هل هناك أي أمل في تعاون عالمي في هذا العالم الجديد الذي تحكمه الصراعات بين الدول والصراعات القبلية؟

يقول الكاتب إنه قضى الأسبوع الماضي منخرطًا في صراع جيوسياسي، ليس في شرق أوكرانيا ولا في جنوب بحر الصين، بل في جامعة نيويورك فرع “أبو ظبي”، أحد أقل الأماكن التي تشهد نزاعات في العالم، وذلك أثناء حضوره مؤتمرًا يعقده معهد بروكنغز بعنوان «السلام الدولي والتعاون في عصر التنافس العالمي». وقد اتفق المجتمعون من سياسيين ومفكرين، الذين جاؤوا من الولايات المتحدة وأوروبا وبلدان نامية، على أننا دخلنا عالمًا جديدًا، يشبه إلى حد كبير العالم القديم، ولكن يميزه تزايد الصراعات بين الدول.

تحفظ قليل من الحاضرين في الحديث في البداية. أحدهم، الكاتب، قال إن العودة إلى حقبة الصراع بين الدول كانت بمثابة هدية لنادي اللاعبين في مجال السياسة الخارجية، التي أصابها الارتباك في السنوات الأخيرة بفعل صعود نجم أطراف غير حكومية فاعلة، وبسبب الانتفاضات الشعبية، وأيضًا بسبب المشكلات «الناعمة» مثل مشكلة التغير المناخي. وفجأة بُعثت نظرية العالم الواقعي للعلاقات الدولية من الموت.

المشكلة هي أنه في الوقت الذي يعتبر فيه صعود القوى غير الحكومية، وعلى رأسها تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة، هو المسئول الحقيقي عن العديد من أسوأ الصراعات في العالم، فمن الحقيقي أيضًا القول إن دولًا كبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وإيران والسعودية، على استعداد لاستخدام الإكراه والقوة بشكل لم يشهده العالم منذ عقود.

لقد رثى كيسنجر طويلًا عدم استعداد الأمريكيين لتقبل حقيقة أن العلاقات الدولية تتكون بالأساس من صراع وحشي على المصالح بين الدول. يذكر كيسنجر في كتابه الأخير «النظام العالمي» أن القادة الأمريكيين منذ عهد وودرو ويلسون قد نظروا إلى السياسة الخارجية على أنها صراع يهدف إلى تحقيق العدالة بدلًا من كونها «مسعى دائمًا إلى تحقيق الأهداف المحتملة». وهكذا، بقيت السياسة الخارجية الأمريكية «بعيدة عن منطق التاريخ أو المنطق الجيوسياسي».

يمثل هذا أحد جوانب القصة، أما الجانب الآخر فهو الأحداث التي تقع حاليًا. فقد منحت حالة قمع المنافسة بين الدول في أعقاب الحرب الباردة، والظهور المفاجئ للاعبين غير الحكوميين، وبروز مجموعة جديدة من المشكلات العالمية، منحت كلها سببًا لأولئك الذين ارتدوا عن معادلات سياسة القوة التي ليس لها أية نتائج ملموسة حتى يشعروا بأن النموذج الواقعي قد أصبح قديمًا. في الواقع، لقد كان جورج دبليو بوش هو من أحدث اختراقًا حقيقيًّا في التفكير التقليدي للولايات المتحدة. ففي استراتيجيته الخاصة بالأمن القومي التي كشف عنها في عام 2002، أعلن بوش أن التهديدات الرئيسية الموجهة نحو أمريكا لم تعد قادمة من دول، وإنما “من شبكات خفية من الأفراد”. فقد تتطلب السياسة الخارجية تغيير الولايات المتحدة من داخلها، وليس تغيير سلوكها فقط.

بالطبع، لم تسر الأمور على النحو المطلوب. أصبح باراك أوباما رئيسًا ووعد بإنهاء تلك الحملة، وليس باسم استعادة الواقعية. لقد اعتقد أوباما أن المشكلات البارزة لم تكن مشكلات داخلية وإنما لها بعد عالمي. وهذه المشكلات الجماعية تتطلب قدرًا غير محدود من التعاون. وما كان واعدًا بشأن أوباما هو اعتقاده بأن تلك المشكلات العالمية شكلت صورة جديدة من المصالح القومية، ويمكن الجدال حولها على هذا الأساس. لقد كان التدويل، وليس الإرهاب، هو من ألغى النظام القديم. لقد صرح أوباما قائلًا: «إن السعي إلى الهيمنة لم يعد لعبة بلا نتائج».

لا بد من الاعتراف بأنه كشف عن تلك المشاعر الجميلة في روسيا، التي هي مكان عادة ما يُنظر فيه إلى الألعاب التي لا نتائج لها بوصفها أفضل سيناريو محتمل. وقد أدرك أوباما سريعًا أن الدول الأخرى، على الأقل خارج الاتحاد الأوروبي، لم تكن ترغب بالاجتماع مع حراسهم من الملائكة. لقد كان أوباما محقًا بشأن الأهمية الكبيرة للمشكلات العالمية، لكنه كان مخطئًا بشأن السعي نحو الهيمنة. الأكثر من ذلك، أنه عرض هذه المعاملة بالضبط في اللحظة التي تبنت فيها الدول، التي احتاج إلى تعاونها معه وعلى رأسها روسيا والصين، بشكل متزايد نهج المواجهة. وقد كان أوباما بطيئًا في تقبل ذلك.

لكن العالم الذي نعيش فيه الآن بالكاد يتبنى أفكار كيسنجر، فقد أصبحت العلاقات بين الدول أكثر تصادمية أكثر مما كانت عليه قبل عقد مضى، لكن الدول أصبحت أضعف مما كانت عليه، وأقل قدرة على التحكم في قوى الاستياء الشعبي، والانقسام الثقافي، وندرة الموارد، وانهيار البيئة. ولم تعد الولايات المتحدة تملك الإرادة أو القدرة لطمأنة الحلفاء أو إخافة الأعداد كما كانت يومًا. إن قدرًا كبيرًا من السعي إلى التدخل في شئون الدول الأخرى، وخاصة في الشرق الأوسط، يهدف إلى التحكم في الفوضى التي تسببها تلك القوى التي تتكاثر بسرعة كبيرة.

لننظر إلى ليبيا. إن العاصفة التي تضرب ليبيا لم يكن السبب فيها جيران عدوانيين، وإنما انهيار قائد مستبد مكروه، والذي عمل على تفريغ البلاد مما يحافظ على هويتها المحلية حال حدوث فراغ في السلطة. حيث تعمل جهات حكومية فرعية وأخرى توالي دولًا إقليمية على تقطيع أوصال البلاد. لكن الفصيلين الليبيين الرئيسيين لهما أيضًا رعاة خارجيون، مصر والإمارات وتركيا وقطر. أو دعونا ننظر لليمن، حيث تبدو السعودية أنها تقود حربًا بالوكالة في مواجهة إيران. إن أي صراع بين الدول السنية، أو بين السنة والشيعة، سيبقي الدول الفاشلة في المنطقة على صفيح ساخن، وسيجعل من جهود الوساطة أمرًا بلا جدوى.

باختصار، إن اعترافنا بأننا نعيش في عالم يزداد فيه الصراع الجيوسياسي لا يعني إضعاف القوى التي تتجاوز الدول أو تزدهر معها، بما في ذلك مطالبة الشعب بحياة أفضل عن تلك التي تقدمها لهم الحكومة. إن الكفاءة السياسية الآن تعني القدرة على مواجهة، أو على الأقل الاعتراف، كلا المشكلتين في آن واحد. كانت إحدى المشكلات العالمية التي حددها أوباما في بداية ولايته هي مشكلة الدول الفاشلة والهشة. هذه المشكلة تبدو أكثر إلحاحًا اليوم. ولن يكون هناك جواب طويل الأجل على الصراعات في العالم العربي حتى تحقق تلك الدول الحد الأدنى من الشرعية. ولكن لن يكون هناك جواب دون نوع من القوة الدبلوماسية التي تقنع الجيران بوقف الصيد في الماء العكر.

لم يكن المؤتمر الذي عقده معهد بروكنغز، ولكن ليس هناك كشف لأي أسرار عند القول بأن المتحدثين أكثر اقتناعًا بكثير “بالتنافس العالمي” عن اقتناعهم “بالسلام والتعاون الدولي”. لقد كان اليأس مسيطرًا على المناخ العام. من الناحية الفعلية، يتوق الجميع لمزيد من “القيادة الأمريكية”، ولكن لم يكن ثمة توافق حول ما يعنيه ذلك. هل يتعين على واشنطن رسم حد في جنوب بحر الصين، وإمداد كييف بالسلاح، أو التحريض على السعوديين والإماراتيين بسبب تحالفهما ضد إيران؟ أم هل تتطلب القيادة “صبرًا استراتيجيًّا”، وهو مصطلح أطلقه أوباما يستحضره المتحدثون على سبيل الإعجاب والتحقير على حد سواء؟ هل يتعين أن يطغى التصدي للدول الرجعية على الحاجة إلى التعاون حول المشكلات الدولية؟ مثلما سأل ستيفن والت، هل نحن على استعداد للتضحية بالتعاون مع الصين حول مشكلة التغير المناخي من أجل الضغط عليهم في مشكلة جزر سبراتلي؟

نحن ندرك الجواب الذي يطمح الجمهوريون الحصول عليه من عام 2016. ربما لا تكون النزاعات الجيوسياسية هدية لمحترفي السياسة الخارجية، لكنه يمثل كنزًا استراتيجيًّا بالنسبة للحزب الجمهوري. سوف نسمع خلال العام والنصف القادمين حول كيف أن روسيا والصين وإيران تركت عراقيل في طريق باراك أوباما. سنسمع من الدكتور كيسنجر عن النظام العالمي. يختتم الكاتب مقاله بتوجيه رسالة إلى هيلاري كلينتون، التي يصفها بشخصية عنيدة روجت طويلًا لمزايا المشكلات الناعمة، الرسالة مفادها أنها ستكون في موقع أفضل لدحض تلك الحجج السطحية أكثر من أي شخص آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد