يمكن القول: «إنَّ الخوف قديم قدم الحياة»؛ فهو متأصلٌ بعمق في الكائنات الحية التي نجحت في النجاة من الانقراض طوال مليارات السنين من التطور. ورغم أنَّه أحد أكثر المشاعر حميميةً لدينا، فقد أضحى أداةً في يد الديماجوجيين الذين استخدموه في ترهيب المرؤوسين أو الأعداء، والسيطرة على القبائل بالتحكم في قادتها. لذا فقد صار الخوف أداةً قوية للغاية، بإمكانها تشويه منطق البشر وتغيير سلوكهم.

وفي مقالٍ على موقع «ذا كونفرسيشن»، يعرض آراش جافانكت، الطبيب النفسي وعالِم الأعصاب المتخصص في الخوف والصدمة، بعض الأفكار المثبتة بالأدلة حول الخوف، وكيف يُستغل في السياسة.

نتعلم الشعور بالخوف من أبناء قبيلتنا

مثل الحيوانات الأخرى، يقول جافانكت: «إنَّ بإمكاننا نحن البشر أن نتعلم الشعور بالخوف مما نمر به من تجارب؛ بدايةً من التعرض لهجوم حيوانٍ مفترس، ومن ملاحظة ما حولنا، مثل مشاهدة حيوانٍ مفترس وهو يهاجم إنسانًا آخر، وحتى مما نتلقاه من تعليمات، كأن يخبرنا أحدهم أنَّ هناك حيوانًا مفترسًا بالقرب».

يعد جافانكت أنَّ التعلم من أقراننا، أي أبناء النوع ذاته، هو «ميزة تطورية» منعتنا من تكرار التجارب الخطيرة التي تعرض لها غيرنا من البشر، مشيرًا إلى أنَّ البشر يميلون إلى الثقة في أبناء القبيلة ذاتها ومن يتحكمون في السُلطة، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالخطر.

مترجم: الراحة عند إذلال الآخرين إحداها.. 10 جوانب مظلمة لطبيعتنا البشرية

ويشير إلى أنَّه أمر نتعلمه بالتكيف، واعتياد الانتباه لما يقوله الآخرون، كأن يخبرنا واحدٌ من أقاربنا أو رجل عجوز متقدم في العمر ألا نأكل نباتًا بعينه، أو ينصحنا بألا نذهب إلى منطقة محددة في الغابة، وإلا فسنتعرَّض للأذى. إذا وثقنا به، فلن نموت مثل ذلك الجد الذي تُوفي نتيجة تناول النبات ذاته؛ وبهذه الطريقة تنمو المعرفة داخلنا.

ويقول جافانكت: إنَّ القبلية كانت ولا تزال جزءًا متأصلًا من تاريخ البشرية، فكانت هناك دومًا منافسة بين مجموعات البشر بطرق متباينة وبأوجه مختلفة، بدايةً من القومية الوحشية في زمن الحرب، إلى ما نحمله من ولاءٍ قوي تجاه فريقٍ ما لكرة القدم، لافتًا إلى أنَّ الأدلة المستقاة من دراسات علم الأعصاب الثقافي تُظهر أنَّ أدمغتنا تستجيب بطريقةٍ مختلفة، وبصورةٍ غير واعية، فور النظر إلى وجوه أشخاصٍ ينتمون إلى أعراق أو ثقافات أخرى.

أما على مستوى القبيلة فيقول الكاتب: «إنَّ الناس يكونون أكثر عاطفية ومن ثم أقل منطقية مثلما يدعو مشجعو كلا الفريقين الله ليساعد الفريق الذي يفضلونه في الفوز، على أمل أن ينحاز لأحد أطراف المباراة مثلًا. ومن ناحيةٍ أخرى، تتراجع سلوكياتنا إلى أخرى أكثر بدائية عندما نتعرَّض للخوف، وهي ميزة تطورية تسهم في تماسك المجموعة، وتساعدنا على محاربة القبائل الأخرى من أجل البقاء».

وهذه القبلية بحسب الكاتب هي «الثغرة البيولوجية» التي طالما استغلها عدد من السياسيين، مستفيدين من مخاوفنا وغرائزنا البدائية، وضرب مثلًا على ذلك بالنازية، ومنظمة «كو كلوكس كلان»، والحروب الدينية، والعصور المظلمة.

أعضاء منظمة «كو كلوكس كلان» في وقفةٍ بولاية إلينوي الأمريكية عام 2003 يهاجمون شابًا وهو يحاول الهرب منهم

وأوضح أنَّ النمط المثالي المعتاد لاستغلال القبلية يتمثل في تصنيف الآخرين في فئة أخرى مختلفة، والتفكير في أنَّهم إما سيُلحقون الضرر بنا أو بمواردنا، والتعامل مع أفراد المجموعات الأخرى على أنَّهم مجرد فكرة أو مفهوم.

ولا ينحصر هذا النمط بالضرورة في العرق أو الجنسية، اللذين يستغلهما السياسيون في أحيانٍ كثيرة، لكنَّه قد يشمل أي اختلافٍ فعلي أو وهمي، كالخوف من الليبراليين، أو المحافظين، أو الشرق أوسطيين، أو الرجال البيض، أو اليمين، أو اليسار، أو المسلمين، أو اليهود، أو المسيحيين، أو السيخ، وغيرهم الكثير حسبما ذكر جافانكت.

وببناء الحدود القبلية بين «نحن» و«هم»، نجح بعض السياسيين نجاحًا كبيرًا في تكوين مجموعات افتراضية من الناس العاجزين عن التواصل في ما بينهم، والكارهين لبعضهم دون معرفةٍ مُسبقة، ووفقًا للكاتب: «فتلك هي طبيعة الحيوان البشري في صورتها النشطة».

الخوف ما هو إلا جهل

يروي جافانكت أنَّه في السنة الأولى بعد وصوله إلى الولايات المتحدة، دخل ذات ليلةٍ إلى موقف عام للسيارات بغرض الالتفاف في طريقه، ولاحظ حينها أناسًا مرتدين الزي اليهودي الأرثوذكسي يغادرون معبدًا. للحظة من الزمن، يصف الكاتب كيف انتابه شعورٌ خفي وغريب، لكنَّه كان في الوقت نفسه مألوفًا: شعور الخوف.

مترجم: لهذه الأسباب عليكَ أن لا تكترث لاختبار الذكاء «IQ»

يقول الكاتب إنَّه حاول تعقب مصدر هذا الشعور، إلى أن باغتته الذاكرة: فمسقط رأسه يغلب عليه المسلمون تقريبًا، فضلًا عن أنَّه لم يقابل يهوديًا قط طوال سنوات نشأته. وتذكر أنَّه ذات يوم، عندما كان طفلًا صغيرًا يزور إحدى القرى، رأى سيدة مسنة تروي قصة مجنونة عن اليهود الأرثوذكس الذين يسرقون الأطفال المسلمين ويشربون دماءهم.

لكن لأنَّه نشأ في أسرة مثقفة تحترم الأديان كافةً، إضافةً إلى كونه طبيبًا متعلمًا لديه العديد من الأصدقاء اليهود الرائعين، يقول إنَّه شعر بالحرج من أنَّه أخذ حينها هذه القصة الساذجة غير الحقيقية – ولو قليلًا – على  محمل الجد؛ فقط لأنَّه لم يكن قد التقى يهوديًا في حياته قط على حد قوله.

ويشير الكاتب إلى أنَّ هذه النزعة البشرية تُعتبر طعمًا مثاليًا للسياسيين الذين يسعون إلى استغلال الخوف، موضحًا أنَّه إذا نشأتَ مع أشخاصٍ يشبهونك فقط، ولم تتابع سوى وسائل إعلام تنتمي لتيارٍ بعينه، وصدقت عمك العجوز حين أخبرك أنَّ أولئك الذين ينظرون أو يفكرون بطريقةٍ مختلفة عنك يكرهونك ويشكلون خطرًا عليك، فإنَّ ما تحمله من خوف وكراهية متأصلين تجاه هؤلاء الأشخاص الافتراضيين نتيجةٌ منطقية تمامًا، لكنَّها معيبة.

ولكسب تأييدنا، يوضح جافانكت أنَّ السياسيون، بمساعدة الإعلام في بعض الأحيان، يبذلون قصارى جهدهم لعزلنا، والحفاظ على كون هؤلاء «الآخرين»، الحقيقيين أو الوهميين، «مجرد مفهوم»؛ لأنَّه إذ صادف وأمضينا بعض الوقت معهم، وتحدثنا إليهم، وأكلنا برفقتهم، سندرك أنَّهم بشر مثلنا، يتحلون بكل نقاط القوة والضعف التي نمتلكها، وفق كاتب المقال.

الخوف غير منطقي وغالبًا أهوج

يقول جافانكت إنَّه في كثيرٍ من الأحيان يبدأ عملاؤه المصابون بالرهاب الجلسة بقول: «أعلم أنَّ ما سأقوله يبدو غبيًا، لكنَّني أخاف من العناكب»، وأحيانًا ما يأخذ الرهاب أشكالًا أخرى، مثل الخوف من الكلاب، أو القطط، أو أي شيءٍ آخر.

ويجيب هو دائمًا بأنَّ هذا الأمر «ليس غبيًا، لكنَّه غير منطقي». ويفسر رده ذلك قائلًا: إنَّ الخوف يتجاوز في كثيرٍ من الأحيان المنطق، الأمر الذي يرجع لعدة أسباب، أولها أنَّ المنطق بطيء، والشعور بالخوف أسرع منه. فعند التعرض للخطر، علينا أن نتحلى بالسرعة، فتكون ردة فعلنا الأولى هي الكر أو الفر، ثم يأتي التفكير لاحقًا.

مظاهرة لمؤيدي التيار اليميني في ألمانيا بعد مقتل مواطن ألماني عام 2018، رفع فيها بعض المتظاهرون تحية هتلر الشهيرة.

وبحسب الكاتب، غالبًا ما يستغل السياسيون ووسائل الإعلام الخوف للتحايل على منطقنا، ويصف وسائل الإعلام الأمريكية بأنَّها «تصور الكوارث كما لو كانت موادًا إباحية»، فهي تبذل جهدًا ضخمًا في إثارة مشاعر الجمهور، وتشبه إلى حدٍ كبير برامج تليفزيون الواقع، لذا يجدها أي شخص من خارج الولايات المتحدة مفاجئة ومدهشة.

ويفسر الكاتب سبب رأيه ذاك في وسائل الإعلام والسياسيين قائلًا إنَّه عندما يقتل شخصٌ ما بضعة أشخاص آخرين، في مدينة تضم الملايين من السكان (وهي مأساة بالطبع)، قد تؤدي تغطية الشبكات الكبرى للحادثة إلى نشر فكرة أنَّ المدينة بأكملها محاصرة وغير آمنة. وإذا قتل أحد المهاجرين غير الشرعيين وغير المسجلين مواطنًا أمريكيًا، فإنَّ بعض السياسيين يستغلون ما ينشأ بداخلنا من خوف، بما يمنع أن يدور بذهن أحدنا الأفكار التالية: «هذا أمر فظيع، لكن كم عدد الناس الذين قُتلوا على يد مواطنين أمريكيين في ذلك اليوم بعينه؟»، أو «أعرف أنَّ هناك الكثير من جرائم القتل التي تحدث أسبوعيًا في هذه المدينة، لكن لماذا أشعر بالخوف الشديد تجاه هذه القصة بالذات، التي تصر وسائل الإعلام على تناقلها؟».

ويوضح الكاتب أنَّنا لا نطرح هذه الأسئلة، لأنَّ الخوف يتجاوز المنطق.

يمكن للخوف أن يصير عنفًا

يرى جافانكت أنَّ هناك سببًا وراء تسمية ردة الفعل المقابلة للخوف استجابة «الكر أو الفر». ويقول إنَّه رغم أنَّ تلك الاستجابة ساعدتنا على النجاة من الحيوانات المفترسة والقبائل الأخرى التي سعت لقتلنا في الماضى، لكنَّها في الوقت نفسه تعتبر ثغرة أخرى في بنيتنا الحيوية يُساء استخدامها. فعن طريق إخافتنا، يوجه الديماجوجيون عدائنا تجاه «الآخرين»، سواءٌ بتخريب معابدهم، أو التحرش بهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إنَّه عندما ينجح الديماجوجيون في السيطرة على شعورنا بالخوف، فإنَّنا غالبًا ما نتراجع إلى كوننا حيواناتٍ بشرية، غير منطقية وقبلية وعدوانية، ونتحول عندها إلى أسلحةٍ يستخدمها السياسيون لمصلحة أجنداتهم الخاصة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد