم يتبق لدى الدولة العثمانية سوى 194 من الرقيق و500 امرأة من الجواري، ولكن حتى هؤلاء تم تحريرهم بعد أقل من عامين.

على مدار قرن كامل في الشرق الأوسط انتهى الرق بشكل كامل، ولو على الصورة الرسمية على الأقل. كل إنسان يولد له الحق في الحرية وليس لأحد الحق في استعباده أو قهره أو استغلاله، هذا ما نص عليه إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام الذي صدر في عام 1990، تبعت الحركات الجهادية ذاتها هذا الإعلان، معلنين رفضهم التام للعبودية.

على الرغم من استنكار الجميع للعبودية، إلا أن الأمر ما زال موجودا حتى الآن، يشير المؤشر العالمي للعبودية (GSI) الصادر عن منظمة أسترالية غير هادفة للربح بالتعاون مع جامعة هال البريطانية إلى أن هناك 14 دولة يصل ما نسبته إلى أكثر من 1% من سكانها مستعبدين، نصف هذه الدول الـ14 هي دول إسلامية مختلفة في منطقة الشرق الأوسط أفقرها موريتانيا وأغناها دولة قطر. تم توجيه بعض الانتقادات إلى المعايير التي تم استخدامها لحساب هذه النتائج، ولكن الواقع يؤكد صدق النتائج إلى حد بعيد.

أحد أكثر أنظمة العمل أيضا إثارة للجدل، والتي نالت انتقادا دوليًا لا حدود له هو نظام الكفالة الذي يربط العمالة المهاجرة بمن يعينونهم للعمل، هذا يختلف عن نظام العبودية الذي تقدمه داعش، حيث يأتي المهاجر طواعية، رغبة منه في تحقيق المال نظرا للفارق الاقتصادي بين دولهم الأم ودول الخليج، ولكن هذا النظام “يؤسس للعبودية” كما يقول نيكولاس مكجيهان – الكاتب بمجال حقوق الإنسان بمنظمة هيومان رايتس ووتش، والمهتم بشأن الأوضاع التي يعيش فيها العاملون في المعسكرات الصحراوية -، 2.4 مليون هو عدد النساء اللاتي يعملن كخادمات في دول الخليج، أغلبهن لا يتمتعن بأقل حقوق قوانين العمل، الكثير منهن أيضا يتم إجبارهن على العمل ويقع العديد منهن فريسة للاستغلال الجنسي.

الكثير من الحكومات الآسيوية قامت بمنع النساء في دولها من العمل كخادمات في الخليج نظرا لقلقهم على سلامتهن هناك، أدى ذلك إلى اتجاه العديد من مكاتب التوظيف إلى دول أفريقية لجلب الخادمات كأوغندا والتي كان لها تاريخ في تصدير النساء للعمل كعبيد، الكثير منهن تم تعذيبهن بقضبان حديدية ساخنة كما يقول السيد مكجيهان، والتي تركت علامات تدل على ذلك.

في مكان آخر من المنطقة، أدى انهيار الأنظمة والقوانين إلى توفير غطاء لعودة هذه الممارسات من جديد؛ مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن أصبحت تمثل مصدرا لتوفير الفتيات العاملات في البغاء في العاصمة كذلك لرجال خليجيين عبر الإنترنت حيث يعرض عليهم الزواج مقابل عمولة تبلغ 140 إلى 270 دولارًا، في الوقت ذاته الذي حذرت فيه منظمات حقوقية دولية قبل واقعة الخطف التي قامت بها بوكو حرام من قيام رجال أعمال نيجرين بشراء النساء “كزوجة خامسة” بجانب ما أحله له الإسلام (4 زوجات) من دولة النيجر المجاورة.

تصر دول الخليج أنها تحاول حل هذه المشكلة، ففي يونيو أقر البرلمان الكويتي قانون حقوق عاملات المنازل، وهي أول دولة خليجية تقوم بهذا الأمر، وهي أول دولة تفتح بابها لإعطاء حق اللجوء للنساء المهاجرات. في قطر مع التخوف من تأثير هذه الأمور علي استضافة كأس العالم في 2022 وعدت بتحسين أوضاع المهاجرين.

بدلا من حل المشكلة، يحاول بعض المسئولين الخليجيين قلب الطاولة على هذه الانتقادات، واتهام أصحابها بفوبيا الإسلام كما كان أسلافهم. أغلقت كل من السعودية وعُمان أبوابهما أمام مجموعات حقوق الإنسان الغربية التي تستقصي أوضاع العاملين الأجانب على أراضيهم. وحتى الآن في قطر والإمارات وحتى مع موجة الانتقادات الواسعة لأوضاع العاملين في بناء ملاعب كاس العالم الذي يقام على أراضي قطر في 2022، استمر رفض دخول مجموعات حقوق الإنسان حتى الآن.

هل من الكثير علينا أن نأمل أن العلماء المسلمين الذين يرفضون العبودية أن يرفضوا أيضا العمالة الإجبارية والأوضاع التعسفية التي يعاني منها العمال؟ يشك النشطاء والمهاجرون إلى الخليج في هذا الأمر، يعاني المهاجرون من صمت سفاراتهم التي تتفادى أي انتقادات قد تقطع عنهم التحويلات المالية، عندما زار ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي دولة الإمارات الأسبوع الماضي اتهمه الهنود المهاجرون بكونهم الأقل أهمية بالنسبة له، في الوقت الذي تولي الحكومات الغربية فيه اهتمامات أخرى أهمها القضاء على داعش، التي يعود ما تقوم به من إعادة إحياء للرق جزئيا إلى استمرار القوانين المتسامحة مع هذا الأمر في المنطقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد