قال جاسمندر سنج وروبين داس – محللان في «المركز الدولي لبحوث العنف السياسي والإرهاب (ICPVTR)»، وهي وحدة تابعة لكلية «إس راجارتنام للدراسات الدولية (RSIS)» بجامعة نانيانج التكنولوجية – في تحليل نشرته مجلة «ذا دبلومات» إن «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» ارتبط بجنوب شرق آسيا منذ نشأته في عام 2014.

وأوضح الكاتبان أن الكثيرين توقعوا أن نهاية حصار مراوي في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وموت قادة التنظيم البارزين في جنوب شرق آسيا مثل بهرمسية، وبهرون نعيم، وأبو جندل، بالإضافة إلى الهزيمة المريرة للتنظيم بسوريا والعراق في مارس (آذار) 2019 ستؤدي إلى نهاية تهديد «داعش» في المنطقة.

Embed from Getty Images

ولكن لسوء الحظ لم يزل التنظيم أكثر حضورًا وخطورة من أي وقت مضى. لقد نفذت الجماعات التابعة لتنظيم «داعش» منذ انهياره عدة هجمات مميتة، بما في ذلك تفجيرات انتحارية في الفلبين وإندونيسيا. ربما تكون جائحة كورونا قد أعاقت العمليات وحركات المقاتلين إلى حد ما، لكن المجموعة لم تزل نشطة في الدعاية والتجنيد عبر الإنترنت.

ومع ذلك فإن الحقيقة وثيقة الصلة في هذا الصدد هي أنه لم يزل هناك قادة بارزون مرتبطون بـ«داعش» قادرين على قيادة العمليات العسكرية، وتنفيذها في جنوب شرق آسيا. القائد الأساسي لـ«داعش» في جنوب شرق آسيا – الذي لم يزل طليقًا – هو المواطن الإندونيسي سيف الله، والذي ارتبط اسمه بعدد من الهجمات في المنطقة.

من يكون سيف الله؟

يشير التحليل إلى الاعتقاد بأن سيف الله (المعروف أيضًا باسم دانيال أو تشانياجو) قد نشأ في بادانج غربي سومطرة. وبعد اعتقال مساعده المقرب م. فاشري في مارس 2015، انتقل سيف الله إلى مدرسة داخلية إسلامية تسمى بيسانترين بن مسعود في بوجور، في ضواحي العاصمة جاكرتا، حيث كان يعمل أمين مكتبة. كانت المدرسة – التي أُغلقت في عام 2017 – معروفة بالدعوة للإسلام الراديكالي، وقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأمان عبد الرحمن، مؤسس وقائد جماعة أنصار الدولة الإندونيسية التابعة لتنظيم «داعش». وبحسب ما ورد كانت المدرسة أيضًا مصدرًا مهمًا لتجنيد المقاتلين الجهاديين في الصراع السوري بين عامي 2014 و2017.

من بوجور حاول سيف الله الهجرة إلى سوريا عبر تركيا أواخر عام 2015. وفي مارس 2016 جرى احتجازه في مخبأ لتنظيم «داعش» في إسطنبول مع زميل إندونيسي يُدعى أوليا، ثم رُحل إلى إندونيسيا. عند عودته عاد إلى مدرسة بيسانترين ابن مسعود وتواصل مع منور خليل، وهو مدرس سابق في المدرسة انضم إلى «داعش» في سوريا. كان منور عضوًا رئيسًا في كتيبة نوسانتارا (كتيبة أرخبيل الملايو) بقيادة بحرومصية، وكُلِّف بتجنيد مقاتلين لـ«داعش» في العراق وسوريا.

Embed from Getty Images

من قاعدته في بوجور أصبح سيف الله نقطة اتصال رئيسة أجرى منور من خلالها المعاملات المالية، وسعى لنقل المقاتلين الإندونيسيين المجندين إلى سوريا عبر تركيا. أفادت الأنباء أن سيف الله ومنور سهلا حركة 57 إندونيسيًا إلى سوريا. والأهم من ذلك – يضيف التحليل – أنه كجزء من شبكة «داعش» الأوسع في جنوب شرق آسيا، كان منور مرتبطًا بالدكتور محمود أحمد، الماليزي الموالي لـ«داعش»، والذي لعب دورًا رئيسًا في العثور على مجندين للتنظيم في الفلبين وتمويلهم.

في مارس 2016 يُعتقد أن منور، بالاشتراك مع سيف الله، قام بتحويل أموال إلى الدكتور محمود لمقاتلي «داعش» في جزيرة مينداناو جنوب الفلبين، بما في ذلك بعض الذين شاركوا في نهاية المطاف في حصار مراوي. وبين مارس 2016 وسبتمبر (أيلول) 2017 تلقى سيف الله أموالًا من منور لتحويلها إلى مينداناو. هذه الأموال – التي يعتقد أنه جرى توجيهها إلى الدكتور محمود – جاءت من أماكن بعيدة، مثل ترينيداد وتوباجو، وفنزويلا، وألمانيا، وجزر المالديف، وماليزيا، حيث جرى تحويل أكثر من 28 ألف دولار لعملية ماراوي.

«داعش» في أفغانستان

في يوليو (تموز) 2017 سافر سيف الله إلى أفغانستان عبر بانكوك. وهناك انضم إلى صفوف تنظيم «داعش» في خراسان، فرع «تنظيم الدولة الإسلامية» في أفغانستان. يُعتقد أن تنظيم «داعش» في خراسان يضم متمردين من أفغانستان وباكستان، وربما من آسيا الوسطى. تثير هجرة سيف الله إلى أفغانستان السؤال المهم حول ما إذا كان هناك جناح جنوب شرق آسيوي لتنظيم «داعش» في أفغانستان، المكان الذي جرى فيه احتضان الجماعة الإسلامية الموالية للقاعدة، ثم أصبحت فيما بعد منظمة إرهابية رئيسة في جنوب شرق آسيا من 1999 إلى 2009، ولم تزل نشطة حتى الآن.

من المفترض أن تغطي «داعش» في خراسان باعتبارها ولاية تابعة للتنظيم جنوب ووسط آسيا. ومع ذلك – يستدرك التقرير – فإن وجود سيف الله في فرع «داعش» بخراسان يسلط الضوء على احتمالية أن تكون لهذه الولاية مسؤوليات خارج الولاية مرتبطة بجنوب شرق آسيا، لا سيما بعد وفاة الفلبيني إيسنيلون هابيلون، أمير «داعش» بجنوب شرق آسيا في أكتوبر 2017.

مع سفر سيف الله إلى أفغانستان في خضم حصار مراوي وبالتعاون الوثيق مع كل من قادة ومقاتلي ولاية جنوب شرق آسيا التابعة للتنظيم في الفلبين ومع منور، الذي كان آنذاك في سوريا، أثيرت تساؤلات حول ما إذا كان سيف الله هو الرجل المحتمل لـ«داعش» للتنسيق بين أفغانستان وجنوب شرق آسيا. يُعتقد أيضًا أن سيف الله على اتصال وثيق مع الجماعات الموالية لـ«داعش» في إندونيسيا، التي تلقت تمويلًا من التنظيم عبر سيف الله ومنور.

Embed from Getty Images

في مايو (أيار) 2018 قبل أيام قليلة من التفجيرات التي نفذها موالون للتنظيم في سورابايا – يكشف الكاتبان – قام سيف الله بتسهيل وتمويل سفر المواطن الإندونيسي باجيو صالح، الذي رُحل من تركيا في أكتوبر 2015. غادر باجيو إندونيسيا بحجة أداء العمرة. ولكن انتهى به الأمر للعمل لصالح «داعش» في خراسان بأفغانستان مع سيف الله. كان منور هو الذي أمر سيف الله باستقبال التنظيم في خراسان للمهاجرين؛ مما أدى إلى هجرة عدد من العائلات الإندونيسية إلى أفغانستان. أصبح دور سيف الله أكثر أهمية بعد اعتقال منور من قبل القوات الكردية في ديسمبر (كانون الأول) 2018. ويعتقد حاليًا أن منور مسجون في سجن المالكية بسوريا الذي يسيطر عليه الأكراد.

نشاط التنظيم في إندونيسيا

على الرغم من وجوده في أفغانستان، ظهر اسم سيف الله مقترنًا بتفجيرات كاتدرائية جولو في مينداناو في يناير (كانون الثاني) 2019. وقيل إن الإندونيسي آندي باسو – وهو ممقاتل بارز وميسر للتفجيرات – كان على اتصال مباشر مع سيف الله. كما تبين أن أحد منفذي هجوم موفيدا 2016 في كوالالمبور قد حول أموالًا إليه.

كان سيف الله قد أقام رابطًا مع الجماعة المتطرفة مجاهدي تيمور الإندونيسية من خلال توجيه شخص يُدعى نوفيندري لتحويل الأموال إليهم. كما جرى ربطه بآخر يُدعى يوجا، يُعتقد أنه حل محل آندي باسو – الذي قتل على يد القوات الحكومية الفلبينية في أغسطس (آب) 2020 – ليكون جسرًا بين الجماعات التابعة لـ«داعش» في إندونيسيا والفلبين.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: هل انتهى خطر تنظيم «داعش» إلى الأبد؟

من أفغانستان وعد سيف الله بإرسال أموال لشراء أسلحة في الفلبين لشن هجمات في ماليزيا وإندونيسيا. وفي يونيو (حزيران) 2019 جرى توقيف 11 إندونيسيًا كانوا في طريقهم إلى أفغانستان بمطار بانكوك، وكان قائد المجموعة يوليا جهة اتصال سيف الله القديمة. وهكذا يبدو أن هناك مجتمعًا جهاديًا إندونيسيًا ناشئًا في أفغانستان، بما في ذلك العديد ممن يُعتقد أنهم هاجروا من سوريا إلى أفغانستان منذ مارس 2019. في ضوء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ووجود سيف الله هناك، تمتلك أفغانستان إمكانات إعادة تأسيس نفسها كقاعدة تدريب «للإرهابيين» في جنوب شرق آسيا.

مستقبل التنظيم في جنوب شرق آسيا

على الرغم من ورود تقارير تفيد بمقتل سيف الله في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار في أفغانستان في عام 2019، فإن حقيقة ظهور اسمه مرة أخرى باعتباره العقل المدبر المزعوم للهجمات الإرهابية الأخيرة في ماكاسار بإندونيسيا في أواخر مارس 2021 يشير إلى أنه لم يزل حيًا ونشطًا. في ظل هذه الظروف فإن السؤال المطروح هو ما إذا كان سيف الله قد برز باعتباره الرجل الرئيس لـ«داعش»، وزعيمه الرئيس في جنوب شرق آسيا، مع أنه يقيم حاليًا في أفغانستان.

هل يعد سيف الله قائد تنظيم «داعش» في جنوب شرق آسيا؟ من الواضح أن القيادة المركزية لـ«داعش» ليس لديها ممثل أفضل من سيف الله في جنوب شرق آسيا. ولما كان مقره في أفغانستان، فهو في مأمن من عمليات الأجهزة الأمنية في المنطقة، ويبقى تحت حماية «تنظيم الدولة الإسلامية» في خراسان، الذي تتزايد قوته في أفغانستان، ومن المرجح أن يستمر في ذلك مع انسحاب القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي وسيطرة طالبان على البلاد.

سيف الله أيضًا إندونيسي – أكبر دولة إسلامية في العالم – ويعتقد أن لديه علاقات وثيقة مع مختلف الجماعات المؤيدة لـ«داعش». كما يتمتع بخبرة في إجراء المعاملات المالية السرية، وتسهيل السفر إلى مناطق القتال، واستخدام الاتصالات الآمنة، فضلًا عن إقامة علاقات مع مجموعات «داعش» خارج إندونيسيا، كما هو الحال في ماليزيا والفلبين.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: كيف تُحرك صراعات الشرق الأوسط سياسات كل من ماليزيا وإندونيسيا؟

الأمر المهم الذي نلاحظه اليوم هو أن التعاون بين الجماعات المتطرفة، الذي يشبه تقريبًا هيكل جبهة موحدة في مينداناو، وتجلى خلال حصار ماراوي، لم يعد موجودًا. سيكون من الصعب القضاء على هيكل تنظيم «داعش» اللامركزي في جنوب الفلبين في ظل جائحة كورونا، بالنظر إلى تحول الأولويات من مكافحة الإرهاب إلى إدارة الوباء، وعدم ظهور زعيم أساسي واضح للتنظيم في المنطقة.

ومع ذلك، ففي بيئة لا يوجد فيها قادة بارزون آخرون لداعش في المنطقة؛ إذ جميعهم قتلوا أو اعتقلوا، يظل سيف الله آخرهم. من خلال خبرته وعلاقاته مع تنظيم «داعش» في الشرق الأوسط، وأفغانستان، وجنوب شرق آسيا، يبدو أنه شخص مهم يجب أن يراقبه المسؤولون الأمنيون في جنوب شرق آسيا عن كثب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد