نشر موقع «لوب لوج» الأمريكي تحليلًا لأوستين بوديتي، الذي يدرس العلاقة بين الإسلام والثقافة والسياسة في أفريقيا وآسيا، يستعرض فيه السبب الحقيقي وراء قرار فرض حركة الشباب الصومالية حظر استعمال الأكياس البلاستيكية.

واستهلَّ بوديتي تحليله بذكر أنَّ الإرهاب ليس شيئًا مُضحكًا، لكنَّه أشار إلى أنَّ جماعة الشباب الصومالية الإرهابية سيئة السمعة نجحت في أن تصبح محل سخرية وسائل الإعلام حين أعلنت العام الماضي حظر استعمال الأكياس البلاستيكية.

وزعمت الحركة، التابعة لتنظيم القاعدة في الصومال، أنَّ الأكياس البلاستيكية تُمثِّل «تهديدًا خطرًا لصحة البشر والحيوانات على حد سواء». وذكر بوديتي أنَّ بعض المواقع الإكترونية مثل موقع «ذا ديلي كولر» وموقع مجلة «سمول وورز جورنال» نشرا تغريداتٍ ساخرة عن القرار الغريب الذي اتخذته الحركة الإرهابية. بينما اضطَّر مصورٌ صحافي يعمل لدى مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» إلى توضيح أنَّ تغريدته التي نشرها عن هذا القرار «ليست ساخرة».

أحدهم اشترى يختًا بسعر ميزانية الصحة.. نماذج من فساد أبناء الحكام الأفارقة

الحظر لا يشمل أكياس البلاستيك فقط

لكنَّ بوديتي أشار إلى أنَّ حركة الشباب ليست أول جماعة تابعة لتنظيم القاعدة تحاول معالجة القضايا البيئية، موضحًا أنَّ أسامة بن لادن، قائد طالبان الراحل، أمضى العديد من أيامه الأخيرة مهتمًا بقضية تغير المناخ، وشجَّع الأفغان على زراعة المزيد من الأشجار في «رسالةٍ خاصة» غريبة في عام 2017.

وعلى الرغم من هذه القواسم المشتركة، فإنَّ الحركة الإرهابية الصومالية، بحسب بوديتي، ميَّزت نفسها عن تنظيم القاعدة بتاريخٍ من المُقاطعات الغريبة، إذ حظرت العديد من الابتكارات والأشياء العصرية مثل حمَّالات الصدر ونغمات رنين الهواتف المحمولة والإنترنت والموسيقى والتلفزيون.

لكنَّ أوديتي ذكر أنَّ مدى انتشار قرارت الحظر المتكررة هذه ما زال محل جدل، بالنظر إلى أنَّ العديد من الجيوش في شرق أفريقيا -المدعومة بالغارات الجوية الأمريكية- قد طردت أعضاء الجماعة المتشددة من معظم أنحاء الصومال. وردًا على ذلك، نفَّذت حركة الشباب هجماتٍ انتقامية ضد بعض دول شرق أفريقيا التي تدعم الحكومة المركزية في الصومال. إذ هاجم مسلحون تابعون للحركة فندقًا في العاصمة الكينية نيروبي في شهر يناير (كانون الثاني).

واستشهد بوديتي بكلام حسن، وهو باحثٌ في المعهد الصومالي للسلام وحقوق الإنسان طلب من موقع «لوب لوج» عدم ذكر اسمه الأخير، الذي قال فيه: «لم تعد حركة الشباب تسيطر على المدن الرئيسية في الصومال. لقد طردتها الحكومة الصومالية من المدن الكبرى بدعمٍ من الاتحاد الأفريقي».

الحظر لأغراض اقتصادية

ويرى بوديتي أنَّ هزائم حركة الشباب في ساحة المعركة ربما تُفسِّر سبب شعور الجماعة الإرهابية الصومالية بالحاجة إلى بداية مرحلةٍ جديدة بفرض حظر على الأكياس البلاستيكية. إذ أشار إلى أنَّ الدخل الذي يكسبه مقاتلو الحركة من السيطرة على المدن والموانئ تضاءل مع خسارتهم العديد من الأراضي. لذا اضطرت حركة الشباب، بحسب أوديتي، إلى إيجاد طرق أخرى لملء خزانتها الحربية، مثل فرض ضريبةٍ على الشركات الصومالية وحتى على الماشية.

ومع أنَّ بعض المواقع الإلكترونية مثل موقع «كوارتز» فسَّرت ذلك الحظر على أنَّه محاولةٌ فاشلة من الجماعة الإرهابية الصومالية لتحسين صورتها، ذكر بوديتي أنَّ هذه الخطوة مرتبطةٌ ارتباطًا أكبر بغرضٍ اقتصادي، مشيرًا إلي أنَّ الأكياس البلاستيكية كانت تقتل الحيوانات التي تساعد حركة الشباب على تمويل عملياتها.

واستشهد على ذلك بكلام الباحث حسن الذي قال: «الطريقة الوحيدة التي تُمكِّن حركة الشباب من تمويل أنشطتها في الصومال هي جمع الضرائب من رجال الأعمال ورعاة الماشية … فغالبية الشعب الصومالي يعمل في رعي الماشية … ويُعَد السبب الثاني مباشرةً بعد الجفاف في قتل الماشية هو الأكياس البلاستيكية، لذا شعرت حركة الشباب بأنَّ مصدر دخلها الوحيد مُهدَّد، فقررت حظر استعمالها. ويهدف الحظر كذلك إلى تصوير الجماعة على أنَّها تهتم بالرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للشعب الصومالي».

ومن ثَمَّ، يرى بوديتي أنَّ اهتمام الجماعة الإرهابية الصومالية المُفاجئ بالبيئة يبدو أقل غرابةً في هذا السياق، موضحًا أنَّ حركة الشباب تصرَّفت انطلاقًا من مصلحتها الذاتية، وليس الاهتمام بالبيئة.

ممارسات تنتهك البيئة

واستشهد بوديتي بكلام محمد مختار إبراهيم، المدير التنفيذي للمعهد الصومالي للإدارة العامة والتنظيم والوزير السابق للصناعات النفطية والثروة المعدنية الصومالية، الذي قال: «عادةً ما يدفع الرعاة الضريبة على شكل حيوانات. لذا ليس من مصلحة حركة الشباب أن تفقد الحيوانات بعد جمعها، أو أن تجمع عددًا أقل من الماشية في الأساس».

وذكر بوديتي أنَّ حركة الشباب أبدت استعدادها من قبل لتجاهل القضايا البيئية بل ومفاقمتها إذا كان ذلك يُكسبها ربحًا، مضيفًا أنَّ هذا السلوك يشبه تصرُّفات بعض الفروع الأخرى التابعة لتنظيم القاعدة المتورطة في تهريب قرون وحيد القرن، وجلود النمور في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا.

وضرب مثالًا على ذلك بذكر أنَّ جزءًا كبيرًا من عائدات حركة الشباب يأتي من حرق الأشجار وقطعها، وهي ممارسةٌ أخرى كانت قد حظرتها سابقًا. وأشار إلى أنَّ الجماعة الصومالية الإرهابية تستخدم بعض الأشجار لإنتاج الفحم، ثم تُصدِّره إلى الأسواق السوداء في الخليج. فاضطرَّت الأمم المتحدة إلى أن ترد على ذلك بمنع استيراد الفحم من الصومال سعيًا لكبح تمويل الإرهاب هناك. وأضاف كذلك أنَّ أعضاء الحركة يشاركون في تجارة العاج، التي كانت تُدِرُّ على الحركة ربحًا بلغ 200 ألف دولار شهريًا في عام 2012.

وقال بوديتي أنَّ روايات بعض المصادر أكَّدت أنَّ حركة الشباب ستخالف حتى قوانينها الخاصة إذا اقتضت الضرورة، مستشهدًا بتغريدةٍ كتبها صحفيٌ على موقع تويتر في العام الماضي قال فيها إنَّ مقاتلي الحركة استخدموا أكياسًا بلاستيكية مليئة بالمتفجرات لترهيب سكان مقديشو، حيث ما زال الأفراد المتبقون من الحركة نشطين.

ونقل عن الباحث حسن قوله إنَّ «حركة الشباب لا تهتم بالبيئة، فقد أسهمت أنشطتها في إزالة الغابات وبعض المشكلات الأخرى».

حظر أكياس البلاستيك في أفريقيا يعود لعام 2005

وذكر بوديتي أنَّه حتى إذا حظر حركة الشباب على الأكياس البلاستيكية يفتقر إلى الصدق، فإنَّ الحراك البيئي اكتسب زخمًا في أماكن أخرى في شرق أفريقيا. وضرب أمثلةً على ذلك بإعلان كينيا، التي تحارب حركة الشباب في الصومال وعلى أراضيها منذ 10 سنوات، حظر استعمال الأكياس البلاستيكية قبل عامٍ كامل من إصدار حركة الشباب القرار نفسه. وأضاف كذلك أنَّ أوغندا، التي نشرت جنودًا في الصومال كما فعلت كينيا، حظرت استعمال الأكياس البلاستيكية. بينما أصدرت رواندا، التي تعد واحدة من عدة دول تدرِّب الجنود الصوماليين، قرارًا بحظر الأكياس البلاستيكية في عام 2008.

وأشار كذلك إلى أنَّ إقليم أرض الصومال (صومالي لاند) سبق كينيا ورواندا وأوغندا في حظر استعمال الأكياس البلاستيكية بقرارٍ أصدره في عام 2005، حتى أنَّ بعض الصوماليين تحولوا من العمل في إعادة تدوير البلاستيك إلى أعمال تجارية أخرى. وأضاف أنَّ بعض الشخصيات العامة مثل فاطمة جبريل، الناشطة البيئية الأمريكية الصومالية الشهيرة، أسهمت في إضفاء طابعٍ مؤسسي على الحراك البيئي في البلاد، مستشهدًا بأنَّ صعود الحزب الأخضر الصومالي يشير إلى مدى انتشار الاهتمام بالبيئة هناك. وذكر أيضًا أنَّ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يعملان على معالجة القضايا البيئية في الصومال.

ويرى بوديتي أنَّ أنصار الدفاع عن البيئة في الصومال يبدو أنَّهم يحتاجون إلى مساعدةٍ من مجموعةٍ إرهابية متطرفة تشتهر بقطع الرؤوس والخطف والهجمات الانتحارية أكثر ممَّا تشتهر بسياستها البيئية.

واستشهد بكلام عبد الفتاح علي حسن، الرئيس التنفيذي للمعهد الصومالي للتنمية والدراسات الاستراتيجية، الذي قال: «تستخدم حركة الشباب الحظر دعايةً للتظاهر بأنها تهتم بالبيئة. لكنَّها في الواقع لا تهتم بالبيئة ولا الأشخاص العاديين».

مترجم: هكذا قد يستفيد كوكبنا من أزمة البلاستيك!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد