سلط تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الضوء على تطبيق سري، وهو تطبيق «هلا»، عكف على تطويره مجموعة من مبرمجي الكمبيوتر السوريين للمساهمة في إنقاذ أرواح الآلاف من المدنيين في البلاد التي تعصف بها حرب وحشية منذ سبع سنوات.

واستهل التقرير بقوله: «عندما تحتشد الطائرات الحربية السورية بسرعة على طول المدرج، على بعد ثوانٍ من الإقلاع ودقائق من تشغيلها، يبدأ سباق سري لإنقاذ حياة المدنيين».

يبدأ العمل في التلال السورية القريبة مع مراقب واحد للطائرات لا يملك سوى هاتفه المحمول. بعد لحظات، يتم عرض تفاصيل الرحلة إلى خادم في الخارج، وتحليلها لتحديد الأهداف، ومن ثم تحويلها إلى تحذيرات للبلاد من خلال الشبكات الاجتماعية. عبر معاقل المعارضة، يقوم عمال الإنقاذ بالاستعداد، بينما تستعد المستشفيات المحيطة لاستقبال المصابين، بحسب تقرير الصحيفة الأمريكية.

ونقل التقرير ما ذكره أبو زيد، أحد مراقبي الطائرات، في مقابلة أجريت معه مؤخرًا: «الجميع يحبسون أنفاسهم. إنه الانتظار الذي يشبه الجحيم». وبينما تقاتل قوات المعارضة حكومة النظام السوري على الأرض، تقصف الطائرات السورية والروسية في الآونة الأخيرة أراضي المعارضة؛ مما أدى إلى تدمير الأحياء وقتل أو تشويه العديد من مئات الآلاف من الناس الذين يعيشون هناك.

الحاجة إلى التكنولوجيا

بحسب التقرير، فقد أرغمت المجازر التي ترتكبها قوات النظام المدافعين عن المدنيين على الابتكار والتطوير. استخدم المدنيون في البداية أجهزة اللاسلكي للتحذير من الطائرات الحربية. طورت فرق الإنقاذ الوليدة طرقًا أكثر تطورًا لتحرير العائلات من تحت الأنقاض. في المستشفيات، طور الأطباء أماكن العمل لمواجهة حالات انقطاع التيار الكهربائي.

ثم في عام 2016، وجد فريق من مطوري الكمبيوتر طريقة لربط كل تلك الجهود.

والنتيجة هي أنظمة «هلا» -المعروفة لدى العديد من السوريين باسم نظام سنتري Sentry– وهي أنظمة يمكنها كسب دقائق حاسمة للسكان لإيجاد الأمان عندما تتجهز الطائرات الحربية لقصفهم.

وقال رجل الأعمال الأمريكي ديف ليفين: «لقد كانت فكرة مجنونة، لكننا قررنا أنه من غير المعقول ألا نحاول». أطلق ليفين تطبيق «هلا» مع الدبلوماسي الأمريكي السابق جون جايجر، وهو مبرمج كمبيوتر سوري طلب حجب اسمه خوفًا من انتقام الحكومة السورية. تمول المشروع الحكومات الغربية والتبرعات من الأصدقاء والعائلة.

أولًا، احتاج الفريق إلى شبكة بشرية، وطوروها شهرًا تلو الآخر. من خلال التواصل عبر اتصالات موثوقة، جندوا معلمين ومهندسين وحتى مزارعين باعتبارهم أخصائيين محتملين في الطائرات، وبعضهم يعيشون بالقرب من القواعد الجوية الروسية أو السورية، والبعض الآخر في قلب الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة.

وبتجهيزهم بتطبيق بسيط للهواتف الذكية، يراقب هؤلاء المتطوعون السماء في نوبات عمل تستغرق ثماني ساعات، وعندما تظهر الطائرة، يشاركون معلومات حول موقعها واتجاهها، وإن أمكن طرازها. يتم تنقيح هذه المعلومات مع بيانات تكميلية من أجهزة الاستشعار عن بعد. ووسط الأشجار والمباني الشاهقة، تجمع هذه البيانات الصوتية التي يمكن استخدامها لتحديد سرعات وطرازات الطائرات. وبعد ثوانٍ، يقارن برنامج «هلا» المعلومات الجديدة مع تلك الموجودة في الحلقات السابقة، ويحسب فرص حدوث غارة جوية، ويصل إلى التنبؤات بالأهداف المحتملة للطائرة، وكذلك عند وقوع هجوم.

تُبث الإسقاطات على الفور عبر قنوات التواصل الاجتماعي، ويتم تشغيل شبكة من الإشعارات. عندما تقترب الطائرات الحربية، تنطلق صفارات الإنذار في الشارع، ويحمل الآباء أطفالهم وهم يركضون في الطوابق السفلية. في المستشفيات، تحذر الأضواء الوامضة الأطباء من أن أبوابهم قد تنفجر مع وقوع إصابات.

ويشير تحليل أولي لبرنامج «هلا» إلى أن التكنولوجيا قد ساعدت في إنقاذ مئات الأرواح، ومنع الآلاف من الإصابات. وبينما كان هجوم مدعوم من قبل روسيا يقصف ضاحية الغوطة الشرقية في دمشق خلال وقت سابق من هذا العام، تلقى السكان تحذيرات بوقوع هجوم عبر تطبيق «هلا».

ونقل التقرير عن أحد السكان، الذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، قوله: «كانوا هم بصيص الأمل الوحيد الذي كان لدينا. من الصعب تصديق أننا نجونا تلك الأيام، حقًّا. لقد مات الكثير من الناس».

وقد تم نشر الإنذارات المبكرة على نطاق واسع وبسرعة من خلال تطبيق «هلا» من خلال مجموعة الخوذ البيضاء، التي تجري عمليات البحث والإنقاذ في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ومع محطات الإذاعة والمرافق الطبية التابعة للمعارضة.

مع وصول حرب سوريا المستمرة منذ سبع سنوات إلى مراحلها النهائية؛ فقد باتت قوات المعارضة في مقاطعة إدلب الشمالية عرضة لهجوم محتمل من النظام، وقد يواجه المراقبون مهمتهم الأكثر إلحاحًا حتى الآن. فقد يتم دعوتهم للمساعدة في تخفيف آثار ما يمكن أن يكون الهجوم الأكثر دموية في الحرب.

مهمة خطيرة في إدلب

بالنسبة للمراقبين، فإنها مهمة خطيرة، مما يعرضهم لخطر الانتقام، وقال العديد منهم إن التهديدات من الميليشيات الموالية للحكومة شائعة. يتعرض المراقبون أيضًا في بعض الأحيان للضربات الجوية، على الرغم من عدم وجود حالات معروفة لاستهدافهم عن قصد.

آثار القصف الجوي السوري على الأحياء المدنية

لكن المراقبين يصفون المهمة بأنها فرصة نادرة للعمل في وجه الفظاعة الوحشية. وقال عبد الرزاق، وهو مراقب في بلدة معرة النعمان شمال معقل المعارضة: «كان العنف بلا هوادة، لكن لا يمكنك تخيل الشعور عندما تنقذ هذه التحذيرات الأرواح. إنها كبيرة جدًا لدرجة أنك تشعر وكأنك تنفجر».

في 4 أبريل (نيسان) 2017، التقط محمود الحسنة، وهو أحد مراقبي الطائرات إشارة لا سلكية بين طيار ومركز قيادة على جهاز لا سلكي محمول، وأرسل موجات عبر الشبكة. كان يتتبع قائد السرب لعدة أشهر، وكان يعرف أن الطائرة كانت تدير مهمة واحدة فقط. «إن الطائرة تحمل موادًا كيميائية، وأنا متأكد من ذلك. يا شباب، أخبروا الناس بارتداء الأقنعة. هناك طائرة أخرى وراءها»، كما قال، وفقًا لنسخة من تسجيل المحادثات في ذلك اليوم.

وبعد دقائق، ألقت الطائرات الحربية بغاز الأعصاب على بلدة خان شيخون الشمالية، وعانى عشرات المدنيين من وفيات مؤلمة. وقال جايجر إنه من غير الواضح ما إذا كان تطبيق «هلا» قد أنقذ أرواحًا أثناء هذا الهجوم الذي وقع أثناء مرحلة إطلاق النظام. وقال: «أتمنى لو تلقى المزيد من الناس تحذيرنا في ذلك اليوم».

في شهر مايو (أيار) من هذا العام، علم الفريق المشرف على التطبيق أن الحسنة قد قُتل في مسقط رأسه بمحافظة إدلب، قبل أن يعلموا أن ابنه البالغ من العمر سبع سنوات قد انضم إلى الجهود التي يقوم بها الفريق لتحذير السكان من الغارات الجوية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!