عبد الكريم العدوان 31
عبد الكريم العدوان 31

استهل الصحافي البريطاني روبرت فيسك مقاله المنشور في صحيفة «الإندبندنت» أن هذه هي قصة مدينة دوما التي يغلب عليها الدمار والحطام، وتحتوي على عيادة تحت الأرض سمحت صور معاناتها لثلاثة من أقوى دول العالم الغربي بقصف سوريا الأسبوع الماضي، وحتى أن هناك طبيبًا ودودًا يرتدي معطفًا أخضر، عندما يسير معه فيسك في نفس العيادة، يخبره بفارغ الصبر أن شريط الفيديو «الغاز» الذي أرعب العالم حقيقي تمامًا رغم كل المشككين.

ومع ذلك، فإن قصص الحرب في العادة تزداد غرابة. وبالنسبة لنفس الطبيب السوري البالغ من العمر 58 عامًا، فإنه يضيف شيئًا مزعجًا إلى حد بعيد فالمرضى، كما يقول، لم يتضرروا بسبب الغاز، بل من نقص الأكسجين في الأنفاق المليئة بالقمامة والأقبية التي كانوا يعيشون فيها في ليلة الرياح شديدة القوى والقصف الثقيل الذي أثار عاصفة ترابية.

كما أعلن الدكتور عاصم الرحباني هذا الاستنتاج غير العادي فإنه من الجدير ملاحظة أن هذا باعترافه الخاص حيث إنه ليس شاهد عيان، كما أنه يتحدث الإنجليزية بشكل جيد، فيشير مرتين إلى المسلحين الجهاديين في جيش الإسلام في دوما على أنهم «إرهابيون» وهي كلمة النظام السوري لأعدائه، و مصطلح يستخدم من قبل العديد من الناس في جميع أنحاء سوريا، ويتساءل فيسك هل ما سمعه صحيح؟ وأي رواية من الأحداث يجب أن نصدقها؟

في غضون ذلك، قالت فرنسا إنها تمتلك أدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية، وقد نقلت وسائل الإعلام الأمريكية عن مصادر أن اختبارات البول والدم أظهرت ذلك أيضًا. وقالت منظمة الصحة العالمية إن شركاءها عالجوا 500 مريض وتظهر عليهم علامات واضحة وأعراض تؤكد تعرضهم للمواد الكيميائية السامة. وفي الوقت نفسه، يتم منع مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من القدوم بأنفسهم إلى موقع الهجوم المزعوم بالغاز، وهذا لأنهم ظاهريًا يفتقرون إلى تصاريح الأمم المتحدة.

ويذكِّر فيسك في مقاله بأنَّ على القرَّاء أن يدركوا بأن هذه ليست هي القصة الوحيدة في دوما، فهناك العديد من الأشخاص الذين تحدَّث إليهم وسط الأنقاض والذين قالوا إنهم لا يصدّقون أبدًا قصص الغاز تلك التي عادة ما تطرحها الجماعات الإسلامية المسلحة. لقد نجا هؤلاء الجهاديون من إطلاق النار من خلال العيش في منازل أشخاص آخرين وفي أنفاق واسعة ذات طرق تحت الأرض حيث مشى فيسك في تلك الممرات الضخمة من الصخور التي لا تزال تحتوي على الصواريخ الروسية والسيارات المحروقة والمحطمة.

إن قصة دوما ليست مجرد قصة غاز كما قد يبدو الحال، فقد اضطر آلاف الأشخاص الذين لم يفروا من دوما في الحافلات التي غادرت الأسبوع الماضي، للعيش جنبًا إلى جنب مع المسلحين مثل أسراب السرطانات لعدة أشهر من أجل البقاء على قيد الحياة.

مشى فيسك في دوما بحرية تامة دون ملاحقة جندي أو شرطية أو ملازم له، فقط كان معه صديقاه السوريان وكاميرته الخاصة وجهاز الكمبيوتر المحمول، وسعد من حوله برؤيته بوصفه أجنبيًا بينهم وأكثر ما أسعدهم هو أن الحصار قد انتهى أخيرًا وغالبًا يبتسم له من يستطيع فيسك رؤية وجهه من سكان المدينة إلا النساء؛ وهذا لأنهن يرتدين الحجاب الأسود الكامل. توجه فيسك مع مجموعة من الصحفيين إلى دوما، لكن بمجرد أن أعلن جنرال مُملّ خارج منزل محطم لمستشار بأن ليس لديه أي معلومات، غادر المكان هو وصحافيون ومراسلون آخرون معظمهم سوريون وأيضًا من الروس.

 

كان فيسك على مسافة قصيرة من باب عيادة «نقطة 200» للدكتور الرحباني حيث أطلعه الدكتور على المستشفى المتواضع وعلى الأسرّة القليلة التي كانت تبكي على أحدها فتاة صغيرة تعالج الممرضات جرحًا فوق عينيها، تروي الفتاة ما حدث حيث قالت: «كنت مع عائلتي في الطابق السفلي من بيتي على بعد 300 متر من هنا في الليل ولكن جميع الأطباء يعرفون ما حدث.

كان هناك الكثير من القصف من قبل القوات الحكومية السورية ولكن في هذه الليلة، كانت هناك ريح شديدة وقد بدأت سحب الغبار الضخمة في الدخول إلى الأقبية حيث يعيش الناس. بدأ الناس يصلون إلى هنا وهم يعانون من نقص الأكسجين ثم صرخ أحدهم على الباب، وهو من الخوذ البيضاء: (الغاز!)، وبدأ الذعر بين الناس.نعم، تم تصوير الفيديو هنا، إنه حقيقي، ولكن ما تراه هو الأشخاص الذين يعانون من نقص الأكسجين وليس التسمم بالغاز».

بدا فيسك مستغربًا بعد الحديث مع أكثر من 20 شخصًا لم يتمكن من العثور على من يبدي أدنى اهتمام في أحداث الهجمات الجوية، وقد أخبره اثنان فعلًا أنهما لا يعرفان رابط الأمر.

لعبت الخوذ البيضاء دورًا مألوفًا خلال المعارك، حيث يتم تمويلهم جزئيًا من قبل وزارة الخارجية ومعظم موظفي المكاتب المحلية من رجال دوما، وجد فيسك مكاتبهم المدمرة غير بعيدة عن عيادة الدكتور الرحباني. وقد ترك قناع غاز خارج حاوية الطعام، كان المكان مليئًا بالكبسولات والمعدات الطبية المكسورة والملفات والفراش والمراتب، بالطبع يجب أن نسمع جانبهم من القصة، لكن ذلك لن يحدث هنا، فقد قالت امرأة أن كل عضو من ذوي الخوذ البيضاء في دوما تخلوا عن مقارهم الرئيسية واختاروا ركوب الحافلات الحكومية المنظمة والروسية إلى محافظة إدلب المتمردة مع الجماعات المسلحة عندما تم الاتفاق على الهدنة النهائية.

كانت هناك أكشاك طعام مفتوحة ودورية لرجال الشرطة العسكرية الروسية ولم يكلف أحد حتى عناء اقتحام سجن الإسلاميين المحظور بالقرب من ساحة الشهداء، حيث يفترض أن الضحايا قد قطعت رؤوسهم في الأقبية. وتتم مراقبة تكملة البلدة التابعة للشرطة المدنية التابعة لوزارة الداخلية السورية من قبل الروس الذين قد يراقبون المدنيين أو لا يراقبونهم.

قوبلت مرة أخرى أسئلة فيسك الجدية حول الغاز بما بدا أنه حيرة حقيقية. كيف يمكن أن يكون لاجئو دوما الذين وصلوا إلى المخيمات في تركيا قد وصفوا بالفعل هجومًا بالغاز لم يبد أحد في دوما اليوم يتذكره؟بمجرد سيره لأكثر من ميل عبر هذه الأنفاق البائسة يجيب فيسك نفسه بأن مواطني دوما عاشوا معزولين عن بعضهم البعض لفترة طويلة لدرجة أن «الأخبار» بمعناها الحرفي للكلمة لم يكن لها معنى بالنسبة لهم.

يختتم فيسك مقاله بأن سوريا ليست كـديمقراطية جيفرسون، بل في الحقيقة إنها ديكتاتورية قاسية، لكن ذلك لم يستطع أن يجبن هؤلاء الناس، فهم سعداء لرؤية الأجانب بينهم ورد فعلهم بكلمات قليلة من الحقيقة. «إذن ماذا قالوا لي؟ تحدثوا عن الإسلاميين وحكمهم. وتحدثوا عن كيفية قيام الجماعات المسلحة بسرقة منازل المدنيين لتجنب قصف الحكومة السورية والقصف الروسي».

وتابع: «كان جيش الإسلام قد أحرق مكاتبهم قبل مغادرتهم، لكن المباني الضخمة داخل المناطق الأمنية التي أنشؤوها كانت كلها تقريبًا محصورة على الأرض من خلال الضربات الجوية. لقد سألني كولونيل سوري صادفته وراء أحد هذه المباني عما إذا كنت أرغب في رؤية مدى عمق الأنفاق. توقفت بعد أكثر من ميل عندما لاحظت أن هذا النفق قد يصل إلى بريطانيا، نعم، لقد تذكرت السيدة ماي، التي كانت غاراتها الجوية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا المكان من الأنفاق والغبار والغاز».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك