تعد سنغافورة واحدة من الدول التي تحصل بشكل دائم على مرتبة متقدمة كواحدة من الأمم الأكثر إبداعًا وابتكارًا في العالم، وهناك العديد من المؤسسات المالية الدولية تعتبرها أيسر مكان في العالم للقيام بأعمال تجارية، وعلى مدار تاريخها البالغ أكثر من 50 عامًا اكتسبت سنغافورة سمعة جيدة كمحور الابتكارات في عالم المال والأعمال، وهو ما جعل التجربة السنغافورية محل دراسة في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد من قبل أحد أهم المخططين الإستراتيجيين مثل مايكل بورتر.

 وقد دفعت – هذه الإنجازات– الكاتب “دومينك باسولتو” إلى طرح العديد من الأسئلة المتعلقة بسر نجاح وتميز سنغافورة في الابتكار، وفي محاولة منه لإيجاد بعض الإجابات تطرق الكاتب إلى حوار دار بينه وبين “داميان شان” – المدير الدولي المختص الأمريكتين في مجلس التنمية الاقتصادية بسنغافورة وهى مؤسسة رائدة في مجال تخطيط الابتكارات– حيث أخبر “شان” الكاتب أنه لا يوجد مكون سري وحيد للنجاح، ولكن على العكس من ذلك فإن هذا السجل المتميز هو نتاج فلسفة سنغافورة المعنية بالترحيب بأي محاولة من أي شخص بإقامة أعمال واستثمارات بها وأن كل شيء في سنغافورة مبني على هذه الفلسفة.

وأضاف “شان” أن الهدف الأساسي لمجلس التنمية الاقتصادية منذ تأسيسه من حوالي 50 عامًا هو جذب الشركات متعددة الجنسيات وتحفيز فكرة الصناعة من أجل التصدير وذلك لمساعدة سنغافورة التي كانت آنذاك دولة صغيرة ذات موارد محدودة جدًّا، ومع مرور الوقت وازدياد الرخاء وازدهار سنغافورة أدى ذلك إلى إسناد مهام أخرى للمجلس الاقتصادي والتي تتعلق بالتركيز على مجال الابتكار.

وقد أسست سنغافورة من خلال مجلس التنمية الاقتصادية إستراتيجية جديدة تسمى “ثالوث الموطن” وهي مكونة من ثلاثة أركان وهي: “موطن للأعمال، موطن للابتكار، موطن للموهبة”، والأمر المثير للاهتمام أن نظرية “موطن للأعمال” انتشرت بشكل كبير في جميع أرجاء سنغافورة وليس فقط في مجال الصناعات المتطورة التي تحتاج إلى إبداع وابتكار مثل الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات، بل حتى انتقلت إلى السلع الاستهلاكية، والمواد الكيميائية، والطاقة.

الجدير بالذكر أن دولة سنغافورة تذلل العديد من الصعوبات أمام جميع الشركات الأجنبية التي تريد تحويل وإنشاء أعمال جديدة على أراضيها، واعتبار مجلسها التنموي الاقتصادي محطة أساسية لجذب رؤوس الأموال والمواهب في كافة المجالات، كل هذا ساهم في إنشاء مناخ جديد أمام مجال ريادة الأعمال والاستثمار حتى أنه تم إطلاق اسم “سيلكون فالي جنوب شرق آسيا” على سنغافورة.

استطاعت سنغافورة من خلال استجابتها السريعة للتغيرات التي تحدث في الأسواق العالمية، وتبني إستراتيجية الابتكار أن تكون خير مثال لتطبيق فلسفة “موطن للمواهب”، إلى جانب إظهار سنغافورة لنفسها – بسبب موقعها الجغرافي القريب من الصين- على أنها الملاذ الوحيد للشركات العالمية مثل شركة “بي & جي”، وجنرال موتورز وغيرها التي تريد فتح سوق جديد قريب من الصين – التي من المتوقع أن تكون الاقتصاد رقم 1 عالميًّا خلال السنوات المقبلة- بدون تكبد النفقات الباهظة والتعقيدات التي تفرضها الصين.

ساهم التزام سنغافورة الجاد تجاه العلم والتعليم في توافد العديد من المواهب حول العالم والشركات متعددة الجنسيات إليها والتي تتطلع للتوسع حتى الوصول للصين، كما أصحبت سنغافورة مدينة جاذبة للعديد من الجامعات الكبرى حول العالم لإقامة فروع منفصلة لها في مدينة سنغافورة.

على مدار 50 عامًا ومنذ أن أصبحت سنغافورة أمة مستقلة وهي تتطور بشكل دائم في مسار الابتكار، وكانت سنغافورة محورًا مهمًّا للصناعات ذات رؤوس المال المنخفضة في منتصف الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ومع تطورها واجتذابها لرؤوس الأموال أصبحت سنغافورة لاحقًا مركزًا لأهم الصناعات حول العالم، وهو ما جعل العديد من الشركات العالمية تنظر لسنغافورة على أنها شريك على المدى الطويل وليس وسيلة مؤقتة لكسب الأموال في أسرع وقت مثل الشراكة التي حدثت بين شركة “أي بي إم” والجامعة الوطنية بسنغافورة والتي تركزت حول جمع وتحليل البيانات.

قامت سنغافورة مؤخرًا بعمل تطوير وإصلاح هائل لجزيرة جورونغ والتي أصبحت الآن مُجمع متكامل يجمع أهم 95 شركة حول العالم ممن يعملون في مجال الطاقة والكيماويات مثل شركة “شل” و”إكسون موبل” و”دو بونت”، ولكن السؤال الأهم الآن والذي طرحه “شان” ونقله الكاتب في هذا المقال هو كيف ستكون استجابة سنغافورة عندما يتباطأ نمو الصين والذي سيحدث مستقبلًا، وهو ما أجاب عليه “شان” بأنه على سنغافورة عمل شراكة مع العديد من الشركات في الأمريكتين وليس فقط الولايات المتحدة، بل يجب على سنغافورة التوجه لدول مثل البرازيل والمكسيك وحتى بنما، ويأتي هذا في الوقت الذي تقوم فيه سنغافورة بعمل علاقات مع دول جنوب شرق آسيوية غير الصين، وذلك للحفاظ على الزخم الاقتصادي للمنطقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد