الأسئلة من نوعية الحكمة بأثر رجعي كأن تقول: “بمعرفة ما نعرف الآن، فهل وجب علينا فعل كذا”؟ تقودني للجنون، ولابد أنها تفعل المثل معك.

في بداية المقالة نوضح بعض القواعد والمبادئ العامة، ثم نعرج بعد هذا على بعض الدروس التاريخية.

قواعد عامة:

القاعدة الأولى

لا يجب على أي شخص على الإطلاق – سواء كان صحفيًا أو مدنيًا، سواء أكان أمريكيا أو من أي مكان آخر – أن يضيع ثانية أخرى في سؤال: “بما يتوافر لدينا من معلومات الآن، فهل وجب علينا أن نغزو العراق من البداية؟” وهذا للأسباب التالية:

  • من السهل للغاية أن نقول أيضًا: “بما نعلمه الآن، هل كان علينا شراء تذكرة طيران على طائرة الخطوط الماليزية رقم 370 – وهي طائرة سقطت مؤخرًا -؟”.

وأعتقد أن الوحيدين الذين سيجيبون بنعم على مثل هذا السؤال عن العراق – هم من تورط بعض أقاربهم في هذا الأمر – كجيب بوش الأخ الأصغر للرئيس السابق جورج بوش الابن والمرشح الرئاسي الحالي.

أو أيضًا من لا يطيقون الوقوع تحت الضغط المثار من الأسئلة حول هذا الموضوع – مثل جيب بوش أيضًا -!

أو أولئك الذين أنهت الحرب مسيرتهم العملية كالثلاثي ديك شيني وجون بولتون وبول ولفويتز، فيبحثون عن حجة تحت سؤال من نوعية “بما نعلمه الآن…؟” – فيبررون بها فعلتهم التي كانت تكلفتها القتل والدمار، وسترى الأجيال القادمة الفوضى الحادثة في الشرق الأوسط الآن، كل هذا بالطبع بالرغم من عدم العثور على أي من أسلحة الدمار الشامل المزعومة – ثم تجدهم يقولون: “ما حدث كان عملًا جيدًا للغاية”.

  • هذا السؤال لا يجيبك عن أي شيء حقًا. فالقادة لا يتخذون القرارات باستخدام قاعدة “بما نعلمه الآن” بأثر رجعي، بل يجب عليهم أن يقيموا كل الدلائل بناءً على قاعدة: “ما نعلمه في وقتها”، في وقت الحدث نفسه.

مما يقودنا إلى التالي:

القاعدة الثانية

السؤال الذي يجب أن يسأله المواطنون والمراسلون بدلًا من ذلك:

  • بناءً على “ما كنا نعلمه حينها”، كيف تم تقييم الأدلة والمكاسب المحتملة، والمخاطر المحتملة من غزو العراق، قبل أخذ قرار الحرب؟

كيف كانت آراؤك في بداية عام 2003؟ وهذا سؤال صريح ومباشر بدلًا من السؤال الأول المخادع.

 مما يقودنا لسؤال أكثر أهمية:

  • بغض النظر عن شعورك الآن بخصوص الحرب، أكنت مصيبا أم مخطئا؟ واعٍ أم مضلل؟ فالسؤال الآن هو: ماذا تعلمت من قرار الغزو؟ وكيف أثر ذلك – وأنت لديك كل الأدلة الحقيقية عما حدث – على شكل قراراتك في المستقبل؟ بالإضافة لما اكتسبته من خبرات حول خطورة اقحام القوات المسلحة الأمريكية في أمر غير سليم؟

السؤال السابق سؤال أساسي للغاية في هذا الموضوع، وخصوصًا لمن يرشحون أنفسهم للرئاسة حاليًا. ولتقييم إجاباتهم على هذا السؤال اقترح النظام الآتي:

يجب خصم نقاط من المرشح الذي يخادع بقوله: “أنا لا أقدم فرضيات نظرية”. قد تصح تلك القاعدة إذا كنت قائدًا عسكريًا، فتمتنع عن الإفصاح عن متى وأين سوف تهاجم بالضبط. لكن إذا أردت أن تكون الرئيس، فلا يزال عليك أن تتعامل مع تلك “النظريات” وتجيب عنها.

ومنح نقاط زائدة لأي مرشح يتعامل بصراحة مع السؤال عما تعلمه من كونه مخطئًا أو مصيبًا في رأيه بخصوص العراق.

درس تاريخي

وأنا هنا أؤكد نقطة تم إيضاحها بواسطة العديد من الصحفيين من قبل، ولكنها مهمة للغاية، ومخافة من أن تتوه مع التيار فأشعر أنه يجب أن أعيد النقاش حول الموضوع:

  • سؤال “بمعرفة ما نعرفه الآن” يفترض أن إدارة بوش والشعب الأمريكي كان في دور القاضي المحايد، أو صانع القرار بحسن نية، لكن الذي يزن الأدلة بدقة فسيجد – للأسف – أنها كان يتم توجيهها ناحية الغزو، لأن أغلب المعلومات المتوفرة كانت تشير لوجود تهديد خطير بوجود أسلحة دمار شامل.
  • تلك الأدلة كانت مزيفة تمامًا.
  • الحرب كانت ستقوم لا محالة، وادعاءات وجود أسلحة دمار شامل كانت بسبب الحاجة لإيجاد مبرر للحرب، وقد كان بول كروجمان محقًا حين قال: “الحرب على العراق لم تكن خطًا بريئًا، هي مخاطرة تم اتخاذها بناءً على معلومات استخباراتية والتي اتضح لاحقًا أنها خاطئة. قد غزت أمريكا العراق لأن إدارة بوش أرادت الحرب. والتبرير العلني للغزو لم يكن أي شيء غير ذرائع ملفقة”.

قد تكون تلك النبرة صادمة أكثر مما اعتدته. فلماذا صغت كلامي بهذه الطريقة؟ لقد أوضحت بأكثر ما أستطيع من تفاصيل في كتابي “الاندفاع الأعمى إلى بغداد“، وفي مقالة بالأتلانتيك بنفس الاسم، وأخرى تحت عنوان “سنة بوش الخاسرة“. لكن ما يلي هو ملخص لتلك الآراء:

لقد كنت موجودًا بواشنطن صباح 11 سبتمبر 2001، وعندما بدأت التليفونات بالعودة للعمل مرة أخرى، كلمت أبنائي وأبويَّ، ثم المحررين بالأتلانتيك مايكل كليو كولين مورفي، وبعد هذا مباشرة قمت بمكالمة لصديق كان يعمل بداخل البنتاجون عندما حدثت الضربة، وكان تم نقله إلى فريق تخطيط الرد الإستراتيجي للولايات المتحدة، وقد أخبرني هذا في ظهر اليوم “لا ندري من أين أتت الضربات تمامًا، لكنى أستطيع أن أخبرك أن الرد سيكون في العراق”. وقد كتبت عن هذا في الأتلانتيك بعده بوقت قصير ثم في كتابي. كان صديقي صادقًا في إيضاح توجهاته الشخصية، فقد قال إن صدام حسين هو المصدر الأساسي لعدم الاستقرار بالمنطقة. لكنه أوضح أنه حتى لو شعر بالعكس، فكل الأمور كانت تصب في موضوع للعراق.

بعد أربعة أيام من 9/11 عقد الرئيس بوش اجتماعًا مع مستشاريه في كامب ديفيد، وبعد الاجتماع انتشرت الشائعات بما يتم اعتباره الآن حقيقة تاريخية: أن بول ولفويتز، مع دعم ظاهر من دونالد رامسفيلد، تحدثوا عن غزو العراق مباشرة جنبًا إلى جنب مع أفغانستان أو حتى بدلًا منها. (ورقة أكاديمية تدعم هذا)، وقد صوت المسؤولون ضد التوجه المباشر للعراق. لكن منذ تلك النقطة كان الأمر عن كيف سيهيئون للعالم غزو العراق وليس مناقشة هل سيتم الغزو أم لا؟

أي شخص كان يتابع الأمور العسكرية والسياسية يعلم بالتأكيد بنهاية عام 2001 بأن الإدارة والجيش كانوا يتجهزون لغزو العراق. وإذا أردت مخططًا زمنيًا، مرة أخرى فلترجع لكتابي أو لهذا الرأي لبوب وودوارد تحت عنوان “خطة الهجوم”، والتي تصف اجتماعات بوش مع الجنيرال تومي فرانكس في ديسمبر 2001، لرسم خطة الغزو. وبنهاية عام 2001 كانت التحضيرات لتحويل الوجهة والقوات والأسلحة من أفغانستان لحرب العراق، قبل حتى وجود أي نقاش قومي عن الحرب.

هل تريد إثباتًا قويًا بأننا تعاملنا بجدية مع حقيقة أن قرار الحرب قد أخذ قبل النقاش؟ في نهاية شهر فبراير عام 2002، كان محررو الجريدة يضعون الخطط عن كيفية تغطية الحرب القادمة. وفي بدأت في إجراء التحضيرات لمقالات تم نشرها ورقيًا في نوفمبر لكنها نشرت على الإنترنت قبل ذلك في شهر أغسطس. كان اسمها “الولاية الواحدة والخمسون“، ومما كُتب فيها كان “الولايات المتحدة ستدخل الحرب، وستنتصر على المدى القريب، لكن الله وحده يعلم ماذا ستكون تبعات تلك الحرب في المستقبل”.

كان هذا كله بعام قبل الغزو، وقبل سبعة أشهر من المقابلة المرعبة مع كونداليزا رايس حينما قالت: (نحن لا نريد للبنادق ذات الدخان، إلى أن تصبح سحبًا على شكل عش الغراب)، وقبل سبعة أشهر من اقتباس “القردة المدربة” لرامسفيلد حيث قال: “ليس هناك نقاش في العالم حول امتلاكهم لهذه الأسلحة، كلنا نعلم هذا، بل حتى أن القردة المدربة تعلم هذا”، وقبل ستة أشهر من خطاب ديك تشيني المفزع أمام جمعية المحاربين القدام: “أقول ببساطة، لا شك الآن أن لدى صدام حسين أسلحة دمار شامل”. كان هذا قبل زمن طويل من تقرير الولايات المتحدة “الفعلي” الذي تقرر على أثره الذهاب للحرب.

في نهاية صيف عام 2002، بدأ العامة ينتابهم الذعر من السماع عن أسلحة الدمار الشامل التي يخزنها صدام كمبرر لغزو العراق. لكن هذا لم يكن السبب الحقيقي للغزو، فقد تم وضع خطط الغزو قبل ذلك بشهور طويلة. الحرب كانت آتية لا محالة، وما كان عليهم إلا اختراع السبب لتبرير الحرب.

كل متابع للحدث يعلم ذلك. ويمكنك البحث عن ذلك. ومن الأفضل لنا ألا ننسى ففي خضم الندم المزيف الواقع الآن، فأسئلة من نوعية “بمعرفة ما نعرف الآن” تقضي على التاريخ الحقيقي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد