هل جلست مطلقًا لإنجاز عمل، ثم اكتشفت فجأة أنك غصت في غسل الصحون أو في القراءة حول كارثة مفاعل تشيرنوبيل؟ أو لاحظت فجأة أن الكلب بحاجة لأن تطعمه، أو أن ثمة رسائل بريد إلكتروني يجب الرد عليها، أو أن مروحة السقف تحتاج للتنظيف، أو أنه قد حان وقت الغداء على الرغم من أن الساعة لم تتعد الحادية عشرة صباحًا؟ تحدثنا أنا سوانسون في مقالها على موقع المنتدي الاقتصادي العالمي عن تلك القوة الغامضة التي تجعلنا نسوف الأعمال، ونستهلك أيامنا دون إنجازات.

تشير الكاتبة إلى أن المماطلة هي قوة عميقة وغامضة تعيق الكثير من الناس عن إنجاز المهام العاجلة في حيواتهم، بما يحمل في طياته خطر الفشل في الدراسة، والأداء بشكل سيئ في العمل، والتخلي عن علاج ضروري أو التأخر في الادخار للتقاعد. منوهة إلى دراسة أجرتها جامعة ويسترن ريزيرف في عام 1997 أن المماطلة في المرحلة الجامعية أدت إلى مستوى أعلى من الإجهاد والأمراض، ودرجات أقل في نهاية الفصل الدراسي.

وتعود الكاتبة للإشارة إلى أن السبب في المماطلة ليس واضحًا للجميع. فقد اعتبر بعض الباحثين أن المماطلة هي نتيجة للفشل في الانضباط الشخصي، مثل السلوكيات السيئة الأخرى التي لها علاقة بفقدان القدرة على التحكم في الذات، كالإفراط في تناول الطعام مثلًا أو التبذير في الإنفاق. لكن آخرين لا يرون الأمر على أنه متعلق بالكسل أو سوء إدارة الوقت، ويؤكدون أن الأمر في الواقع مرتبط بكيفية عمل أدمغتنا، والتصورات الأعمق للوقت، والتحكم في الذات.

الأصول الحقيقية للمماطلة

وفقًا للكاتبة، يرى معظم الأطباء النفسيين المماطلة كنوع من سلوك التهرب، أو كآلية تعامل خاطئة مع الحياة تجعل الناس «يستسلمون للشعور بالراحة»، وذلك حسبما يقول تيموثي بيتشل، أستاذ في جامعة كارلتون في أوتاوا يعكف على دراساتٍ حول المماطلة.

يحدث ذلك عادةً عندما يشعر الناس بالخوف أو القلق حيال عمل هام ينتظرهم. وللتخلص من هذا الشعور السلبي، يلجأ الناس إلى المماطلة، فيقومون بممارسة ألعاب الفيديو أو تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا يشعرهم بتحسن مؤقت، ولكن للأسف، يعود الواقع إلى مطاردتهم مجددًا. حينها يشعر المماطلون بعار وذنب أكثر حدة. وتعتبر هذه المشاعر السلبية سببًا آخر للتخلي عن المهمة، حيث يتحول السلوك إلى دورة تدمير ذاتي خطيرة.

يحدثنا المقال عن قيام تيم أوربان، الذي يدير مدونة Wait But Why بإنشاء رسم توضيحي عما قد يدور في رأس الشخص المماطل. يصف أوربان نفسه بمماطل محترف، فلم يبدأ في كتابة بحث عام مكون من 90 صفحةً إلا قبل 72 ساعةً من ميعاد تسليمه.

في البداية، يصف دماغ شخص غير مماطل، حيث يقبض «شخص يتسم بالحكمة» على عجلة القيادة:

المماطلة

يبدو عقل الشخص المماطل شبيهًا به، باستثناء وجود صديق صغير يصنفه أوربان «بقرد الإشباع الفوري».

المماطلة

يبدو القرد في البداية كشخص لطيف، ولكن وكما سيوضح الرسم لاحقًا، فإنه سيسبب الكثير من المشاكل.

المماطلة

المماطلة

يظل الوضع على هذا النحو حتى تسوء الأمور للغاية، حيث تلوح في الأفق نهاية حياتك المهنية أو الدراسية. ثم يظهر فجأة ما يسميه «وحش الهلع» ويدفعك للتحرك.

المماطلة

يشير المقال إلى أن هناك عدة أنواع مختلفة من المماطلين. فالبعض يماطل بفعل أشياء غير مفيدة، مثل البحث عن صور القطط على الإنترنت. وآخرون ينجزون بعض المهام، مثل تنظيف بيوتهم أو ممارسة أعمالهم المملة، ولكنهم لا يفعلون أي شيء أبدًا لإنجاز ما يريدون في الحياة، كأهدافهم طويلة الأجل.

لتوضيح ذلك، يستخدم أوربان ما أسماه «مصفوفة أيزنهاور»، وهو رسم بياني ظهر في كتاب «العادات السبعة للأشخاص شديدي الكفاءة». سُميت المصفوفة على اسم دوايت دي. آيزنهاور، الرئيس الأمريكي الشهير. اعتقد آيزنهاور أن على الناس قضاء وقتهم في ما يهمهم حقًّا، مثلما يتضح في الرسم التالي:

المماطلة

يقول أوربان إن معظم المماطلين يقضون القليل من الوقت في الربعين 3 و4، فينجزون أشياءً ربما تكون عاجلة ولكن ليست هامة، أو أشياء ليست هامة أو عاجلة على الإطلاق. وعندما يسيطر وحش الهلع، ينتقلون لفترة وجيزة إلى الربع الأول (الأشياء الهامة والعاجلة)، في حين أنهم لا يقربون الربع الثاني تقريبًا (الأشياء الهامة التي لم تصبح عاجلة بعد).

المماطلة

يقول أوربان إن هذه العادة كارثية لأن «الطريق المؤدي إلى تحقيق أحلام الشخص المماطل، والطريق إلى توسيع آفاقه، واستكشاف إمكانياته الحقيقية، وتحقيق الإنجاز الذي يفخر به، يمر عبر الربع الثاني. أما الربعين 1 و3 فهما حيث ينجو الناس، بينما الربع الثاني هو حيث يزدهر الناس وتزداد مهاراتهم».

هكذا يبرر أوربان سبب مماطلته، ولكن تبريره يتطابق مع البحوث النفسية الخاصة بهذا الموضوع.

يناقش المقال فكرة «عقل القرد»، التي تقضي بأن أفكارنا تدور باستمرار في عقلنا، وهو ما يحجب عنا التركيز. ويتفق علماء النفس أن مشكلة المماطلين هي أنهم يميلون للاستسلام للإشباع الفوري، ما يجلب للناس الراحة النفسية الفورية الذي يطلق عليها «المتعة القصوى»، وذلك عوضًا عن تحقيق الأهداف بعيدة المدى.

هومر الحاضر ضد هومر المستقبل

وفقًا للكاتبة، يمتلك علماء النفس نماذج أخرى لفهم القوى الكامنة وراء المماطلة. يعتقد البعض أن المماطلة صعبة للغاية لأنها تتصل بالتصورات الأعمق للوقت، والفرق بين ما يسمونه «النفس في الحاضر والمستقبل».

تلخص الكاتبة الفكرة بتأكيد أنه على الرغم من أننا ندرك أن الشخص الذي سنكون عليه خلال شهر من الآن لا يختلف نظريًّا عما نحن عليه اليوم، فإننا لا نقلق كثيرًا ولا ندرك بشكل كافٍ أو نتعاطف مع أنفسنا في المستقبل. فالناس منشغلون بما يشعرون به اليوم.

يحيلنا ذلك إلى مقطع من مسلسل آل سمسون، بوصفه توضيحًا جيدًا لطرق تفكيرنا المختلفة حيال أنفسنا في الحاضر والمستقبل. في إحدى الحلقات، توبخ مارج زوجها على عدم قضاء وقت كافٍ مع الأطفال. «يومًا ما، سيرحل أولئك الأطفال عن المنزل، وستندم على عدم قضاء المزيد من الوقت معهم».

«هذه مشكلة ستقابل هومر المستقبل»، يرد وهو يصب الفودكا في علبة مايونيز، ثم يبتلع المزيج ويسقط أرضًا.

ويواصل المقال تفسير الأمر بتأكيد أنه «عند اتخاذ القرارات على المدى الطويل، يميل الناس إلى الشعور بالافتقار إلى الاتصال العاطفي مع أنفسهم في المستقبل» وفق ما ينقل عن هال هيرشفيلد، عالم نفس في كلية أندرسون للإدارة في جامعة لوس أنجلوس. ويضيف: «لذا حتى عندما أعرف أنه عند نقطة ما خلال عام سأظل كما أنا، فسوف أعامل نفسي المستقبلية كشخص آخر تمامًا، وكأنه لن يستفيد أو يعاني من عواقب أفعالي اليوم».

يدعم بحث هيرشفيلد هذه الفكرة. التقط هيرشفيلد أشعة مقطعية لأدمغة الناس أثناء تفكيرهم في أنفسهم في الحاضر، ثم في المستقبل. فوجد أن الناس يفكرون في أنفسهم في الحاضر والمستقبل بأجزاء مختلفة من الدماغ.

ويشير المقال أيضًا إلى قيام إميلي برونين من جامعة برينستون بعمل دراسة أفضت إلى نتائج مشابهة في 2008. حيث قدمت خليطًا من صلصة الصويا والكاتشب سيئ الطعم، وجعلتهم يقررون مقدار ما سيشربونه هم أو غيرهم. سمح لبعض الأشخاص بالاختيار لأنفسهم، وسمح لآخرين بالاختيار لمجموعة أخرى من الأشخاص، وقررت مجموعة ثالثة لنفسها بعد مضي أسبوعين. فأظهرت الدراسة أن الناس على استعداد لشرب نصف كوب من الخليط في المستقبل، لكنهم التزموا بتناول ملعقتين فقط في الحاضر.

إلا أن البحث يشير أيضًا إلى أن المماطلين يمكنهم التواصل بشكل أكبر مع أنفسهم في المستقبل، وهو تغيير قد يجعلهم سعداء على المدى الطويل.

في إحدى الدراسات التي أجراها هيرشفيلد، استخدم بعض الخاضعين للدراسة الواقع الافتراضي للنظر إلى صور رقمية تظهر هيأتهم في المستقبل. ثم سُئِل المشاركون عن الكيفية التي سينفقون بها 1000 دولار. فاختار من رأى الصورة منهم استثمار ضعف المبلغ في مدخرات التقاعد، على خلاف من لم يروا الصور.

وما يثير الدهشة هو أن شركات التأمين استغلت تلك النتائج في محاولة زيادة عدد زبائنها. فقد أطلق مصرف Bank of America Merrill Lynch خدمة أطلق عليها اسم Face Retirement أو «شكلك عند التقاعد»، حيث ترفع صورة لنفسك وتراها بعد أن تشيخ باستخدام الحاسوب. كما أنشأ البنك أداة مماثلة بمساعدة فريق العلوم السلوكية الخاص به.

كيف تصبح منتجًا مجددًا؟

وتتساءل الكاتب حول ما الذي يمكن للناس فعله للكف عن المماطلة، بخلاف التفاؤل بشأن المستقبل؟

يرى تيم أوربان أن النصيحة النموذجية التي يجري توجيهها للمماطلين بالكف عما يفعلون، والبدء في العمل تثير السخرية، وذلك لأن المماطلة ليست شعورًا يمكن السيطرة عليه. معقبًا بالسخرية: «دعونا نخبر البدينين أن عليهم الكف عن الإفراط في الأكل، وللمكتئبين بأن عليهم تجنب اللامبالاة، وليخبر أحدكم رجاءً حيتان الشاطئ أن عليها تجنب الخروج من المحيط».

ولكن ثمة بعض النصائح، حسبما يقول الباحثون في هذا المجال، يمكنها أن تساعد المماطلين على العودة إلى العمل.

يشير المقال إلى نصائح تيموني بيتشل للمماطلين. وهو يؤكد أن أحد أكثر التصرفات فعالية التي يمكن للمماطلين القيام بها، هي مسامحة أنفسهم على المماطلة. ففي دراسة أجراها بيتشل وآخرون، تبين أن الطلاب الذين يسامحون أنفسهم على المماطلة في الاختبار الأول، يماطلون بشكل أقل في الاختبار الثاني. ويرجع السبب في نجاح ذلك هو ارتباط المماطلة بالمشاعر السلبية، فعندما تسامح نفسك فإن ذلك يقلل من ذنب شعورك بالمماطلة، وهو أحد أكبر الدوافع للمماطلة في المقام الأول.

لكن أفضل شيء يوصي به، وفقًا للمقال، هو أنه لا يلزم أن تكون في مزاج جيد حتى تنجز عملًا بعينه، تجاهل فحسب كيف تشعر وأنجز مهامك. «عليّ أن أقر بأنني على الأرجح لن أحب ما أفعل، ولا يهم كيف أشعر حياله».

بدلًا من التركيز على المشاعر، علينا أن نفكر في التحرك التالي. وينصح المقال الناس بتجزئة مهامهم إلى خطوات صغيرة جدًّا يمكن إنجازها. وحتى لو كانت الخطوة صغيرةً جدًّا، فإن أي تقدم من شأنه أن يشعرك بتحسن حيال المهمة، ويزيد ثقتك في نفسك، وهو ما سيقلل في المقابل الرغبة في المماطلة لتحسين شعورك.

يرى بيتشل أيضًا أنه على المدرسين والآباء أن يعلموا الأطفال التعامل مع إغراءات المماطلة من سن باكرة. حيث إن المشكلة لا تمكن في إدارة الوقت كما يرى معظم الآباء، ولكن في إدارة المشاعر. عليهم أن يتعلموا أن المرء لا يشعر شعورًا جيدًا طوال الوقت، وعليه التعايش مع ذلك.

وينقل بيتشل عن مارك توين قوله: «إذا كانت مهمتك هي أكل ضفدع، قم بأكله في الصباح الباكر، وإذا كانت مهمتك هي أكل ضفدعين، قم بأكل الأكبر حجمًا أولًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد