رصد تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية حالة النجاح التي حققها لاجئون سوريون في الاندماج مع وطنهم الجديد الذي لجؤوا إليه بعد أن باتت بلادهم عصية على العيش بعد ست سنوات من الحرب الأهلية التي خلفت دمارًا هائلًا في سوريا.

ونقل تقرير الصحيفة البريطانية صورًا من حياة بعض اللاجئين السوريين في جزيرة بيوت الأسكتلندية الصغيرة، وكيف كان الترحيب بهؤلاء اللاجئين هو الشعور السائد لدى مواطني هذه الجزيرة باستثناء بعض الاستقبال الفاتر.

وقال التقرير: «استقر نجم على جزيرة أسكتلندية في عيد الميلاد هذا العام، ويجلب المزيد من الناس مرة أخرى الهدايا من الشرق. قبل احتفالات عيد الميلاد عام 2015، فتحت جزيرة بيوت -وهي جزيرة تقع قبالة الساحل الغربي لأسكتلندا على جانبي نهر كلايد- أبوابها بشكل غير رسمي لمجموعة محطمة تتشكل من 24 عائلة سورية فرت من التهديد اليومي بالقتل والاضطهاد. وكان الكثير من بين 6500 شخص يمثلون التعداد السكاني في بيوت حريصين على الترحيب بأولئك الذين عانوا من الرعب. وفي بعض الأماكن كان الاستقبال فاترًا».

اقرأ أيضًا: «الجارديان» تكشف كيف تعرضت «الخوذ البيضاء» السورية لحملات تشويه قادتها روسيا

وقد غذت ردود الفعل السلبية لدى البعض مشاعر الريبة والاستياء، وبعض التغطية الإعلامية التي سعت إلى نسج مشاعر الخوف والتحريض على الانقسامات. وكان كريج بورلاند، رئيس تحرير صحيفة «ذا بوتمان» المحلية في جزيرة بيوت قد كتب قبل عامين: «أريد أن تكون جزيرة بيوت مكانًا يمكن فيه للأشخاص الذين يأتون إلى هنا فقط وهم ليس لديهم سوى ملابسهم أن يشعروا بالأمان، وبأنهم في وطنهم».

وقال التقرير إن بورلاند ترك مهام وظيفته في رئاسة التحرير منذ ذلك الحين، لكنه سيكون سعيدًا لمعرفة أن أمنيته في عيد الميلاد عام 2015 قد تحققت: فهذه الأسر السورية هي في الواقع آمنة، ويشعرون بأنهم في وطنهم. إن هذا المجتمع الصغير وغير الطائفي يحملهم الآن بالقرب من قلبه. ويشعر الوافدون السوريون -بدورهم- بأنهم ينتمون إلى جزيرة بيوت، وهم متحمسون لرد اللطف الذي قوبلوا به.

بنك الطعام

قبل عامين، شكلت أنجيلا كالاجان جزءًا من لجنة الاستقبال في الجزيرة لمساعدة اللاجئين على الاستقرار والشعور بأنهم مرحب بهم. وهي تدير واحة بيوت، وهو متجر لبيع الهدايا الجديدة والمستعملة، والذي تستخدمه لتمويل بنك للطعام. قبل عامين أعربت عن تفاؤلها بأن تجربة العائلات السورية في جزيرة بيوت ستكون سعيدة.

ونقل تقرير «الجارديان» ما ذكرته أنجيلا في عام 2015: «هؤلاء الناس سوف يصبحون جزءًا من مجتمعنا، ولن يكون هناك الكثير من الوقت حتى يصلوا إلى تنظيم وجبات الطعام».

تعد أنجيلا في عيد الميلاد هذا العام أكثر من 100 صندوق طعام للعائلات المحلية والسورية على حد سواء. وقد دأبت على الإشراف على عملية تسليم صناديق الطعام للعائلات السورية والمحلية بعد ظهر يوم الجمعة من كل أسبوع. يساعدها في التوزيع شابان سوريان، وهما: أحمد فارس، وبسام ميداني. تقول أنجيلا: «إنهم يشعرون بأنهم يريدون ترك أثر في المجتمع. إنهم يساعدون هنا في متجر بيع الهدايا، والسكان المحليون يحبونهم».

بحسب ما ذكره التقرير، فإن فارس وميداني قد حازا رخصتي قيادة كانا قد حصلا عليها بعد إجراء اختباراتهما في أيرلندا، والتي تقدم الجزء النظري من الاختبار باللغة العربية.

وأضافت أنجيلا: «لقد استقرت جميع العائلات السورية بشكل جيد هنا، وقد تغيرت نظرة المجتمع إليهم. وهذا يشمل بعض أولئك الذين كانوا أقل ميلًا إلى الترحيب بهم عندما جاؤوا أول مرة هنا. لدينا الكثير من الأطفال السوريين الذين يتكلمون بلهجات أسكتلندية. والآن أتردد على منازلهم لتناول العشاء وأكواب من الشاي». وبحسب ما نقله التقرير عن أنجيلا، فقد كانت هناك بعض الصعوبات التي واجهها اللاجئون السوريون في البداية.

مهند حلمي

إحدى قصص النجاح التي رصدها التقرير في جزيرة بيوت هو مهند حلمي، الذي وصل قبل 10 أشهر مع زوجته رغد البرقاوي، وابنهما نعيم البالغ من العمر أربع سنوات، وابنتهما كامار البالغة من العمر 18 شهرًا، وبعض أفراد أسرته التي سكنت جزيرة بيوت أيضًا.

في غضون فترة قصيرة من الزمن جعل الزوجان من منزلهما المتواضع منزلًا للدفء والمحبة. ونقل التقرير عن حلمي قوله: «نحن سعداء جدًا هنا. لم يظهر لنا الناس سوى الود والمحبة منذ اليوم الذي وصلنا فيه. يقابلنا الجميع بالابتسامة عندما نذهب إلى المحلات التجارية أو نخرج للنزهة. الجميع يشير بيده لتحيتنا. هدفي هو تعلم اللغة الإنجليزية بطلاقة، ثم العثور على وظيفة».

مهند حلمي وزوجته رغد البرقاوي- الجارديان

وفقًا للتقرير، فإن حلمي لا يعتقد أنه سيعود إلى سوريا في المستقبل القريب، على الرغم من أنه عندما يتحدث عن وطنه، يشعر بالألم في عينيه. وكانت عائلة حلمي قد فرت من داريا، إحدى ضواحي دمشق، بعد أن سيطرت عليها قوات النظام السوري التي استهدفت قوات المعارضة في المدينة.

وأوضح التقرير كيف واجه الناس هناك الموت عن طريق القصف أو المجاعة. وقال حلمي: «في سوريا كنت عامل طابعات محترفًا، وأريد ممارسة ذلك في أسكتلندا بعد أن تحسنت لغتي الإنجليزية بشكل كافٍ. أريد أيضًا أن أرد الجميل إلى هذا المجتمع. لقد كان الناس لطفاء جدًا، ونحن نعتبر هذا الآن موطنًا لنا. يومًا ما بإذن الله قد نعود إلى سوريا، ولكننا نعلم أنه لن يكون البلد نفسه الذي تركناه. واذا قمنا بذلك، فسوف نترك جزءًا كبيرًا من قلبنا في أسكتلندا».

اكتسب حلمي مع زوجته الشعور بأنهما وجدا السعادة مرة أخرى، ودرجة من الأمن في حياتهما. حتى أنهما يشعران بأن هذه قد تكون المرة الأولى في زواجهما التي يجدان فيها قدرًا من الهدوء والسلام. ويبدو أن الكثير من سعادتهما ينبع من حقيقة أن طفليهما قد وجدا الآن مكانًا يمكن أن يشعرا فيه بالأمان والفرح البسيط للعب دون خوف، وفق ما ذكره التقرير.

وأضاف حلمي: «نشعر بالأمان الشديد هنا ونمتن له كثيرًا. إنه مكان جميل لجلب أطفالنا إليه، ومن الجيد أن نراهم سعداء وآمنين».

توطين اللاجئين

أشار التقرير إلى أن مجلس جزيرة بيوت يشعر بالرضا عن الطريقة التي استقرت بها الأسر السورية وأيضًا -وبشكل خاص- عن الطريقة التي تم دمجهم بها في قلب المجتمع. وقد حاول البعض إثارة الشبهات وتنظيم رد فعل عنيف، لكن النوايا الحسنة بالجزيرة هي التي سادت في نهاية المطاف.

وأوضح التقرير أن اللحظات الصعبة التي واجهها اللاجئون السوريون في جزيرة بيوت جاءت عندما ذكرت بعض وسائل الإعلام اسم المشتبه به في تفجير لندن جنبًا إلى جنب مع صورة له وهو في جزيرة بيوت. وقد أطلق سراحه بسرعة دون توجيه اتهامات إليه، ولكن كانت هناك مخاوف من أن يكون هناك عناصر تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مختبئين بين اللاجئين.

وقالت رئيسة المجلس، أيلين مورتون: «إن برنامج إعادة توطين اللاجئين السوريين حقق نجاحًا كبيرًا بالنسبة لكل من جزيرة بيوت والعائلات المعنية. ومن المشجع أن نرى الأسر تستقر وتنمو في المجتمع لصالح الجميع… كان الأمر يتعلق بمساعدة الناس الفارين من الصدمة على الشعور بالأمان، ويسرني أنهم يشعرون الآن بإمكانية الإشارة إلى بيوت بوصفها وطنًا لهم».

يذكر أن المدارس الابتدائية والثانوية في الجزيرة الأسكتلندية قد لعبت دورًا حاسمًا في عملية الاندماج. ويتلقى الأطفال السوريون في هذه المدارس القيم التي يسعى المجتمع إلى تعزيزها.

منذر الدرساني- الجارديان

من بين القصص الأخرى التي رصدها التقرير كان منزر الدرساني، الذي عمل حلاقًا مدة 15 عامًا في دمشق قبل أن يفر مع عائلته إلى جزيرة بيوت. كان شخصية معروفة في المدينة، وكان متجره، صالون الشرق، مشغولًا دائمًا. وفي وقت سابق من هذا العام، افتتح الدرساني صالون حلاقة في الجزيرة يحمل نفس الاسم.

ونقل التقرير عن الدرساني قوله: «بعد أن جئت إلى هنا درست اللغة الإنجليزية مدة خمس ساعات كل ليلة في بيتي، وبعد ستة أشهر شعرت بأنني بدأت في استيعابها. لقد كان السكان المحليون مفيدين جدًا. شعروا أنني كنت حريصًا على التعلم وكانوا صبورين جدًا، وكانوا يساعدونني عندما أذكر كلمات أو جملًا خاطئة».

وأضاف الدرساني أنه يشعر بأنه مرحب به في الجزيرة، مشيرًا إلى أنه يتطوع أيضًا لتوزيع صناديق الطعام لتقديم الشكر إلى أهالي جزيرة بيوت لإظهارهم الرحمة، ومساعدتهم اللاجئين السوريين في أحلك الأوقات.

واختتم التقرير بقوله إن اللاجئين السوريين قد ساهموا في ازدهار هذه الجزيرة التي كانت قد نظمت قبل ثلاث سنوات اجتماعًا لاستطلاع الآراء حول كيفية إحياء هذا المكان الكبير، الذي ووفقًا لتعداد عام 2011 انخفض عدد سكانه بنسبة 10٪ في العقد الماضي.

اللاجئون السوريون في أرقام

  1. 11 مليونًا هو عدد السوريين الذين فروا من بلادهم منذ اندلاع الحرب الأهلية في مارس (آذار) 2011.
  2. 3.3 مليون لاجئ هو عدد اللاجئين الذين تستضيفهم تركيا، وهو أكبر عدد من اللاجئين السوريين المسجلين في بلد واحد، في حين يستضيف لبنان 1.1 مليون لاجئ، والأردن 660 ألفًا.
  3. 6.6 مليون هو عدد النازحين داخليًّا في سوريا.
  4. طلب نحو مليون لاجئ سوري اللجوء إلى أوروبا. تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا، التي تضم أكثر من 300 ألف لاجئ تقدموا بطلبات للجوء، والسويد 100 ألف، هما أكبر الدول المستقبلة للاجئين في الاتحاد الأوروبي.
  5. أُعيد توطين 9394 لاجئًا سوريًّا في بريطانيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد