أعيدت إحدى أكثر التجارب النفسية شهرة وإثارة للجدل بعد مرور 50 عامًا، وما تزال النتيجة المحبطة واحدة، أغلب البشر سيقدمون على صعق إنسانٍ آخر وإلحاق الضرر به لمجرد انصياعه لأوامر السلطة.

في سن السابعة والعشرين كان د. «ستانلي ميلغرام» قد كون نظرية عن الألمان فيما يخص الوحشية النازية وتعذيب البشر. لم يكتف بالنظرية، بل تمادى وأجرى تجربة حقيقيةً ليختبر مدى صحة نظريته. تمحورت التجربة حول سؤال هل قد يخالف الإنسان ضميره ويقدم على تعذيب إنسانٍ آخر انصياعًا لأوامر السلطة –أيا كان شكلها، وللأسف أثبتت التجربة صحة نظريته.

بعد مرور 50 عامًا على التجربة المثيرة للجدل، قرر الباحثون إعادتها مرة أخرى، وأصدروا النسخة المعاصرة من النتائج، وللأسف أيضًا كانت النتيجة واحدة.. ماذا يخبرنا ذلك عن طبيعتنا كبشر؟!

في تقرير نشره موقع «ساينس أليرت»، تفصل «فايونا ماكدونالد» التجربتين المماثلتين اللتين يفصل بينهما 50 عامًا، كما تعرض أبرز التغيرات التي أُحدِثَت على التجربة لجعلها أكثر ملاءمة «أخلاقيًا». تقول فيونا إذا سبق أن درست العلوم الاجتماعية، فلابد أنك سمعت عن تجارب ميلغرام، تلك السلسلة سيئة السمعة من التجارب التي بدأت عام 1961.

النازيون بشر أطاعوا الأوامر؟

أدولف آيخمان مجرم الحرب النازي أثناء محاكمته

بدأ ستانلي ميلغرام – عالم النفس في جامعة يال – تجربته في يوليو (تموز) عام 1961، أي بعد بداية محاكمة «أدولف آيخمان»، مجرم الحرب الألماني النازي بثلاثة أشهر.

أراد ميلغرام أن يعرف «هل كان اشتراك آيخمان وشركائه الملايين في محرقة الهولوكوست مجرد انصياع للأوامر؟».

قال «توماس غزيب»، أحد علماء النفس من جامعة العلوم الاجتماعية والإنسانية SWPS في بولندا، «بمجرد معرفة معلومات عن التجربة ميلغرام، تدعي الغالبية العظمى من الناس أنهم لن يتعاملوا أبدًا على نفس ذلك المنوال».

وأضاف أن «دراستنا لتلك التجارب مرة أخرى، أظهرت حجم القوة الجبارة الوضع الذي يواجهه أفراد التجربة، ومدى سهولة موافقتهم على الأشياء التي يعتبرونها سيئة».

اصعقه واخدم العلم!

ومن أجل استكشاف الأمر، أعد ميلغرام تجربته، حيث وضع عددًا من المتطوعين تحت سلطة أحد القائمين على التجربة، وطُلب منهم إرسال شحنات صواعق كهربائية للشخص القاطن في الغرفة المجاورة – والذي يمكنهم سماعه دون رؤيته – في كل مرة يجيب إجابة خاطئة.

وكان هناك 30 قابسًا مختلفًا يمكنهم الضغط عليها، كل واحد منهم مدونٌ عليه الجهد الكهربي الموصول به. وحسب معرفتهم، كانت الصدمات الكهربائية تكاد تكون غير مؤذية عند جهد كهربي 15 فولت، ولكن بالتطرق إلى مقدار جهد كهربي خطير يقدر بـ 450 فولت، تم تحذيرهم من احتمالية إصابة المتلقي إصابة شديدة.

لكنهم لم يدركوا أن هذه الآلة لا تقوم بأي شيء سوى إصدار بعض الأصوات المخيفة، وبعض المؤثرات الضوئية، بينما كان الشخص القاطن في الغرفة المجاورة، مجرد ممثل محترف ضمن عناصر التجربة، وكان يتقاضى أجرًا مقابل صراخه كما لو كان يعاني من الألم.

لم يكن أي من المتطوعين للخضوع للتجربة على علم بأي من ذلك، بل صدقوا بالفعل أنهم يؤذون شخصًا آخر، لكن أخبرهم أحد القائمين على التجربة، أنه لابد من الاستمرار في الأمر، إذ يُعد ذلك أمرًا حيويًا للتجربة واكتشاف علمي مهم.

وكان التباين الأشهر الذي أظهرته تجربة ميلغرام أن 65% من 40 متطوعًا استجابوا للأوامر، ووصلوا إلى قابس 450 فولت، على الرغم من صرخات الألم، وتوسل الشخص الموجود في الغرفة المجاورة بالتوقف.

انصرف بعض الأشخاص عن التجربة، بينما احتج البعض الآخر كلاميًا على الاستمرار في التجربة، إلا أن ثلثي المتطوعين انصاعوا للأوامر واستمروا في التجربة.

جدير بالذكر أن ميلغرام أعد وثائقيًا عن التجربة، يمكنك مشاهدته هنا.

هل تلاعب ميلغرام بالبيانات؟

كانت النتائج صادمة بالطبع عن الطبيعة البشرية، وربما كان ذلك سببًا في ادعاء بعض العلماء أن ميلغرام تلاعب في البيانات، وناقش بعض الباحثين في السنوات التي تلت التجربة طريقة ميلغرام، وقالوا إنها طريقة مغرضة، إلا أن تباينات الاختبارات تكررت في شتى أنحاء العالم منذ ذلك الحين، وأظهرت نتائج متقاربة إلى حد ما.

وقيل إن هناك مكان واحد فقط لم تجر فيه هذه التجربة، وهو وسط أوروبا: بولندا.

الحل في الإعادة

كتب «غزيب» وفريقه في مجلة علم النفس الاجتماعي وعلم الشخصية، «كان هدفنا اختبار مدى ارتفاع مستوى الانصياع للأوامر الذي سنواجهه لدى مواطني بولندا».

وأضاف أنه «يجب التأكيد على أن تلك الاختبارات وفقًا لنموذج ميلغرام، لم تُجرَ في وسط أوروبا على الإطلاق. إذ بدا التاريخ الفريد من نوعه للبلدان التي تقع في المنطقة التي أظهرت مشكلة الانصياع للأوامر مثيرًا للاهتمام لنا بشكل خاص واستثنائي».

في النسخة المعاصرة من التجربة، عين الباحثون 80 مشاركًا (40 رجلًا و40 امرأةً) تتراوح أعمارهم بين 18 عامًا و69 عامًا.

وعلى نفس منوال اختبارات ميلغرام، حث القائمون على التجربة المتطوعين على صعق شخص ما في الغرفة الأخرى بشكل متزايد مع كل إجابة خاطئة، وأخبروهم أنه من المهم الاستمرار في الأمر حتى لو ارتفع مقدار الجهد الكهربي.

ولكن في هذه النسخة المطورة، كان هناك 10 قوابس فقط تسبب صعقًا كهربيًا منخفضًا، بدلًا من 30 قابسًا في الدراسة الأصلية، في محاولة لجعل التجربة أكثر «أخلاقية».

اقرأ أيضًا: مُترجَم: أسوأ 10 تجارب نفسية غير أخلاقية

نتائج محبطة للمرة الثانية

في نهاية المطاف، وجدوا أن 90% من المتطوعين قد انصاعوا للأوامر، من خلال تشغيل أعلى مستوى متاح من الصواعق الكهربائية، إذ يماثل عدد الأشخاص الذين ضغطوا على القابس العاشر إلى حد كبير عدد الأشخاص في تجربة ميلغرام.

استنتج غزيب أن «بعد مرور نصف قرن من دراسة ميلغرام الأصلية حول طاعة السلطة، ماتزال الغالبية العظمى من المتطوعين على استعداد لصعق شخص مغلوب على أمره».

وقبل أن نُحبط للغاية من حالة الإنسانية، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن حجم العينة المستخدم في التجربة صغير للغاية، كما هو الحال في كثير من تجارب ميلغرام الفردية على مر السنين، لذا، يصعب أن نستخلص نتائج كافية تعبر عن البشر بشكل عام.

في الحقيقة، كان يأمل الفريق البولندي في التوسع في الأبحاث الأولية لميلغرام، وبحث ما إذا كان هناك اختلاف بين الرجال والنساء، إلا أنه أقر بصغر حجم عينة الدراسة للغاية، ما حال دون التوصل لتلك الاستنتاجات.

قال فريق البحث في مجلة علم النفس الاجتماعي وعلم الشخصية، «نحن مضطرون للاعتراف بأننا لم نثبت صحة الفرضية القائلة بأن جنس الشخص المصعوق من شأنها التأثير على مستوى الانصياع للأوامر الذي أبداه المشاركون».

وأثير الجدل حول كيفية تفسير نتائج تجربة ميلغرام؟

كيف تُعذب إنسانًا وتشعر بالرضا التام والسعادة؟

في عام 2014، رجع فريق بحث إلى أرشيف جامعة يال، ووجدوا أنه بدلًا من شعور المشاركين بالأسى تجاه التجربة، شعروا في الحقيقة بشعور جيد بمساهمتهم المهمة في العلم.

يذكر مقال نشر على موقع «ذا بابليك ليبرارين» يعرض تحليلاً شاملاً لتجربة ميلغرام، كما يورد بعض ردود المشاركين. يقول أحدهم «سعيد أنني استطعت مساعدتكم»، ويقول آخر «أشعر بالرضا التام».

فسر «أليكس هاسلام»، وهو أحد الباحثين الحاليين في جامعة كوينزلاند، ذلك قائلًا، إن ذلك «يقدم رؤية جديدة لعلم نفس الاضطهاد ويتماهى مع أدلة أخرى على أن مرتكبي الجرائم بشكل عام لا تنحصر دوافعهم في الرغبة في فعل الشرور، ولكن الشعور بأن ما يفعلونه هو شيء نبيل وذو قيمة».

وتختتم فيونا تقريرها قائلة إن ذلك لا يجعلنا أن نقلل من قدر النتائج التي توصل إليها ميلغرام على مر السنين سابقًا، وغزيب وفريقه حاليًا، ولكنه ربما يقدم قدرًا ضئيلًا من الراحة لدى معرفة أن تلك النتائج لا تشير بالضرورة إلى شيء سلبي في الطبيعة البشرية.

فهل تعذب إنسانًا تنفيذًا لأوامر السلطة، لأنك تؤمن أنك تخدم قضية سياسيةً أو علميةً أو حتى إنسانيةً؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد