أعزى الباحثون أغلبية مضار الفقر للإحساس النفسي بالعوز والحرمان.

هكذا استهلت الصحافية والكاتبة إليزابيث كولبرت مقالها بمجلة «ذا نيويوركر» الأمريكية، وأضافت: يتصدر لاعبو الرياضة، والقائمون عليها، من مدربين، ومديرين، قوائم الأشخاص الأعلى أجرًا في أغلب المجتمعات، يجاورهم في ذلك صناع الترفيه الذين تتصل أعمالهم بالسينما، والتليفزيون، والدراما، والأغاني، فرأينا مثلًا چيم مورا، المدرب السابق لفريق كرة القدم الأمريكية بجامعة كاليفورنيا، يتقاضى 3.5 ملايين دولار سنويًا، وهو الأعلى أجرًا بين موظفي الولاية لعام 2016، يليه زميله كونزو مارتن مدرب كرة السلة في المركز الثاني بإجمالي راتب مليوني و930 ألف سنويًا، ناهيكم طبعًا عن أضعاف هذه المبالغ التى يمكن أن يتقاضاها ممثل واحد.

كما ذكر تقرير لمجلة «فوربس» حصول أعلى 10 ممثلين على ما يقارب مجموعه 500 مليون دولار عن عام 2016 وحسب. سجلت أجور الممثلين وبعض الرياضيين تخطيًا ملحوظًا للحرف الأخرى من حيث العوائد، بينما موظفو المؤسسات الحكومية لا تتخطى أجورهم ثلاثة أرباع مليون دولار سنويًا، فعميد أطباء الأسنان بمستشفيات الولاية فيكتور خليل بالكاد يتقاضى 686 ألف كل عام. أيضًا آن نيفيل مدير مكتب بحوث كاليفورنيا تنال 135 ألف. وچون سميث الموظف المؤقت بمصلحة الضرائب الكاليفورنية الذى يحوز قرابة 13 ألف دولار سنويًا.

توصلت كولبرت إلى هذه الأرقام من خلال قاعدة بيانات مرتبات موظفي ولاية كاليفورنيا من الأعوام 2007 وحتى 2017 التي أعدتها صحيفة «الساكرامنتو بي»، والتي تحتوي على البيانات الخاصة برواتب أكثر من 300 ألف شخص يعملون في مختلف قطاعات ولاية كاليفورنيا، واليوم يعلم أغلب موظفي الولاية بشأن قاعدة البيانات هذه، لكن الأمر لم يكن هكذا وقت إنشائها عام 2008؛ الأمر الذي أتاح لأربعة من علماء الاقتصاد القيام بتجربة نذكر مجرياتها تباعًا.

علاقة توزيع الموارد بنفسيات الأفراد

أجريت هذه التجربة بواسطة أربعة خبراء اقتصاديين لاختبار نظريات متباينة خاصة بغياب العدالة الاجتماعية. ذهبت إحدى هذه النظريات، وهي نظرية «النموذج العقلاني للتطوير الذاتي»، إلى فرضية تقاضي الناس رواتبهم استنادًا إلى الفرص المتاحة لهم، وعليه تتبدل أولوياتهم وتتغير توقعاتهم المستقبلية، فإذا ألموا بتقاضيهم رواتب أقل من زملائهم، تحفزوا للإبداع؛ ليزيدوا عوائدهم، منتظرين زيادة في الراتب تتوج مجهوداتهم، في حين يضرب الفتور عزائم المتيقنين من حصولهم على مرتبات عالية، وبالتالي تتغير توقعاتهم المستقبلية في جهة مغايرة.

على النقيض، تذهب نظرية أخرى – نظرية الدخل النسبي – لفرضية استجابة البشر لعدم الإنصاف عاطفيًا، وليس عقلانيًا، فتفترض النظرية أن المتأكدين من تقاضيهم رواتب أقل لا يرون في ذلك علامة لتوقع زيادة في العائد، إنما ينظرون إليه كدليل دامغ على عدم تقدير أرباب العمل لكفاءاتهم بالشكل المطلوب، وبالتالي يسخط ذوو المرتبات القليلة، بينما يشعر بالرضا كل متوثق من ارتفاع راتبه عمن حوله.

بعث الباحثون برسالة لآلاف الموظفين يلفتون أنظارهم لوجود قاعدة البيانات سالفة الذكر. قامت هذه الصفعة بزيادة أعداد الزيارات لموقع قاعدة البيانات، حيث اختلس الموظفون النظر إلى مرتبات زملائهم. بعد بضعة أيام ألحق الباحثون رسالتهم الأولى بثانية لنفس الموظفين يسألونهم عن مدى رضائهم عن وظائفهم الحالية، ومدى استيفاء الأجر المدفوع لما يبذل من تعب.

وأرسلوا الأسئلة عينها لموظفين لم يتم إخطارهم بقاعدة البيانات، ثم عكفوا على مقارنة النتائج، إلا أن ما انتهوا إليه لم يحابِ نظريةً، ولم يدحض أخرى. خلف الاطلاع على قاعدة البيانات متقدمة الذكر أثرًا سلبيًا على العاملين الذين يتقاضون مرتبًا أقل من نسبة متوسط الدخل الذين تبرموا وأبدوا استعدادًا للبحث عن وظيفة أخرى، على عكس زملائهم الزائدة عوائدهم عن نسبة المتوسط، والذين لم يتأثروا على الإطلاق.

وبافتراض أن موظفي كاليفورنيا يمثلون أغلبية موظفي الأرض، تشير التجربة هنا إلى نتيجة أكثر إزعاجًا من غيرها، تتلخص في: «عدم وجود فائزين حقيقيين في المجتمعات التي تتركز المكاسب الاقتصادية فيها في قمة الهرم الاجتماعي، بل وجود تعددية واسعة في قطاعات الخاسرين للمكتسبات المادية والحقوق، ممن يشكلون بقية الهرم نفسه».

يتذكر كيث پاين أستاذ علم النفس بجامعة نورث كارولينا اللحظة التي اكتشف فيها أنه فقير حين كان صغيرًا في الصف الرابع يقف في طابور كافيتريا مدرسته الابتدائية، لم يدفع پاين بالكاد شيئًا نظير حصوله على الوجبات نظرًا لضحالة دخل أسرته، وفي الأحوال العادية كان أمين الصندوق يمرر إليه الطعام دون سابقة سؤال، لكن إدارة المدرسة في هذا اليوم بالتحديد كانت قد انتدبت أمينًا جديدًا ليباشر مهامه الوظيفية؛ فسألت هذه الموظفة الجديدة (التي لا تعرف شيئًا عن حالة پاين بطبيعة الأمور) الطفل الصغير ليدفع حساب ما أخذه؛ فبهت الطفل خاوي الوفاض، وشعر بخزي شديد، وفي هذه اللحظة بالذات شعر للمرة الأولى أنه مختلف عن بقية الأطفال الذين يجوبون ردهات المدرسة بجيوب تكتظ بأموال تلقونها عن ذويهم.

وبالرغم من عدم حدوث أي تحولات من الناحية الاقتصادية، فعوائد أسرة پاين لم تشهد تغيرًا فيما يجنونه في هذا اليوم عن أي تاريخ قبله، لكنه بات يدرك موقعه على درجات السلم الاجتماعي (الطبقي)؛ فتملكه حرج من هندامه المتواضع، ومن طريقته في الكلام، كما يؤكد هو بنفسه في كتابه «درجات السلم المحطم: كيف يؤثر غياب العدالة الاجتماعية على طرق تفكيرنا، وسبل حياتنا، وحتى موتنا». ترسخ عند پاين الآن اعتقاد مؤداه أن مضار الفقر تتمثل في التجربة الشخصية التي يخضع فيها الفرد نفسه لا إراديًا للإحساس بالفقر.

لا يقتصر الشعور بالفقر على القابعين في القيعان، بل إنه من السهل أن يغمر البشر بالحرمان في عالم يقيس الناس أحوالهم فيه مقارنةً بجيرانهم، حتى لو تقاضوا أجورًا مريحة؛ لأنه «بعكس اصطفاف الأموال في أي حساب بنكي، يبقى المركز الاجتماعي هدفًا متغيرًا؛ وذلك بسبب رجوع تعريفه للمقارنات المستمرة مع الآخرين»، وفقًا لـپاين.

الآثار النفسية والسلوكية للفقر

نتائج الإحساس بالفقر تتجاوز الوجدان، فمن يرون أنفسهم فقراء يكونون أكثر عرضة لاتخاذ قرارات صعبة ومؤذية على الأغلب، كالمقامرة، ومعاقرة الخمور، والميل إلى العنف والجريمة.

ويحدث مثلًا أن نرى الفقراء في أمريكا يشغفون ببطاقات «اليانصيب» صارفين عليها جل مكتسباتهم، لدرجة أن المؤسسات المسئولة عن إصدار هذه البطاقات يشار إليها باعتبارها «ضريبة يدفعها الفقراء». وفي بلاد أخرى نراهم ينتهجون مسالك غير إنسانية، كبيعهم أطفالهم، ووهبهم بناتهم للعمل في الجنس، أو إجبار أولادهم على العمل في الورش والمصانع تحت ظروف غير آدمية، كما رأينا في قصة أطفال مصانع «آپل» العالمية.

يكمل پاين حديثه مستعينًا بدراسة لعلماء نفس كنديين عن المقامرة، سألوا فيها مجموعة المتطوعين أسئلة استقصائية عن مواردهم المالية ومدخراتهم، ثم طلبوا منهم أن يصنفوا أنفسهم على «مؤشر قياس معيار الدخل الفائض». في الواقع كان المؤشر وهميًا، وتم التلاعب بالنتائج، فلم يكن مهمًا بحال استجلاء حقيقة أوضاعهم المالية، بل وُجه عدد منهم للاعتقاد بزيادة نسبة الدخل الفائض عنده عن أقرانه، ودُفع آخرون لتصديق العكس، ثم مُنح المتطوعون 20 دولارًا، وأتيح لهم إدخارها، أو المقامرة بها في لعبة بطاقات. امتنع من أخبروا بزيادة دخلهم عن المقامرة، بينما قامر المخدوعون همًا بقلة دخلهم، «يدفعهم شعورهم المزيف بالفقر؛ فزادت عندهم الرغبة في رمي الزهر»، مثلما يصفهم پاين.

في دراسة أخرى أشرف عليها پاين بنفسه، تم تقسيم المتطوعين إلى مجموعتين، وطلب منهم أن يشتركوا في عدد من الرهانات. ولكل رهان عرض عليهم خياران: إما المخاطرة بكمية قليلة من المال مقابل مكسب قليل بالتبعية، وإما المخاطرة بكمية أكبر من المال انتظارًا لربح أعظم. وقبل الانخراط في أحداث التجربة غذي الطرفان بمعلومات متضاربة وخيالية؛ حيث أعلمت المجموعة الأولى أن الفارق في نسب المكاسب بين الأعلى والأقل ربحًا لا تتجاوز سنتات قليلة، في حين أبلغ أعضاء المجموعة الثانية بوجود بون شاسع بين مكاسب الأعلى والأدنى؛ فاندفع أعضاء المجموعة الثانية ليخوضوا رهانات يصعب التكهن بنتائجها، وبذلك أثبتت التجربة بالحجة الدامغة ضلوع غياب العدالة الاجتماعية في دفع البشر لانتهاج سلوكيات سلبية وخطرة.

يتصل سلوك البشر تجاه العرق بالحرمان أيضًا، حيث قام لفيف من أساتذة علم النفس بجامعة نيويورك بتجربة مفادها وهب 10 دولارات للمتطوعين ليستخدموها في لعبة «أونلاين»، وأخبر بعض المتطوعين أنهم لو امتلكوا حظًا جيدًا لتم إعطائهم 100 دولار لكل فرد، ثم عرض على كل المتطوعين – الذين انتموا للعرق الأبيض – عدد من الوجوه، وسألهم الباحثون أن يعينوا أيها أكثر «سمرةً».

كانت الصور كافة مركبة ومعدلة، وقد تمكن المنتمون للمجموعة الأقل حظًا – في المتوسط – من اختيار الصور الأكثر سمرةً، متفوقين بذلك على أقرانهم سعيدي الحظ؛ حيث «أسعفت قلة حظهم من انتباههم للفروق العرقية». بحسب توصيف پاين.

يعتبر من ينهشهم الحرمان أنفسهم أقل كفاءة من غيرهم، وتزيد قابليتهم لتصديق نظريات المؤامرات، وترتفع احتمالية تعرضهم لمشاكل صحية، وقد أظهرت دراسة بريطانية أجريت على موظفي الحكومة أن أفضل سبيل للتنبؤ بالحالة الصحية للأفراد كان من خلال تصنيف هؤلاء الأفراد أنفسهم عن طريق مركزهم الاجتماعي، لا عن طريق مستوى تعليمهم، ولا بنسبة دخلهم الحقيقي.

طبقًا لمسح قياس نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي حول العالم الذي أجرته «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» للعام المالي الماضي 2017 تتربع إمارة ليشتنشتاين على رأس قائمة الدول؛ حيث أعلى نصيب للفرد من إجمالي الناتج المحلي، تليها قطر، وسنغافورة، والنرويج، والكويت، والإمارات ضمن المراكز الــخمسة عشر الأولى، بينما جاءت الولايات المتحدة في المركز العشرين، تلحق بها السعودية. أما مصر، فتأتي في المركز 118 من أصل 228 دولة تناولها المسح بالذكر بنصيب 13 ألف دولار للفرد؛ ليتراجع تصنيفها مركزًا واحدًا على المسح الذي تجريه (سي آي إيه) منذ عام 2013، لكن مع الأسف يتدهور الوضع عالميًا مع الاتساع المستمر للهوة بين الأقليات فاحشة الثراء وبين بقية البشر؛ ليعم الإحساس بالفقر، ويلتهم مزيدًا من الناس.

معضلات الفقراء ومشاكل الأغنياء

تدرس راشيل شيرمان أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة «ذا نيو سكول» آثار غياب العدالة الاجتماعية، لكن من منظور مختلف على نطاق أضيق، وأكثر تخصصًا؛ بسبب تصدر صور فاحشي الثراء المقامات الأولى في وسائل الإعلام، بينما «نحن في الواقع لا نعرف شيئًا عن معنى أن يكون الفرد غنيًا في اللحظة الراهنة»، وذلك تبعًا لما أوردته في صدر كتابها «طريق مضطرب: تخوفات الثراء».

أول ما توصلت إليه شيرمان في دراستها المنتظمة لسلوك الأغنياء أنهم يعزفون عن الحديث معها؛ فالعينات العشوائية التي توافق مبدئيًا على مد يد العون لا تلبث أن تعرض عن رسائلها؛ متذرعةً بحجج واهية. استطاعت شيرمان بعد ذلك أن تجالس 50 من أعالي القوم، يدخل لمعظمهم سنويًا ما يتجاوز 500 ألف دولار، ونصفهم يملك بالفعل أصولًا ثابتة ومتداولة تتخطى قيمتها 8 ملايين، أو تزيد عوائدهم السنوية عن هذا الرقم بكثير، أو كلا الخيارين معًا.

على الأقل هذا ما صرحوا به لشيرمان، إلا أنها تثبتت بعد ذلك من مداراتهم لأرقام عوائدهم الحقيقية، وتعمدهم إخفاء البيانات الخاصة بأملاكهم؛ ما حدا بشيرمان نفسها أن تغفل معلوماتهم الشخصية؛ لتمسي هوياتهم غير معلومة، ولا سيما لأولئك الذين تربطهم بهم علاقات.

ثاني ما توصلت إليه شيرمان أن فاحشي الثراء لا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم أغنياء من الأساس بفضل إيمانهم المتأصل بوجود من يكبرونهم ملكًا، ويفوقونهم ثراءًا، حتى أن امرأة تملك بيتين في مناطق راقية، ودخلًا سنويًا يتخطى مليوني دولار، قالت شيرمان إنها تعتبر نفسها من أبناء الطبقة الوسطى!

في حين، تصف امرأة أخرى تعلو عن سابقتها في رفاهة محياها الرغيد، وضعها العائلي بالــ«جيد» مؤكدةً وجود أفراد يفوق محياهم عيشها تنعمًا. بينما احتجت ثالثة على استخدام شيرمان المتكرر للفظة (ثراء) «واسمةً الرخاء المادي بالنسبية، مستعينةً بحالة بعض أصدقائها الذين قضوا إجازاتهم الأخيرة على متن طائراتهم الخاصة؛ باعتبار هذه حالة من الميسرة المادية».

إذا كان الرخاء غير معرف نسبيًا في أعين النظار، فإنه بوسع حتى فاحشي الثراء أن يشعروا بالأسف على أنفسهم حيال مقارنة أحوالهم بأحوال العائشين في أبحر الثراء العميم الذين نسمع عنهم في وسائل الإعلام، ولنا في حال المرأة الثالثة أصدق مثال؛ لأنها صنفت نفسها في أحط دركات قاع الصفوة معللةً سلوكها بوجود تفاوت في أحوال قاع النخبة وبين المحلقين في علياء سمائها.

تعالج شيرمان الأمور من منطلق آخر، معتقدةً أن نماذج عينتها يترددون حول تصنيف أنفسهم كأثرياء؛ لما يصاحب هذه اللفظة من صفات، فأغلبهم يحاول أن يظهر كشخص مجتهد يعافر سعيًا للرزق الحلال، ويحيا كنتيجةً ضمن إمكاناته المحدودة بمجهوده، ولم يحدث أن حاول شخص الاصطناع أو إظهار النعمة، أو إبداء بذخ مبالغ فيه.

تلاحظ شيرمان بفجائية انزعاج أفراد عينتها من مسألة صرف الأموال من ناحية، ومن مبدأ حيازة الامتيازات بوجه عام. بغض النظر عن منبعه أكان ناجمًا عن أخلاقيات أو من الخوف من الحسد، يطابق هذا الانزعاج نتائج دراسة أجريت بجامعة كاليفورنيا، وبذلك تتنوع آثار غياب العدالة الاجتماعية، فإنها مسئولة عن كل الأسى الذي تغرق فيه المكبلين في قيعان الهرم الاجتماعي، تدخل قليلًا من السرور على نفوس الكامنين على قمته الذين يخامرون بدورهم نوعًا مختلفًا من المشكلات.

آثار غياب عدالة التوزيع على الأطفال والحيوانات

منذ أعوام شرع فريق من علماء النفس المختصين في دراسة رد فعل الأطفال تجاه غياب العدالة، ولبلوغ غايتهم حشدوا عددًا من الأطفال، وصنفوهم إلى مجموعات ثنائية، ومنحوهم مكعبات للعب، وبعد برهة طلب العلماء منهم وضعها جانبًا وترتيب المكان.

ثم جعل العلماء يكافئون الأطفال بإعطائهم ملصقات، وبالرغم من حجم المجهودات المبذولة من جانب الأطفال، وتفانيهم في الترتيب؛ أُعطي بعضهم أربعة ملصقات، والبعض الآخر تسلم اثنين.

تبعًا لتوصيات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) التابعة لوزارة الصحة الأمريكية، لا يجب توقع أن يتفهم الأطفال فكرة العد قبل عامهم الرابع، إلا أن الصغار بدا عليهم استيعاب أنه تم التلاعب بهم من قبل الراشدين، وقد تجلى الحسد واضحًا في نظرات الحاصلين على ملصقين؛ حتى أن بعضهم عبر عن رغبته في تحصيل المزيد ليتساوى بغيره. بينما أعرب ملاك الملصقات الأربعة عن استيائهم من عملية التوزيع، أو بالأحرى من اعتراضات أقرانهم، فسلموهم على الفور جزءًا من مكتسباتهم حتى يخمدوا فورة غضبهم.

شدد الباحثون بثقة على تحرك ملاك الملصقات الأربعة بدافع من فهمهم لفكرة المساواة؛ لأنهم في جميع الحالات لم يتنازلوا إلا عن ملصق واحد لكل طفل لكي يتساوى الجميع في آخر الأمر بحيازتهم لملصقات ثلاثة، وبذلك تبرز الاستجابة العاطفية لمسألة غياب العدالة وانعدام المساواة في مرحلة عمرية مبكرة جدًا. وتعد استجابة الأطفال لمفهوم العدالة نتاجًا لنظرية التطور، لا لثقافة بعينها.

من ناحيتهم قام فريق من الباحثين التابعين لـ«مركز يركس القومي لدراسات وبحوث الثدييات الراقية (الرئيسيات Primates)» بإنفاذ تجربة على مجموعة من قرود الكابوتشين، دربوا بمقتضاها القردة على تبديل رموز بقطع من الخيار فيما بينها، وقسموهم لمجموعتين، ثم منحوا مجموعة أعوادًا ممتلئة بالعنب الشهي – أي مكافأة أفضل – ثم انتظموا ليراقبوا ردة الفعل.

بالنسبة للقردة الذين تواصل مدهم بقطع الخيار فإنهم بعدما كانوا يمضغونه مبتهجين باتوا الآن ساخطين، حيث توقف جزء منهم عن عملية التبادل، ورفض آخرون استلام الخيار، وفي حالات قليلة رمى القردة الخيار في أوجه الباحثين، ومن هنا استنتج الباحثون تشابه سلوك القردة والبشر؛ فالقردة أيضًا تقيس فكرة المكافأة بقيم نسبية خاصة.

وسواءًا كانوا أطفالًا، أو قرودًا، أو موظفيين حكوميين، أو طلبة متطوعين فإنهم جميعًا يمقتون انعدام المساواة.

تقول الكاتبة في ختام تقريرها المطول: يعد غياب العدالة الاجتماعية شرطًا مسبقًا لقيام الحضارة، وقوةً دافعةً تقف وراء الكثير من الاختراعات التي صار اقتناؤها من أساسيات العصر الحديث.

ولا زال الخيار مطروحًا أمام مشرعي الإنسانية كلها باستحداث قوانين تكفل رخاء الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى وترفع من مستوياتهم المعيشية، وتفي باحتياجاتهم اليومية، فالثروات المتنامية لا تجعلنا نشعر بأننا أكثر ثراءًا كبشر، وإنما العدالة في توزيع الدخل، وتقسيم الموارد هي أول ما يضمن لنا بدورها شعورنا بقيمتنا كأفراد تلبي مجتمعاتهم احتياجاتهم؛ فينهضوا بها ليتخطوا أعتاب الرخاء والاستقرار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!