يذكر الموقع الرسمي لوكالة «الإنتربول» الدولية في قسم المعلومات أنَّ الإنتربول «يهدف إلى تسهيل التعاون الدولي بين أجهزة الشرطة حتى في غياب العلاقات الدبلوماسية بين بلدانٍ محددة. ويجري التعاون في إطار القوانين القائمة في مختلف البلدان، وبروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويحظر قانون المنظمة الأساسي أي تحرك أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري».

لكنَّ مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ترى أنَّ الواقع مختلفٌ تمامًا، وتوضح في تقريرٍها كيف تستغل بعض الدول الإنتربول لمطاردة المعارضين السياسيين أو المتهمين بجرائم غير جنائية تحيط بإجراءات المحاكمات فيها بعض الشك.

تضرب المجلة في تقريرها مثالًا ببانشو كامبو، وهو لاعب تنسٍ أولمبي سابق قضى جزءًا كبيرًا من حياته المهنية المُبكِّرة في الترحال، لذلك فهو ليس غريبًا على السفر الدولي. وفي أعقاب اعتزاله اللعبة أصبح خبيرًا في النبيذ، وأسس فروعًا لشركته في فلوريدا وإسبانيا حيث يعيش الآن.

لكن حين وصل كامبو إلى مطار أوهير الدولي في شيكاغو عام 2009، فوجئ بصدور نشرةٍ حمراء من منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) بشأنه من أجل تسليمه إلى الإمارات العربية المتحدة. ويقول كامبو: «حينها بدأ الكابوس».

Embed from Getty Images

وتشير المجلة إلى أنَّ قضية كامبو تسلط الضوء على طريقة استغلال الإمارات – التي استضافت الجمعية العامة للإنتربول – للوكالة كوكالة تحصيل ديون دولية خاصةٍ بها، وفقًا لما أفادت به ميشيل إستلوند، المحامية المتخصصة في قضايا الدفاع المُتعلِّقة بالإنتربول.

تُصدر الدول الأعضاء في الإنتربول (البالغ عددها 194 دولةً) النشرات الحمراء عادةً بحق الأشخاص المُشتبه في ارتكابهم جرائم كُبرى. لكن بموجب النظام القانوني الإماراتي المُتأثِّر بالشريعة، وجد بعض الأجانب ممن عملوا هناك أنفسهم على قوائم المطلوبين لدى الإنتربول بسبب النزاعات التجارية والشيكات بدون رصيد وديون بطاقات الائتمان، وهي أشياءٌ لا يُعاقَب عليها جنائيًا في كثيرٍ من البلدان.

ولا تتوافر معلوماتٌ علنيةٌ عن عدد النشرات الحمراء التي استصدرتها الإمارات في ما يتعلَّق بهذه القضايا البسيطة نسبيًا، لكنَّ مجموعةً يقع مقرها في بريطانيا، وتُساعد الناس في مثل تلك المآزق، تقول إنَّها تشاهد الآن حالتين شهريًا على الأقل.

ووفقاً للمجلة، بموجب نظام الائتمان الإماراتي، يُطلب من العملاء عادةً توقيع شيكاتٍ بقيمة القروض البنكية التي يحصلون عليها، ليُحتفظ بها كضمانة. وفي حالة تأخَّر سداد القرض، يُمكن للبنك صرف الشيك لاسترداد أمواله. لكن نظرًا لأنَّ المبلغ يكون ضخمًا في كثيرٍ من الأحيان تُرفض الشيكات عادةً لعدم كفاية الرصيد.

وفي 2018 حكمت دولة قطر الخليجية، التي تمتلك نظامًا ائتمانيًا مُشابهًا للإمارات، على رجل الأعمال البريطاني جوناثان ناش بالسجن 37 عامًا بسبب شيكٍ لم يتمكن من تغطية قيمته.

وتقول ميشيل: «في الإمارات، سيُقبض عليك إذا مرضت ولم تتمكن من دفع فاتورة الرهن العقاري. ما يلفت انتباه الناس بشأن قضايا نشرات الإنتربول الحمراء هو أنَّها يُمكن أن تصدر بحقك أو بحقي».

يوضح التقرير أنَّ مشاكل كامبو بدأت عام 2002، حين أغلق شركة تخطيط الفاعليات التي يمتلكها في دبي، والتي لم تَعُدُّ تُدِرُّ أرباحًا في أعقاب هجمات الحادي من سبتمبر (أيلول). وتقدَّم شريكه اللبناني، الذي استثمر نصف مليون دولار أمريكي في الشركة، بشكوى لدى السلطات الإماراتية. وبعد مرور عامٍ على تقديم الشكوى، حُوكم كامبو غيابيًا وأُدين بتهمة خيانة الأمانة التجارية. وقال كامبو إنه لم يُبْلَغ مُطلقًا برفع دعوى ضده.

كامبو يَبلُغ من العمر 57 عامًا، وهو مواطنٌ إسبانيٌ وتشيلي. ورغم أنَّ الولايات المتحدة والعديد من دول أوروبا الغربية يُستبعد أن تُسلِّم شخصًا بناءً على نشرةٍ حمراءَ فقط، لكنَّ ذلك لم يمنعها من عرقلة حياته.

ومع عدم قدرته على السفر إلى الولايات المتحدة، أغلق فرع شركته في فلوريدا واضطر في وقتٍ من الأوقات إلى اللجوء لأسرته من أجل الحصول على دعمٍ مالي. ويُقدِّر أنه أنفق قرابة 280 ألف دولارٍ أمريكيٍ في الأتعاب القانونية حتى تاريخ إزالة النشرة الحمراء الصادرة بحقه هذا العام، بعد تسع سنواتٍ من منعه من دخول الولايات المتحدة للمرة الأولى.

ونتيجة شهرته في عالم النبيذ، نشرت الصُحُف المُختصة بالصناعة في أوروبا ذلك الخبر وصوَّرته في مظهر المحتال. ويقول كامبو: «بمجرد إدراجك في تلك القائمة، تُدَمَّر سُمعتك ويلحق بك الأذى النفسي لآخر لحظةٍ في حياتك».

وتشير المجلة إلى أنَّ الجمعية العامة للإنتربول تصدَّرت عناوين الصُحف الشهر الماضي، حين ترشَّح مسؤولٌ أمنيٌ روسيٌ كبير لرئاسة وكالة الشرطة الدولية، مما أثار المخاوف بشأن سيطرة الكرملين على الوكالة. إذ تشتهر روسيا باستصدار نشراتٍ حمراء عن طريق نظام الإنتربول لمطاردة أعدائها السياسيين في الخارج.

Embed from Getty Images

وفي حين خسر المُرشَّح الروسي لصالح مرشحٍ من كوريا الجنوبية، يقول المحامون وغيرهم من المتعاملين مع الوكالة إنَّها تُعاني من عدِّة مشاكل مُتزايدة، من بينها انعدام الشفافية وإساءة استعمال قوانينها على يد الأنظمة الاستبدادية.

وتعرَّض أشخاصٌ آخرين استهدفتهم النشرات الحمراء لإلغاء تأشيرات سفرهم وإغلاق حساباتهم البنكية، أو عانوا من صعوبةٍ في السفر الدُولي. وتضيف ميشيل: «يُعاني جميع الأشخاص الذين يأتونني من القلق».

لا تَعتَبِرُ الولايات المتحدة النشرات الحمراء أساسًا كافيًا للاعتقال. لكن في بعض الحالات يتسبب إلغاء التأشيرة في ترك الشخص دون وثائقَ رسميةٍ؛ مما يُؤدي إلى اعتقاله وفقًا لما أفاد به محامون تحدَّثوا إلى مجلة «فورين بوليسي». ويقبع بعض عملائهم رهن الاحتجاز لشهورٍ بعد أن ظلوا داخل الولايات المتحدة في أعقاب إلغاء تأشيراتهم بسبب النشرة الحمراء، في حين تتواصل جلسات اللجوء والهجرة.

ويُشدِّدُ المدافعون عن القضايا والمحامون والأكاديميون على أنَّ أغلب النشرات الحمراء تصدر بحق أشخاصٍ يُشتبه في ارتكابهم جرائم خطيرة. لكنَّ عددًا من الدول الاستبدادية، مثل الصين وتركيا وفنزويلا، وكثيرٍ من أعضاء الاتحاد السوفيتي سابقًا، مُتَّهمةٌ بالتلاعب بالنظام من أجل مطاردة رموز المعارضة والمنشقين في الخارج. ويُعَدُّ ذلك خرقًا لقانون الإنتربول، الذي يحث الدول على عدم استخدام النظام لأغراضٍ سياسيةٍ والعمل في إطار معايير حقوق الإنسان الدولية، لكنَّ الكثير من المعلومات ما تزال طيَّ الكتمان.

ويقول برومو مين، المستشار البارز في القانون والسياسة بمنظمة «فير ترايلز»، وهي مؤسسة دولية تراقب تطبيق العدالة الجنائية: «إنَّها مُنظمةٌ بوليسية، ونحن نتقبل حقيقة وجود بعض أنواع المعلومات التي لا يُمكن الإفصاح عنها. لكنَّنا قلقون بشأن نقص المعلومات التي تُساعد على توضيح المشكلة».

وفقاً لتقرير «فورين بوليسي»، تُدرِج الإنتربول بعض النشرات الحمراء على موقعها الإلكتروني، وليس كلها. ويقول المحامون الذين يتعاملون مع هذه المسألة إنَّ عددًا كبيرًا من الناس لم يعلموا بأنَّهم مطلوبون حتى اعتقالهم.

وارتفع عدد النشرات الحمراء التي تَصدُرُ سنويًا من ألف و418 عام 2001 إلى 13 ألف و48 عام 2017. وتُعزى تلك الزيادة بشكلٍ كبيرٍ إلى إدخال نظام تواصل جديد على شبكة الإنترنت؛ مما أدى إلى تيسير عملية تقديم النشرات الحمراء. وقُبيل إدخال النظام الجديد عام 2002، كان النشرات تَصدُر ورقيًا.

ويقول ثيودور بروموند، الباحث الكبير في مؤسسة «التراث»: «لم يكن هناك مجالٌ في الماضي لإساءة استعمال النظام، نظرًا لبُطئه الشديد». ويخشى بروموند أنَّ إساءة استعمال النظام زادت نتيجة إدراك الأنظمة الاستبدادية لكيفية استخدامه في إفساد حياة المعارضين والمدينين خارج حدودهم، حتى لو لم يتم تسليمهم بنهاية المطاف. ويُضيف: «بعبارةٍ أخرى، يتعلَّم الطغاة من بعضهم البعض».

Embed from Getty Images

ويُقدِّر إدوارد ليمون، زميل معهد كينان في «كلية دانيال مورجان»، أنَّ طاجيكستان قد تكون أسوأ المُعتدين في هذا الصدد من حيث نصيب الفرد؛ إذ تُمثِّل الجمهورية السوفيتية السابقة 0.12% من مجموع سكان العالم، لكنَّها استصدرت 2.3% من إجمالي النشرات الحمراء الصادرة العام الماضي. ويقول ليمون: إنَّ نسبةً كبيرةً من تلك النشرات صدرت على الأغلب بحق الطاجيك الذين سافروا للقتال في صفوف الجماعات «المتشدِّدة» بسوريا والعراق. لكن في أعقاب محاولة انقلابٍ فاشلةٍ عام 2015، بدأت طاجيكستان في استصدار نشراتٍ حمراء بحق أعضاء الأحزاب السياسية المُعارضة.

ويقول ستيف سويردلو، الباحث في شؤون آسيا الوسطى بمنظمة «هيومن رايتس ووتش»: إنَّ طاجيكستان تُعَدُّ أفقر الجمهوريات السوفيتية سابقًا، لذا استخدمت نظام النشرة الحمراء لـ«تصدير القمع بطريقةٍ فعالةٍ للغاية من حيث التكلفة. ومن اللافت للنظر بالنسبة لي سماح الإنتربول باستغلاله بهذه الطريقة على يد حكوماتٍ لها تاريخٌ طويلٌ من القمع الاستثنائي».

لم يستجب الإنتربول لطلبات مجلة «فورين بوليسي» بالتعليق على هذا المقال. لكن تذكر المجلة أنَّ المنظمة أجرت عددًا من الإصلاحات خلال السنوات الماضية، سعيًا منها لمكافحة طلبات النشرات الحمراء غير الشرعية. ويُحظر الآن استصدار نشرةٍ حمراء بحق الأشخاص الذين يتمتعون بوضع اللجوء، إذا كان الطلب مُقدَّمًا من البلد الذي فروا منه.

ونظرًا لعدم قدرة الإنتربول على التحقيق في الجرائم، قررت المنظمة عام 2016 تشكِّيل فرقة العمل المعنية بالنشرات والتعاميم لمراجعة النشرات الحمراء والتأكُّد من امتثالها لمبادئ الإنتربول. وتُقدِّر منظمة «فير ترايلز» مُشاركة ما بين 30 إلى 40 شخصًا في عملية المراجعة، لكن لا تتوافر معلوماتٌ كثيرةٌ للعامة بشأن كيفية إجراء المراجعة ومدى قدرتهم على فحص آلاف النشرات التي تصدر كل عام.

ويقول سويردلو: «رغم بعض الإصلاحات التي شهدناها، ما يزال الإنتربول يُشكِّل عقبةً في طريق النشطاء السلميين حول العالم».

وتختتم المجلة تقريرها بأنَّه لا توجد في الوقت الحالي عقوباتٌ للدول التي تُسيء استخدام النظام. وحذَّر بروموند من أنَّ إساءة استعمال النظام ستستمر حتى يظهر ما يُحفِّز على إيقافها. وأضاف في حديثه عن الأمر: «لا يُوجد جانبٌ سلبيٌ للأمر على الإطلاق، سوى سوء السمعة ربما. لكن هل يهم هذا فلاديمير بوتين مثلًا؟».

زعماء ومسؤولون مُلاحقون على قوائم الإنتربول

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد