منذ أن تجرأ جورج دبليو بوش كأول من يستخدم مصطلح «فلسطين» في عام 2002، كان الشعار في واشنطن بأن حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بات معروفًا: دولتان تعيشان بأمان وبسلام جنبًا إلى جنب، مع التفاوض بشأن كل القضايا الشائكة، بما في ذلك اللاجئين والحدود والمستوطنات والقدس.

من الواضح أن الحال لم يعد كذلك الآن. حان الوقت لتوجيه الأطراف إلى التفكير في بدائل والقيام بذلك دون الإضرار بالطرف الآخر. الأطراف الخارجية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، ليس لديهم لا الخيال ولا الإرادة للقيام بذلك بأنفسهم.

غير أنهم ما زال بإمكانهم تحديد ديناميكيات لوضع حلول فورية في الوقت الراهن والتركيز على حياة الناس الذين تم تجاهلهم (كأولئك الذين يعيشون في غزة) والكيانات التي تقلصت قيمتها (كالمنظمات الدولية والآليات القانونية).

مناصرو حل الدولتين كانوا محقين حينما قالوا في البداية بأن الحلول الأخرى ليست واقعية. الآن، تبدلت المواقف وبات يمكننا القول بأن حل الدولتين غير عملي بشكل مجنون. في حين يبدو حل الدولتين جيدًا من الناحية النظرية، فقد رأينا بما فيه الكفاية ما من شأنه أن يبدو وكأنه يفضي إلى تقنين المظالم القائمة بدلًا من حلها.

«عملية السلام» مكنت بدلًا من أن تنهي مجموعة من الترتيبات الأمنية والمستوطنات التي أدت إلى اليأس الفلسطيني وسمحت لإسرائيل بأن تلقي بنفسها في واقع قابل للتطبيق الآن، ولكنه يوفر مستقبلا غير جذاب للعنصرية المؤسسية والعسكرية، ناهيك عن السخط الدولي لأحفاد الجيل الحالي. حوارات هادئة تجري بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأحيانًا بينهما بالتبادل.

ولكن أن تتوقع أن يكون ذات اللاعبين الذين فشلوا في إقرار حل الدولتين دبلوماسيًا أن يقوموا بخلق بدائل فورية هو أمر غير واقعي. هناك نوعان من التحولات الواضحة للأطراف الخارجية من أجل تسهيل وحماية عملية إيجاد ترتيبات تكون أكثر قابلية للتطبيق.

أولًا، يمكن للأطراف الخارجية أن تتبنى النهج الذي لا يبدأ بدبلوماسية إنهاء الصراع، وإنما مع غزة، والتي لا تزال تعاني من مستويات عالية من العزلة الاقتصادية التي بدأت منذ أكثر من عقدين ونمت بطريقة صارمة للغاية. لا تزال غزة تعاني أيضًا من تداعيات القتال الوحشي في الصيف الماضي.

أحد أكبر العقبات التي تعترض هذا النهج هو الخوف من أن يفضي ذلك إلى تمكين حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، كما لو كانت العزلة لم تؤد إلى تمكين حماس في المقام الأول.

سيكون هناك مجموعة من الترتيبات العملية بين مصر وإسرائيل ونصفي القيادة الفلسطينية (حماس وفتح) تؤدي إلى إعادة الإعمار في غزة، والتخفيف من وطأة الظروف الرهيبة، فضلًا عن السماح لحركة دبلوماسية من شأنها كسر الجمود الحالي.

بالطبع، قد تفشل هذه الجهود السياسية، وفي هذه الحالة، سيكون لدينا على الأقل التخفيف من المعاناة في غزة.

لا يعني التركيز على قطاع غزة أن نتجاهل ما يجري في الضفة الغربية. ولكنه يحول التركيز من كون المستوطنات الإسرائيلية تمس الحدود المستقبلية إلى المشاكل الأعمق بكثير من قبيل مجموعة الترتيبات الأمنية التي تحاصر الفلسطينيين وتضعهم في مواجهة النظام الإسرائيلي الذي يتنكر في صورة مجموعة من التدابير المؤقتة التي لا تخدم أي رؤية يمكن الدفاع عنها على المدى الطويل.

ثانيًا، يمكن للأطراف الخارجية أن تقود الجهود التي تساهم في تعزيز القانون الدولي والمنظمات الدولية. على وجه التحديد، يعني ذلك أن نقل الصراع إلى مجموعة غنية من الآليات الدولية الرامية إلى إدارة وتسوية النزاعات يجب أن يتم التعاطي معه باعتباره أمرًا جيدًا.

إن ترديد المقولة الشهيرة بأنه يجب على الطرفين تسوية النزاع مباشرة دون إشراك الهيئات الدولية أو القانون الدولي لطالما كان تكتيكًا إسرائيليًا بتحريض من الولايات المتحدة منذ عقود، ويبدو الأمر غير واقعي أن تتوقع بأن إسرائيل تريد أي شيء آخر، فمنذ متى لا تسيطر إسرائيل على معظم الأوراق عندما تواجه الفلسطينيين بطريقة مباشرة على طاولة المفاوضات. ولكنها استراتيجية قصيرة النظر أيضًا، حيث أنها تؤدي إلى إنعدام الثقة لدى الجانب الفلسطيني.

أحيانًا تنسى الولايات المتحدة أن جزءًا كبيرًا من الإطار الدولي القائم من المؤسسات والوثائق هو نتاج، ولو كان بشكل جزئي، لعمل أمريكي بعد الحرب العالمية الثانية.

تنسى إسرائيل كيف كان القانون الدولي حاميًا لها كدولة معترف بها. ويتعامل الفلسطينيون مع «الشرعية الدولية» باعتبارها تصب في صالحهم. بشكل عام، تفرض مواثيق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف وصكوك حقوق الإنسان أعباءً والتزامات حقيقية على جميع الأطراف، ولكن تلك التي تخدم المصالح طويلة الأجل للجميع.

قد تبدو هذه الاقتراحات كما لو كانت أحلام يقظة، والواقع أنها قد تكون قبل عقد من الزمان. اليوم، هناك دلائل على أن الأطراف نفسها تسير في هذا الاتجاه، وبدأ الحديث عن «إعادة التقييم» داخل أروقة السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة. هذا هو الخبر السار. بعد جيل من إخضاع الكثير لأولوية عملية السلام، يبدو أن وجهة المفاوضات كانت السماح لجولة جديدة من المفاوضات.

من المفيد هنا أن نستدعي اعتراف الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخير والمذهل والذي يقول بأن الفكرة القائلة بأنه «مع بعض الحس السليم .. يمكننا حل القضايا الشائكة» مع «دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب في سلام وأمن» الآن «تبدو فكرة قاتمة جدًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد