في تقرير لـ«ستيف فوربس» رئيس تحرير مجلة «فوربس» الأمريكية، رصد الكاتب الكثير من التفاصيل عن بنما من خلال زيارته الأخيرة لها، والتي يحاول فيها نقل الصورة الحقيقية عن بنما، والتي ربما تختلف كثيرا عن تلك الصورة التي استقرت في أذهان الكثيرين، بعد التسريبات الأخيرة ن كونها مجرد ملاذ ضريبي.

يرى الكاتب أن ذكر بنما مؤخرًا أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوثائق المسربة، وهو ما قاد الكاتب للذهاب إلى بنما بنفسه، ويشهد النجاح الاقتصادي الهائل للبلاد، ومعدلات النمو المرتفعة التي تقترب من أن تكون الأعلى عالميًا في القرن الجاري؛ إذ من المتوقع أن تبلغ نسبة النمو لهذا العام أكثر من 6%، كما يؤكد الكاتب أن النمو الاقتصادي في بنما نموًا حقيقيًا، ويسبق أغلب دول العالم بسنوات ضوئية.

الأمر المثير هنا ـ كما يذكر «ستيف فوربس» ـ أنه وجد أن بنما ليست مجرد مكان لغسيل الأموال، كما يظن البعض، بل إن الواقع يشير إلى العكس؛ فقد بدأت بنما مؤخرًا في التحول إلى المركز المالي لأمريكا اللاتينية، وخاصة مع حضور قوي لمؤسسات مالية ونقدية لاتينية وعالمية على أراضي بنما، كما أن البلاد قد حققت تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بالشفافية المالية؛ إذ ساعدت سياسات الحكومة وتحركاتها المالية تجاه غسيل الأموال على حذف البلاد من القائمة الرمادية لهذا العام، بعد أن تم حذفها في 2012 من القائمة السوداء لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم الملاذات الضريبية العالمية. تسعى بنما أيضًا لمزيد من الإصلاحات التي من المتوقع أن تساعدها في تحقيق معايير الشفافية، التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحلول عام 2018. ربما من المهم أيضًا الإشارة إلى أن النسبة بين الدين الحكومي والناتج المحلي هي 40% فقط في بنما، بينما تتجاوز النسبة ذاتها 100% في الولايات المتحدة.

قوة اقتصادية

تعتبر بنما أيضًا بمثابة ملتقى الطرق الإقتصادية بين الأمريكتين من خلال قناة بنما، التي تمكنت الحكومة من تطويرها بصورة كبيرة لتزداد أعداد الحاويات التي تمر خلالها لأكثر من 25 ضعفًا خلال الـ25 عامًا الأخيرة لتصل إلى 6 ملايين حاوية، كما أنه من المتوقع أن تتضاعف تلك الأرقام لتصل إلى 12 مليون حاوية سنويًا، بعد التوسعة الجديدة المنتظرة للقناة في يونيو (حزيران) القادم.

يرى ستيف فوربس أن كل هذه الأمور ساهمت في تدعيم الدولة بشكل كبير، كما أن الحكومة تعاملت بحكمة مع قناة بنما، وعملت على تطويرها على المدى البعيد ما أدى إلى ارتفاع عائداتها مع تزايد حركة التجارة العالمية.

منذ قرابة عقد مضى، سنت بنما قانونًا يدعى القانون 41، والذي قدم حوافز كبرى لأية شركة عالمية عملاقة تجعل من مقرها الرئيس في أمريكي اللاتينية داخل بنما، وهو ما قاد أكثر من 100 شركة عالمية متعددة الجنسيات إلى اتخاذ هذا القرار. كان من بين تلك التسهيلات التي قدمتها الحكومة هي ألا يدفع موظفو تلك الشركات ضرائب للدولة على دخلهم. وتمامًا كنظرتها للقناة، ساهمت تلك النظرة الثاقبة من الحكومة إلى خلق بيئة داعمة حقيقية داخل البلاد.

يمكن رصد التطور الاقتصادي لبنما أيضًا من خلال أعداد ناطحات السحاب في العاصمة، والتي تعد الأكثر في نصف الكرة الأرضية الغربي، بعد «نيويورك» و«شيكاغو»، كما أن مدينة بنما تحتوي على 16 من بين أطول 25 ناطحة سحاب في أمريكا اللاتينية، وهو ما يضعها في مكانة متميزة بالنظر إلى المدن الكبرى التي تنافسها، مثل «ساو باولو» و«ميكسيكو سيتي» و«بيونس آيرس»، كما تنوي الدولة تشجيع المزيد مما يعرف بـ«سياحة الأعمال» من خلال تنظيم العديد من المؤتمرات والمعارض الدولية.

يشير تقرير «فوربس» أيضًا إلى أنه من بين المصادر الاقتصادية القادمة بقوة، بالنسبة لبنما، هي السياحة الطبية خاصة مع وجود مركز كبير تابع لجامعة «جونز هوبكنز» البحثية الأمريكية في بنما، ما يجعلها تظهر بقوة في هذا المجال، وخاصة أن ما تقدمه بنما في هذا المجال يلقى قبولًا لدى الكثير من الأجانب، وخاصة الأوروبيين، الذين يحصلون على رعاية طبيعة متميزة بتكلفة قليلة.

خطوات حكومية جادة نحو اقتصاد قوي

يقول ستيف فوربس أن خلال حديثه مع عدد من مديري الشركات أخبروه بأن أحد أهم المميزات في بنما هو العملة الداخلية في البلاد – الدولار الأمريكي – إذ استخدمته البلاد كعملة رسمية، منذ انفصالها عن «كولومبيا» منذ أكثر من قرن مضى، وهو ما جنبها عدم استقرار العملات المحلية للبلاد، والذي تمر به دول أمريكا اللاتينية الأخرى، والذي وجه الكثير من أصحاب الأعمال نحو العمل في بنما، بدلًا من تلك الدول.

يشير التقرير أيضًا إلى تقبل بنما لانتقال الأجانب لها، مادام الأمر يتعلق برغبتهم في العمل، وهو ما خلق مناخًا متميزًا وبيئة دولية من جنسيات مختلفة تعيش جنبًا إلى جنب. ترحب البلاد كذلك بالاستثمارالأجنبي المباشر،على الرغم من أن الأمر قد يتطلب بعض الوقت للحصول على التصاريح اللازمة، إلا أنها أصبحت محط أنظار الكثير من رواد الأعمال الذين يرون فيها المكان الأفضل لانطلاق شركاتهم الناشئة.

النظام الضريبي لبنما متميز أيضًا بحسب التقرير؛ إذ لا تتجاوز نسبة الضريبة على القيمة المضافة 7%، بالإضافة إلى إعفاءات على بعض الصور الضريبية الموجودة في بلدان أخرى. يرى الكاتب أيضًا أنه من الممكن أن تسوق بنما نفسها كمقصد سياحي؛ إذ لدى البلاد الرغبة في أن تصبح سنغافورة جديدة، إلا أن هذا الأمر يتطلب بعض الإصلاحات، مثل تطوير النظام التعليمي، بالإضافة إلى تأهيل المواطنين للعمل في الوظائف غير الوضعية.

يعد الفساد من بين التحديات التي تواجه بنما أيضًا، بحسب فوربس، وخاصة مع تورط الحكومة السابقة في قضايا فساد، إلا أنه تم محاكمة الكثير منهم بالفعل. تعود جذور هذا الأمر إلى سيطرة الحكم العسكري الديكتاتوري على البلاد حتى عام 1989، قبل أن يتم الإطاحة بالديكتاتور «مانويل نورييغا» عن طريق تدخل عسكري مباشر من الولايات المتحدة، قبل أن تأخذ البلاد خطوات نحو الديموقراطية فيما بعد.

يختتم الكاتب المقال بالتأكيد على أن نموذج بنما يستحق أن ينتشر عالميًا، وأن يحظي بالتقدير المناسب لها، وكذلك للنجاح الذي حققته حكومة البلاد.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد