2,166

حين تنتهي قصة حب وينفصل الطرفان ويكون أحدهما لا يزال متعلقًا بالآخر؛ يعاني الدماغ من ظاهرة مماثلة لمتلازمة الانسحاب. يتطلب تجاوز الأمر بدء عملية تدريب وإعادة تنظيم وتحمّل قدر –إن لم يكن الكثير- من الألم، هذا بالتحديد ما يوضحه تقرير نشره موقع صحيفة ABC الإسبانية، مفسرًا ما يحدث في الدماغ منذ البداية وحتى مرور التجربة بسلام.

القصة نفسها والألم واحد

فقدان الحب هو أحد أكثر التجارب ألمًا وحزنًا وإثارة للقلق.

يعود الكاتب إلى إحدى الأغنيات الأكثر نجاحًا التي ذرف مستمعوها الدموع عند سماعها هي «Still Loving You» لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»،  التي تتحدث عن معاناة أحدهم بسبب حب ضائع انتهى للتو، ويشير إلى ما قاله مؤلف الأغنية الأكثر مبيعًا حينها عن كلماته: «إنها القصة القديمة، دائمًا القصة نفسها، لا يمكننا أن نعيد اختراع العجلة».

يؤكد الكاتب أن الأمر يمكن أن يحدث لنا جميعًا. إلى جانب أنه يمكن القول بأنه يسبب لنا جميعًا متلازمة أعراض متشابهة لها أساس بيولوجي، وفقًا لمانويل دي خوان إسبينوسا، أستاذ علم النفس بجامعة مدريد دي أوتونوما، فإن آثار فقدان الحب «مشابهة إلى حد كبير لأعراض انسحاب مخدّر من الجسم».

في المرحلة الأولى من الانفصال نشعر بالإنكار والاعتراض

يربط كثير من علماء النفس مثل: جريفين شيلي٬ وهالبيرن ويبلي٬ وبرودسكي وشايف٬ وغيرهم بين الإدمان والعشق؛ لأن كليهما يتشارك سلسلة من السلوكيات، مثل الانتباه المركّز على شيء بعينه (أو شخص) والتغيرات المزاجية. إلى جانب العشق والإدمان الذي يولّد وساوس٬ وشعورًا بالقلق٬ وسلوكيات قهرية٬ وتشويه الواقع٬ والاعتماد العاطفي٬ وتغيرات في الشخصية٬ وفقدان القدرة على ضبط النفس٬ وتغيّر حتى في قدر المخاطر التي يمكن للفرد تحمّلها.

إننا لا نفتقد الطرف الآخر فقط، إننا نفتقد العادات التي كنا نمارسها بصحبته.

ولنتتبع أثر فقدان الحب علينا الذهاب إلى السبب الوحيد له: الحب. في رأي خوان ليرما الباحث في معهد علوم الأعصاب في أليكانتي: «الحب والانفصال هما وجهان لعملة واحدة. الأول يرفع مستويات الدوبامين والأوكسيتوسين في المخ ويجعلك تشعر بالتعلّق والسعادة، بينما الآخر يُفقدك هذا التعلق، ويُشعرك بالقلق والضيق».

يمكن أن يحدث هذا كله بشكل مركّز، الانفصال عمّن نحب يعتبر حدثًا مهمًا في حياتنا. مثلما يوضح الباحثون مثل فيشر وبيولين وريينتخيس، فإذا ما نحّينا جانبًا فقدان أحد المقربين، قد يكون الانفصال عمّن نحب أحد أكثر التجارب ألمًا وحزنًا وإثارة للقلق التي يمكن للفرد أن يمر بها.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: اترك هاتفك! 6 نصائح لتحظى بعلاقات عاطفية أفضل في 2018

إلى أي مدى يمكن أن يحدث هذا؟ يمكن القول بأن الحب الرومانسي عالمي تقريبًا. الباحث هيلين فيشر على سبيل المثال وجده بين 147 من أصل 166 مجتمعًا قام بدراستها. لهذا لا يعدّ مفاجأة أن الانفصال ظاهرة منتشرة جدًا. دليل آخر على هذا نجده في الدراسة التي أجرتها الجامعات الأمريكية، وقالت إن 93% ممن شملتهم الدراسة أوضحوا أنهم رُفضوا من أشخاص أحبوهم، أو تركوا أشخاصًا يحبونهم بعمق. أحيانًا قد يؤدي هذا إلى التفكك الأسري: يقدّر أن حوالي نصف الأسر في العالم ينتهي بهم المطاف إلى الطلاق.

المرحلة الأولى للانفصال: الاعتراض

الأصدقاء وشعور الفرد بأنه جذّاب ومقبول من الآخرين يساعدون في التعافي.

يبدأ الانفصال بمرحلة أولى من الإنكار والاعتراض وزيادة التعلّق يقول عنها إسبينوسا: «يشعر الدماغ بالرعب ويكون ردّ فعله كما لو كان إزاء تهديد خطير، فيبدأ في الشعور بالوهن، ويضعف النظام المناعي، وترتفع مستويات التوتر». باحثون مثل إثان كروس أشاروا إلى حدوث نشاط في بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن حدوث الألم الجسدي.

خلال هذه المرحلة يكون من الشائع أن يرفض الأشخاص العودة إلى الشريك السابق، بشكل حاسم. وقد يظهر شعور عام بالتهيج والغضب، يؤدي في بعض الحالات إلى ارتكاب الأشخاص أعمال عنف، وفي المواقف الأكثر تطرفًا يمكن أن تظهر أعراض اكتئاب وميول انتحارية.

اقرأ أيضًا: قصص الحب في مملكة الحيوان.. 10 من أغرب الطقوس الرومانسية بين الحيوانات

الحياة تبدو مستحيلة

لماذا يحدث ذلك كله؟ لماذا يبدو العيش دون الطرف الآخر مستحيلًا رغم أن هذا ليس حقيقة؟ بعض الأسباب موجودة في عقولنا وفي الهرمونات التي تؤثر في مشاعرنا. ولأسباب لا تبدو واضحة تمامًا الآن تحدث عاصفة كيميائية حقيقية في المخ، ففي البداية، يتم إطلاق الكورتيزول: هرمون التوتر. وتقل مستويات السيروتونين، ونتيجة لذلك تقل القدرة على التفكير المنطقي. ويزيد من جانب آخر الشعور بالحب بسبب ارتفاع مستوى هرموني الحب الأساسيين: الدوبامين والأوكسيتوسين.

على حد تعبير عالم النفس مانويل دي خوان إسبينوسا، فإن ما يحدث في هذه اللحظة هو أننا «نشعر أن الحب يُفلت منا، ونقاتل من أجله بقوة. وفي الوقت نفسه تتزايد الرغبة والاحتياج للتوحد مع الطرف الآخر»،  هذا كله رغم أن الوقت يكون متأخرًا جدًا؛ فقد انتهت العلاقة.

المراحل الأخيرة: الحزن وإعادة التنظيم

لحسن الحظ، بعد كل عاصفة يأتي الهدوء، يتحقق بالفعل في المرحلة الثانية من الانفصال. في هذا الهدوء تكون البداية خليط من الاستسلام واليأس والتشاؤم، والذي يكون التغلب عليه بالأساس «مسألة وقت»، ووفقًا لإسبينوسا في الحالات الأكثر خطورة يتلقّى بعض الأشخاص المساعدة من خلال مضادات الاكتئاب، ومع ذلك فإن لها أثر جانبي إضافي فهي تجعل من الصعوبة الوقوع في الحب من جديد؛ إذ تثبّط بعض الهرمونات التي تُطلق «سهم الإعجاب».

اقرأ أيضًا: هل تصدق أن «الحب من أول نظرة» له تفسير علمي؟

بعد مرور وقت أطول، تبدأ المرحلة الأخيرة من إعادة التنظيم كما يقول إسبينوسا «شيئًا فشيئًا يبدأ العقل في استعادة حالته الطبيعية، بالفعل يعاود الألم الذي يهاجم المعدة الظهور بين الحين والحين، لكن موجاته تكون أقل حدة»، وفي هذه المرحلة تكون دائرة الأصدقاء المحيطين قد تغيرت، وربما نكون قد اعتدنا زيارة أماكن جديدة، وللوصول إلى هذه المرحلة يكون من المهم تغيير العادات لأننا «لا نفتقد الأشخاص فقط، وإنما نفتقد العادات التي اعتدنا ممارستها معهم». ولحسن الحظ إذا سارت الأمور بشكل طبيعي «بالتدريج ستعود ضحكاتنا، ولن يكون لدينا ذلك الشعور العميق بالإجهاد من الخروج ومعرفة أناس جدد».

التعافي يحدث دائمًا

قد تستغرق عملية التعافي شهورًا أو سنوات، وفقًا لطبيعة كل فرد، لكن بعض العلماء يؤكدون أنه يحدث دائمًا لسبب بسيط للغاية. إذا كان للحب وظيفة بيولوجية واضحة هي الإنجاب، فمن المرجّح أن يكون العقل البشري هو أيضًا يسعى بطريقته لفكّ الارتباط لكي يؤسس في المستقبل علاقة جديدة، كما يوضح بيافر وباوتويل وبارنز.

تساعدنا العلاقات الاجتماعية كثيرًا في التعافي والعودة إلى طبيعتنا

على مستوى الدماغ يتطلب الأمر أن تعود الأجزاء التي تنشط خلال شعورنا بالحب (مثل سقف البطين الأيمن والنواة المخططية) إلى طبيعتها، وقبل كل شيء يكون من الضروري حدوث عملية إعادة تعلّم في الفص الجبهي تسمح باستعادة الاهتمام بحب أشخاص جدد.

هذا التعلّم يستغرق وقتًا، لكن هناك أشكالًا تسرع تلك العملية، كما توضح جاكلين أولدس، الأستاذة بمدرسة الطب في هارفارد: «العلاقات الاجتماعية بين الشخص الذي تم رفضه، ودائرة أصدقائه تساعده كثيرًا. إلى جانب أن شعوره بأنه لا يزال جذابًا في نظر الآخرين، يساعده كثيرًا في ألا يسقط في الشعور بالاكتئاب»٬ فضلًا عن المقربين والأصدقاء٬ تساعد بعض الأنشطة الممتعة في التعافي في وقت قصير٬ ويكون لها أثر إيجابي مثل الرقص٬ أو الاستماع للموسيقى٬ وتناول الطعام٬ وممارسة الرياضة.

هذه القصة القديمة للانفصال عن المحبوب عالمية تقريبًا٬ وتشكّل جزءًا من الثقافة الإنسانية، وهي حاضرة في الشعر والأغاني والقصص والخرافات والأساطير. هذا الألم موجود في الثقافة السومرية واليونانية والرومانية والعربية، وفي اليابان والصين والهند وبولونيزيا، وقد أثرى الثقافة دومًا في المجتمعات التاريخية والمعاصرة٬ ومثلما يقول مانويل خوان دي إسبينوسا: لقد كان أحد الجوانب الإيجابية لذلك الألم أنه في لحظات ما «ألهم الشعراء أجمل القصائد وأروع الأغاني»، لكن بشكل عام ففي أغلب الحالات يتوقف التحسر على الحب الضائع عند لحظة ما٬ ومع الوقت يبدأ القلب فصلًا جديدًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك