هل «جنية الأسنان» حقيقية؟ ماذا عن «جامع القمامة»؟

قد تبدو هذه الأسئلة تافهة، لكن الكيفية التي يجيب بها الأطفال عنها، تمثل مؤشرًا هامًا على “النمو الإدراكي” لديهم.

اعتُبر الخيال لسنوات عدّة، وسيلة الأطفال للهروب من الواقع، حتى إذا ما بلغوا سنًا معينة نحّوه جانبًا واتجهوا للتعامل مع العالم الواقعي. لكن مؤخرًا، أدرك خبراء تنمية الطفل، وعلى نحو متزايد، أهمية الخيال والدور الذي يلعبه في فهم الواقع، حيث يبدو الخيال ضروريًا للتعلّم والمعرفة المتعلقة بأناس أو أحداث لم يتَح لنا التعامل المباشر معها، كأحداث التاريخ، أو ما يجري بعيدًا في الجانب الآخر من العالم، وكذلك بالنسبة للأطفال الصغار، يتيح الخيال لهم النظر والتفكير في المستقبل، مثل تفكيرهم في ما يريدون القيام به عندما يكبرون.

في هذا السياق يقول “بول هاريس”، وهو طبيب مختص في علم نفس النمو وأستاذ في كلية هارفارد والذي يدرس الخيال: “كلما فكرت في الحرب الأهلية، أو الإمبراطورية الرومانية أو ربما الله، فأنت تستخدم خيالك، فالخيال ضروري وجوهري للتفكير في الواقع، لا مجرد عالم منفصل كما اعتدنا اعتباره دومًا”.

كذلك يهتم علماء نفس آخرون مثل “جاكلين وولي” – وهي أستاذة في جامعة تكساس – بدراسة عملية “التفكير السحري” أو الحياة الخيالية للطفل، والكيفية التي يميّز بها الأطفال بين ما هو واقعي وما هو غير واقعي.

ويأمل العلماء أن فهم كيفية تطور الإدراك لدى الأطفال سيساعدهم أيضًا على فهم أفضل لحالات تأخر النمو وحالات مرضية أخرى مثل التوحد. فعلى سبيل المثال، يقول الدكتور “هاريس” أن هناك أدلة على أن الخيال وألعاب تقمّص الأدوار تلعب دورًا رئيسيًا في مساعدة الطفل في اتخاذ وجهة نظر شخص آخر والتفكير من خلالها، بينما من ناحية أخرى نجد الأطفال المصابين بالتوحد لا يشاركون في أغلب ألعاب التظاهر (وهي التي يقوم فيها الأطفال بتقمّص أدوار وشخصيات أخرى، خيالية أو حقيقية) مما حدا بالبعض إلى القول بأن عدم وجود مثل هذه الأنشطة يساهم في العجز الاجتماعي وضعف التواصل لدى هؤلاء الأطفال.

أجرت مجموعة الدكتورة “وولي” سلسلة من الدراسات في مختبر أبحاث الأطفال تضمنت شخصيات “سانتا” (بابا نويل)، “ذا توث فيري” (جنية الأسنان) وشخصية أخرى حديثة الظهور ومعروفة باسم “ساحرة الحلوى”، وذلك لأجل دراسة السن التي يصبح الأطفال قادرين فيها على التمييز بين الكيانات الواقعية والخيالية، وكيف يعالجون سياقاتها والإشارات والتلميحات التي تتضمنها.

سانتا كلوز

وفي دراسة شملت 91 طفلًا، سألت د. وولي الأطفال الصغار عما إذا كانت بعض الشخصيات حقيقية أم لا، وركزّت تحديدًا على سانتا كلوز وجامع القمامة، وجدت أن 70% من الأطفال في سن الثالثة يعتقدون بأن سانتا (بابا نويل) شخصية حقيقية، بينما 78% اعتقدوا بوجود رجل القمامة، ووصولًا إلى سن الخامسة ازداد يقين الأطفال بشأن رجل القمامة، وكذلك وصلت نسبة المؤمنين بوجود بابا نويل إلى ذروتها، فكانت حوالي 83% ولم يتغير ذلك حتى السابعة، أما في سن التاسعة اعتقد الثلث فقط بوجود بابا نويل، في حين اتفق الجميع تقريبًا على وجود رجل القمامة وجودًا حقيقيًا.

تساءلت د. وولي عن سبب اعتقاد الأطفال بسانتا حتى سن الثامنة رغم امتلاكهم التمييز الأساسي بين ما هو واقعي وما هو غير واقعي في سن الثالثة؟

تجيب، وجد الباحثون أنه رغم كون الأطفال الصغار في سن الثالثة يفهمون معنى ما هو حقيقي وواقعي وما هو غير ذلك، لكنهم خلال تلك المرحلة وحتى الوصول لسن السابعة يمكن تضليلهم بسهولة عن طريق كلمات الكبار المقنعة و”الأدلة”. وتضيف د. وولي “إنهم تمسّكوا بمعتقداتهم حول بعض الشخصيات الخيالية – مثل سانتا – لفترة أطول من غيرها مثل الوحوش والتنانين، قد يرجع ذلك لأن معظم الأطفال في الدراسة كانوا مسيحيين، وربما انخفض عدد المؤمنين بوجود سانتا إذا كانت العينة تتضمن تنوّعًا أكبر لخلفيات الأطفال الدينية”.

المصدر: The Wall Street Journal

دليل وجود سانتا

ترى د. وولي أن وجود سانتا يبدو منطقيًا عند تتبع الأمر من وجهة نظر الأطفال، فنجد سانتا وجامع القمامة يشتركان في بعض الخصائص، فكلاهما ممن سمع الأطفال بهم ولكن لم يلتقوهم مباشرة، كذلك لدى كل منهما دليل يثبت وجوده، وهو الهدايا التي تظهر صبيحة عيد الميلاد في حالة سانتا، أو اختفاء القمامة في حالة جامع القمامة، فالطفل ذو الخمس سنوات لديه المهارات الإدراكية اللازمة لوضع قطع الدليل المتناثرة جنبًا إلى جنب، لكنه يصل لاستنتاج خاطئ لأن هذه القطع مُضللة. أما من هم أصغر فلا يملكون هذه المهارات الإدراكية لجمع أجزاء الدليل معًا، لذا عادة ما يكونون أقل اعتقادًا بوجود سانتا. كذلك وجد أن واقعية بعض الشخصيات الأخرى تضع الطفل في حيرة، مثل شخصية إلمو في “عالم سمسم”، فالطفل يعرف أنه دمية لكن هل يجعله هذا حقيقيًا أم لا؟!

أرادت د. وولي أن تبحث أيضًا في أنواع السياقات والإشارات الأكثر إقناعًا للأطفال، ففي تجربة أخرى شملت 44 طفلًا، ذهب فريقها البحثي لفصول دراسية خاصة بالأطفال دون سن المدرسة وأخبروهم عن شخصية جديدة يطلق عليها “ساحرة الحلوى”، وهي سيدة طيبة تأتي في عيد الهالوين لتستبدل الحلوى التي جمعها الأطفال بألعاب جميلة، كما عرضوا لهم صورة للساحرة، وفي بعض الحالات طلبوا من أولياء الأمور تقديم “دليل” لأطفالهم على وجود الساحرة، وأن يقوموا هم بتبديل حلوى الأطفال بالألعاب ووضعها في المنزل.

وجاءت النتائج بأن ما يقرب من ثلثي الأطفال اقتنعوا بأن “ساحرة الحلوى” حقيقية، وكان الأطفال الذين زارتهم الساحرة هم الأكثر اقتناعًا من بينهم. وكما هو الحال مع سانتا كلوز، فالأطفال الأكبر سنًا، ومتوسط عمرهم 5 سنوات، كانوا أكثر اقتناعًا من الأطفال الأصغر سنًا، ومتوسط عمرهم 3 سنوات، ونُشرت هذه النتائج في دورية العلوم التنموية في عام 2004.

مستحيل أم مُستبعَد؟

تدرس الدكتورة “وولي” هي وطلابها حاليًا مفهومًا آخر ذا صلة بالواقع: وهو عندما يكون حدث ما “مستحيلًا” في مقابل أن يكون “مُستبعَدًا”.
حيث يظهر الباحثون صورًا للأطفال مع إعطائهم وصفًا موجزًا عنها، ثم يسأل الطفل عما إذا كان يعتقد أن هذا مشهدًا حقيقيًا أم لا، فإن كان يعتقده حقيقي يقوم بوضعه على رف للكتب حيث تحفظ فيه “الأشياء التي يمكن أن تحدث في الواقع” أو يذهب به لرف آخر للأشياء غير الحقيقية.

ومؤخرًا، في صباح أحد الأيام، وصلت إلى المختبر الطفلة “ميا” ذات الخمس سنوات بصحبة والدها وحصان بلاستيكي أرجواني اللون، وكان أحد السناريوهات التي سُألت بشأنها عن “فتاة تدعى سارة، وتمتلك طاووسًا كحيوان أليف، هل تعتقدين أن ذلك حقيقي؟” فأجابت على الفور: “ليس حقيقيًا”، وعند سؤالها عن السبب أجابت “لا أحد يمتلك طاووسًا”، أما السيناريو الآخر فكان “قفزت جوليا في الهواء لأعلى ولم تعد للأسفل مرة أخرى” فاختارت ميا كذلك أنه غير حقيقي بسبب أنه “لا يرغب أحد أن يعيش في السحب حيث لا يمكنه رؤية السماء”.

تعلّق الدكتورة “وولي” على نتائج التجربة قائلة بأن ردود ميا جاءت نموذجية بالنسبة لسنّها، وتشير النتائج الأولية إلى أن الأطفال في عمر الخمس سنوات لا يملكون القدرة بعد للتمييز بين ما هو “مستحيل” وما هو “غير مرجح” لكن من الممكن أن يحدث من الناحية العملية،
وفي المستقبل تتطلع د. وولي لبحث تأثير “غرابة الموقف” الذي يطرحه الباحث على إجابة الطفل بكونه حقيقيًا أم لا.

ما الذي يجب على الوالدين فعله؟

تقول د. وولي إنه من المهم – لكن ليس من الضروري – للآباء والأمهات تشجيع ألعاب الخيال لدى أطفالهم، فإن كان الطفل يملك بالفعل صديقًا خياليًا يصبح دورهم متابعة تقدم ابنهم وتشجيعه، وبالمثل مع “سانتا”، أي إذا بدا الطفل متحمسًا للفكرة، فيمكن للوالدين تشجيع ذلك، أما إذا اختار الوالدان عدم تعريف أبنائهم بالشخصيات الخيالية وعدم تشجيعهم على الاستغراق فيها فلا مشكلة، لكن يجب البحث عن بدائل أخرى لتشجيع خيال أطفالهم مثل اللعب بالملابس والتنكّر في هيئات شخصيات مختلفة أو قراءة الروايات والقصص.

تقمّص الأطفال لشخصيات أخرى ينمّى تفكيرهم في ما يريدون فعله في المستقبل، وتقبَل وجهات النظر المختلفة.

 

وإذا تساءل الطفل بشأن ما إذا كانت “جنية الأسنان” أو “سانتا” حقيقيين، فيفضل قيام الوالدين بمحاولة تقييم مدى شك أبنائهم في وجودهم، فإذا كانت شكوكهم مرتفعة وقوية ربما يدل ذلك على أنه الوقت المناسب لمصارحة الطفل بالحقيقة، أو إذا أراد الوالدان القيام بالأمر بشكل مثالي، يجب عليهم توجيه الأطفال لاكتشاف الحقيقة بأنفسهم، عن طريق طرح أسئلة عليهم من قبيل “هل رأيت أو سمعت شيئًا يدل على أن سانتا غير حقيقي؟” و”ما رأيك؟”.

وفقًا لـ “مارجوري تايلور” أستاذة علم النفس في جامعة ولاية أوريغون، مؤلفة كتاب “الأصدقاء الخياليون ومبتكروهم من الأطفال”، فإن ألعاب الخيال لدى الأطفال ترتبط بصفات إيجابية أخرى، فعلى سبيل المثال، يتميز أطفال مرحلة ما قبل المدرسة (ممن يملكون أصدقاء خياليين) بأنهم أكثر إبداعًا، ولديهم قدرًا أكبر من الذكاء الاجتماعي، والقدرة على تفهّم واتخاذ وجهات نظر الآخرين، كما أضافت “يمكن أيضًا استخدام أصدقاء الأطفال الخياليين لمساعدتهم على مواجهة المتاعب والضغوطات، فقدرة الأطفال على التظاهر والتخيل هو مصدر قوة لهم، ويمكنهم حل المشكلات باستخدام خيالهم”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد